شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!
لا نرجيلة، لا طاولات زهر، لا موسيقى ولا نساء في مقاهي

لا نرجيلة، لا طاولات زهر، لا موسيقى ولا نساء في مقاهي "الاكسبرس" في إدلب

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة نحن والحريات العامة

الاثنين 15 أبريل 202410:03 ص

"مقاهي الشام غير" بهذه العبارة يبدأ مهند أشقر (34 عاماً) وهو مُهجّر من ريف دمشق إلى محافظة إدلب حديثه لرصيف22 عن المقاهي التي كان يرتادها خلال دراسته الجامعية في دمشق.

 "كانت القهوة تصب في فناجين بيضاء سميكة على وقع صوت فيروز المختلط بأصوات قرقعة النرجيلة، والتي كنت لا أشربها لصغر سني وارتفاع تكلفتها مقارنة بمصروفي، إلا أنني كنت أشتم رائحة احتراق معسل الـ"تفاحتين"، وأنا أنظر إلى المارة عبر الواجهة الزجاجية للمقهى، وأقلب صفحات جريدة الثورة أو جريدة البعث، وقد أسترق النظر لفتاة تجلس مع رفيقاتها، بينما ترتطم حجار الزهر ويصيح أحد الجالسين عليها (دوشيش) ليفقد التركز كاتب سيناريست جلس على بعد طاولتين لبرهة، قبل أن يعود لينغمس في أوراقه مجدداً". هكذا يقول. 

يقول مهند إنه منذ وصوله إلى محافظة إدلب عام 2017 عكف على البحث عن أماكن تقدم القهوة بالطريقة الشعبية التي اعتادها، لكنه بدلاً عنها بات يشرب قهوة "الاكسبرس" أو "الاسبرسو"، إما على قارعة الطريق، أو وسط سوق مكتظ أو في موقف للباصات.

مقاهي إدلب التي كانت 

أغلقت مقاهي إدلب أبوابها مع توسع الفصائل المسلحة عام 2015، إذ انشغل الناس بالحرب، هكذا يقول مصطفى مرغش (39 عاماً)، وهو من أبناء المحافظة التي كانت مقاهيها عتيقة كزوارها من كبار السن. وحلت مكان المقاهي القديمة محال صغيرة وأكشاك على الأرصفة، وسيارات مصطفة تحوي "ماكينات" لإعداد قهوة "الاكسبرس"، كما تعرف بحسب اللهجة الدارجة. 

يقول مهند إنه منذ وصوله إلى محافظة إدلب من دمشق عام 2017 عكف على البحث عن أماكن تقدم القهوة بالطريقة الشعبية التي اعتادها، لكنه بدلاً عنها بات يشرب قهوة "الاكسبرس" أو "الاسبرسو"، إما على قارعة الطريق، أو وسط سوق مكتظ أو في موقف للباصات

مع تراجع فرص العمل اتجه كثيرون للمشاريع ذات التكلفة القليلة، والتي تحقق أرباحاً جيدة مقارنة بنفقاتها، ومشاريع بيع القهوة من ضمنها، فهي تعمل على مدار السنة وليست موسمية، وكل ما يحتاجه صاحب العمل لتأسيسه هو ماكينة صنع الاسبرسو "الاكسبرس"، مع رفّين من البسكويت والسجائر، وبعض وجبات الأندومي، بالإضافة إلى سيارة أو كشك صغير.

وبالعادة، فإنّ المكان هو العنصر الأهم في نجاح هذا النوع من المشاريع، لذا نجدها منتشرة على الأرصفة، أو مفترقات الطرق، أو الكورنيش، أو قرب محطات الوقود، أو مواقف الباصات. 

مقاهي "الاكسربس"... عمل من لا عمل له 

أسس محمد الأطرش (30 عاماً) منذ عدة أعوام مقهى في مدينة "كفرتخاريم" في ريف إدلب، ويتخذ "مقهى الأطرش" شكلاً مستطيلاً، وهذا لم يكن خياره بل بحسب المحل الذي تمكن من استئجاره والذي لا يتسع إلا لعدد قليل من الطاولات، بينما يشرب معظم الزبائن قهوتهم وقوفاً ويدخنون سيجارة أو سيجارتين قبل أن يغادروا.

ويشرح لرصيف22 أن ما دفعه لافتتاح مشروعه هو تكاليفه القليلة وامتلاكه لمهارة صنع القهوة، يقول: "صحيح أن القهوة تصنع بالماكينة، إلا أن اختيار نوع البن وطريقة تحميصه وطحنه وتجهيزه، تحتاج إلى مهارة وخبرة".

يقول قصي إنه يجد متنفساً لهمومه بين المجتمعين "فيما يشبه المقاهي"، التي لم تعد مكاناً لبحث مشاريع جديدة بل يتشابه فيها الحاضرون في همومهم وأوضاعهم المعيشة 

وبحسب الأطرش، فإنّ كثرة أعداد هذه المقاهي وانخفاض تكاليف تأسيسها وعدم اشتراط الخبرة وقلة فرص العمل، شكّلت أسباباً للتنافس في الأسعار على حساب الجودة. إذ يراوح سعر فنجان القهوة بين 4 و 10 ليرات تركية أي (0.13 إلى 0.32 دولار) ، وسعر كيلو البن بين 130 و 190 ليرة، أي (4.11 إلى 6 دولارات).  

أما محمود الخالد (34 عاماً) مُهجّر من ريف حماة، ويقيم في مدينة إدلب منذ 4 سنوات، وهو يعمل في مهنة تقديم القهوة، يقول لرصيف22 إن المشروع الصغير الذي لا يتجاوز رأسماله 500 دولار، وكشك بمساحة لا تتجاوز (3 في 7 أمتار)، بات يؤمن دخلاً لأسرته بعد أن فقد أرضه التي كانت مصدر دخله الوحيد.

ويقول إنه خسر في البداية عدداً من الزبائن، كما تلقى العديد من الشكوى بسبب رداءة القهوة التي يقدمها، فهو لا يمتلك خبرة سابقة عن المهنة، إنما مع الممارسة بات يقدم قهوة ذات رائحة وطعم يجذبان الزبائن حتى ساعات متأخرة من الليل. 

ربح معقول مقابل كلفة قليلة 

تحقق هذه المشاريع أرباحاً مقبولة مقارنة بنفقاتها الجارية، والتي تشمل جرة غاز، وتأمين تيار كهربائي يمكن تعويضه في حال انقطاعه بألواح الطاقة الشمسية والبطاريات، بالإضافة إلى ماكينة صنع القهوة والتي يبدأ سعرها من 200 دولار أمريكي.

مع تراجع فرص العمل اتجه كثيرون للمشاريع ذات التكلفة القليلة، ومشاريع بيع القهوة من ضمنها، فهي تعمل على مدار السنة وليست موسمية، وكل ما يحتاجه صاحب العمل هو ماكينة صنع "الاكسبرس"، مع رفّين من البسكويت والسجائر، وبعض وجبات الأندومي، بالإضافة إلى سيارة أو كشك صغير

لا مكان هادئاً لقراءة جرائد ورقية غير متوفرة أصلًا في محافظة إدلب، وليس هناك مقاعد وثيرة يمكن الاسترخاء عليها، ولا أصوات للموسيقى أو قرقعة النرجيلة الممنوعة "بقرارات غير رسمية"، ولا وجود للنساء بالطبع، حيث يجتمع هنا صخب الحياة بالرجال والشبان الضائعة أحلامهم. 

تصدر مكينات صناعة القهوة أصوات قرقعة غليان المياه، ويضج المكان بأصوات محركات السيارات القريبة، أو صفارات سيارة إسعاف أو فريق للدفاع المدني، بينما تختلط بأصوات الشباب المنتشرين على الطاولات والمحدقين بهواتفهم، فترتفع تارة أصوات سباب أو أغنية قصيرة نشرت عبر "تيكتوك" أو "انستغرام". 


نساء يشربن القهوة من تحت غطاء الوجه

اعتاد عدنان أبو بكر (24 عاماً) أن يشرب قهوته صباحاً عند أحد أكشاك بيع القهوة قبل أن ينطلق لعمله في إحدى ورشات الخياطة. بينما يقضي قصي المحمد (37 عاماً) وهو مهجر من دمشق معظم ساعات يومه متنقلاً بين أماكن بيع قهوة "الاكسبرس"، يشرب قهوته ويدخّن بشراهة بعد أن استغنى صاحب ورشة تقطيع الرخام التي كان يعمل فيها عن خدماته لمطالبته برفع أجرته والتي لا تتجاوز 150 ليرة تركية . 

لا مكان لقراءة جرائد ورقية غير متوفرة أصلًا في محافظة إدلب في هذه المقاهي، وما من مقاعد، ولا موسيقى أو قرقعة نرجيلة "الممنوعة بقرارات غير رسمية"، ولا وجود للنساء. 

يقول قصي إنه يجد متنفساً لهمومه بين المجتمعين "فيما يشبه المقاهي"، التي لم تعد مكاناً لبحث مشاريع جديدة والبحث عن الآمال، بل يتشابه فيها الحاضرون في همومهم لا سيما أوضاعهم المعيشة وعدم امتلاكهم فرص عمل.

تقدم هذه المشاريع القهوة والشاي والكابتشينو والنسكافيه والزهورات بأنواعها، كما أن وجبة "الأندومي" التي تقدم بطريقة مختلفة عن صنعها في المنزل، باستخدام ماكينة القهوة نفسها يمكن تحضير وجبة الإندومي التي تقدم بكأس كرتوني، كما توفر هذه الأماكن خدمة الانترنت المجانية.

معظم رواد هذه المقاهي من الرجال، ولا مكان حولها للنساء إلا واقفات إلى جانب الكشك، يرتشفن فنجان قهوة على عجل وهن يدارين وجوههن تحت الغطاء.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

لا ليل يطول، ولا خريف

بعد ربيعٍ عربي كان يزهو بفورات الأمل ونشوة الاحتجاج، ها هي نوستالجيا الحريّة تملأ قلوب كلّ واحد/ ةٍ منّا حدّ الاختناق.

نوستالجيا أفرغها الشلّل القسريّ الذي أقعدنا صامتين أمام الفساد العميم والجهل المتفشي. إذ أضحت الساحات أشبه بكرنفالاتٍ شعبية، والحقيقة رفاهيةً نسيناها في رحلتنا المضنية بحثاً عن النجاة.

هنا في رصيف22، نؤمن بالكفاح من أجل حياةٍ أفضل لشعوب منطقتنا العربية. ما زلنا نؤمن بالربيع العربي، وربيع العالم أجمع.

Website by WhiteBeard