نحن السوريين... في السواد سواسية

الخميس 27 مايو 202111:32 ص

بين الأمل والدبكة والتصفيق والانتصارات المهزومة، يقود السوريون اليوم مسيراتهم المبرمجة، سواء برغبتهم، أو رغماً عنهم، أو إرضاءً وإشباعاً لحاجة إنسانية إلى الفرح، كالطير المذبوح من الألم بعد عشرية سوداء من الحرب، والدم، والاقتتال الذي اكتشف معظمهم متأخراً أنه كان بلا جدوى. هذا الفرح الذي يأخذ شكله المذعور، فترى بعضهم تكاد أن تدق قدماه بمؤخرته راقصاً، أو دابكاً لئلا يشي به أحد الأعضاء الحزبيين متهماً إياه بضعف الحماسة الوطنية، أو "تتملخ باطاته" من التصفيق، ويُبحّ صوته بهتافات الافتداء، و"بالروح بالدم"، والتأكيد على خيار أبدي وأوحد لا رجعة فيه ولا تهاون معه، كما تُظهر الصور المطروشة هنا وهناك عند المداخل، ووسط الساحات، وعلى واجهات المحال والهيئات الحكومية المذيّلة بتقدمة فلان وعلّان. فقد تحول البلد إلى معرض مفتوح لصور "الأخ الأكبر". هذا الاختيار الذي يوازي في أحسن الأحوال مفهوم "حرية الضمير" الانتخابي عند أبي عنتر.

حتى نفهم العلاقة الوطيدة بين المتلازمتين؛ الدبكة والانتخابات، علينا أن نعي أن "الجماهير لا تقتنع إلا بالصور الإيحائية، والشعارات الحماسية، والأوامر المفروضة"

ويمكننا تشبيه هذا الاستعراض الكرنفالي الجماعي لموظفين وطلاب وشرائح واسعة من السوريين بدقائق الكراهية، كما في رواية "1984" لجورج أورويل. ولكن هذا الاستعراض الذي يتكوّن من مزيج عجائبي من مظاهر السعادة المنتصرة، سواء من أغانٍ وإيقاعات عنيفة صاخبة لا تخلو من عبارات طائفية، أو عنصرية منسجمة مع نمط راقص مسعور تتشابك فيه الأيادي والقلوب الميتة في حلقة مفرغة من الدبكة. تنسجم خبطات هذه مع خطاب شوفيني أصم حول "وطنية" تختصر البلاد من خلال شعار: الله، سوريا... فيجتهد السوري المشارك في هذا العرس ما في وسعه، في النخّ والهزّ والاعتلال المبهج مستكملاً مشهد المسرحية الهزلية المكشوفة.

وحتى نفهم العلاقة الوطيدة بين المتلازمتين؛ الدبكة والانتخابات، علينا أن نعي أن "الجماهير لا تقتنع إلا بالصور الإيحائية، والشعارات الحماسية، والأوامر المفروضة من فوق"، كما يقول غوستاف لوبون في كتابه الشهير "سيكولوجية الجماهير". فالتهييج والاستثارة الحماسية، وتالياً التهافت العاطفي الأعمى، أصبحت حالة اعتيادية دأبت أدوات الإعلام الرسمي صباح مساء، منذ خمسة عقود وحتى الآن، في تعزيزها. وذلك بأدوات دعائية مدعومة بخطاب مكرر اعتيادي حول المؤامرة الكونية المحيقة بالوطن، والعداء للغرب، والاستقلال بالقرار الوطني، والاشتراكية الفضفاضة. فلا تكاد تخلو مناسبة وطنية في مؤسسة، أو معمل، أو جهة ما من هذه المظاهر الراقصة. فتُنصب الخيام، وتُزيَّن الأعلام، وتُعقد حلقات الدبكة، ويشتغل الطبل والمزمار. غدا هذا السلوك منهجاً بعثياً ثابتاً بعد أن عولج الموروث الشعبي بشقيه: المُغنْوَن الاستهلاكي، والفلكلوري الراقص، وبعد تعويم مطربي الكراجات كنجوم خلال بدايات القرن الحالي، وأغاني الدبكة التي تتجاوز مفهومها المادي التقليدي، والتي تقوم أساساً على فكرة "العونة". وتتلخص الفكرة في الفلّاح، وفي المجتمع الزراعي، وذلك بعد عملية رش بذور القمح في أرضه. ولإتمام غرس البذور في التراب، كان يدعو أهل القرية لإقامة حلقات الدبكة، وهي معروفة الخطوات مع "الخبطات" على أرض الحقل، فتُرصّ البذور لتتحوّل عملية العمل الزراعي إلى أمثولة في الفن الشعبي. فتعمّ البهجة، أولاً عند الفلاح الذي عاونه أهل قريته على إنجاز عمل يقتات منه وعائلته، وثانياً يبتهج الناس بالاحتفال الفني التقليدي الذي يشدّ أواصر علاقات الناس. لكن هذا الجانب الإيجابي لمعنى الدبكة يغيب تماماً، ليشمل طرائق التعبير عن التأييد للسلطة القائمة فنياً وأدبياً ولفظياً. لذلك، تحولت الأعياد والمناسبات الوطنية، على كثرتها، طريقة مفضلة "للبروظة وكم الأفواه الجائعة بالخطابات الرنانة. إذ يسير خلفها طابور الكادحين في المسيرات ا’لعفوية’ شارعاً شارعاً، ممجداً ومهللاً للنصر المبين".

نرى هذا الوهم الاجتماعي الذي غدا مرضاً عضالاً اسمه الدبكة، والذي نشهده بكامل قبحه وفجاجته واستهتاره بالدم السوري من خلال ما ينظَّم من احتفالات

يحدث كل ذلك أمام أسطوانة ضرورات المرحلة، وطبيعة الظرف الموضوعي، وحساسية المواجهة مع العدو المتربص. لذلك تُرفض اللغة التشاؤمية وأصحابها، ويحدث اللجوء إلى الدبكة، وبدائع إحياء التراث وتمجيد الهوية الوطنية في كلِ ساحِ نضال. فكل بيت عتابا هو وسيلة جاهزة لاستنفار الهمم، ورافعة وجدانية لتغليب الحس المقاوم، ومِقود الانتماء للوطن، تراباً ورايةً وعلماً يرفرف. ولأن الجماهير معادية بطبيعتها لحقيقة وجودها، صارت تكفيها هذه الأصنام البلاغية في لغة الإنشاء الإعلامي؛ لتعزز حضور الهستيريا الراقصة التي طالما أبدعت في ممارستها، ومديح صنّاعها الحنجوريين لتدبك وترقص على إيقاعاتها الوطنية.

نرى هذا الوهم الاجتماعي الذي غدا مرضاً عضالاً اسمه الدبكة، والذي نشهده بكامل قبحه وفجاجته واستهتاره بالدم السوري من خلال ما ينظَّم من احتفالات لإضفاء شرعية ما برعاية رسمية تتبنى طبقة (أمراء الحرب) التي سمّنها الفساد، وفرض الإتاوات، والتعفيش على مدى سنوات الحرب. نشهد ذلك في عملية استعراض ثقافي مؤسس على الرقص الدرامي، والتحكم بالحاجات الأساسية الإنسانية للعيش الكريم، يغذّيه طموح الوحش-اللص. تدفع عنه اللحّامية (نسبة إلى دريد لحام) خطر الخطاب العقلاني المضاد، وتسكنه التربية الأبوية الثيوقراطية القامعة المتمظهرة في شرف الفقر بلا وعي. وفي ذلك استعادة لبانوراما ما قبل الحرب، في مشهدية الخراب والبؤس لما دون خط الجوع، فتضعنا نحن السوريين جميعاً في السواد سواسية.

 

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard