شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!
اركنْ

اركنْ "عربيتك" وقلْ "بونجور" للرجل الأبيض

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي نحن والمهاجرون العرب

الأربعاء 17 أبريل 202411:03 ص

فرنسا بلد ذو ضرائب هائلة. العديد من الأشياء أرخص في البلدان المجاورة. خصوصاً التبغ والمشروبات الكحولية (غير النبيذ طبعاً، الفرنسيون يدعمون نبيذهم لدرجة رغبتهم استبداله بالماء) ما يضطر أغلب الفقراء، واللاجئين منهم، للقيام بأمر نصف شرعي، وهو الذهاب إلى البلدان المجاورة وممارسة العادة السورية بالتهريب، أي إحضار البضائع غالية الثمن والتي تستخدم بكثرة. وفي الحقيقة، أغلب سكان المناطق الحدودية، من لاجئين وغير لاجئين، يقومون بهذا، فمن غير المعقول شراء علبة تبغ بـ 12 يورو في فرنسا بينما هي على بعد 10 كيلومترات ب 5 يورو فقط، أو زجاجة ويسكي أو أغلب المنتجات الغذائية بنصف الثمن، لكن هذه هي فرنسا، بلد الإضرابات والضرائب.

الجميع يذهبون إلى إسبانيا أو ألمانيا أو بلجيكا في عطلة نهاية الأسبوع، وأحياناً أندورا الأبعد قليلاً، لكن الأرخص بما لا يقاس، لشراء التبغ غالباً، وليس في هذا مخالفة للقوانين طالما لا أحد يحضر كمية أكثر من 20 علبة، ومؤخراً صدر قانون بالسماح بضعف الكمية هذه. نحضر مؤونتنا لشهرين أو ثلاثة، والبعض، لكنهم قليلون حقاً، يستخدمون الأمر للتجارة، حيث يبيعونه في فرنسا بزيادة اثنين يورو على العلبة الواحدة لمن يرغب، لكن بفارق أكثر من خمسة يورو عن سعرها الفرنسي، وهؤلاء غالباً ما يتعرّضون لغرامات هائلة إذا قبض عليهم الدرك الفرنسي.

طوال السنوات الخمس الماضية كنت أعتبر نفسي "مسلماً أبيض"، ليس بالمعنى الديني ولا العرقي، لكن بمعنى الحيادي، الشفّاف، الملتزم بالقانون والذي لا يقوم بأي أفعال يمكن أن تزعج الفرنسيين الذين أصادفهم

في الطريق السريع إلى إسبانيا، هناك حاجز لدفع رسم عبور الطريق، تقف عليه دورية الجمارك أو "الكونترول" كما تسمّى هنا. كنت في طريقي لممارسة عادتي السورية الأصيلة، حين اقترب الشرطي من السيارة، وبدأ بتوجيه عدة أسئلة لصديقي، السائق العراقي الذي يشبه الصورة النمطية عن الإرهابي فعلاً، لحيته مشعّثة وبشرة سمراء غامقة ورأس حليق تماماً. ولمّا لم يكن يفهم الأسئلة تماماً، كنت أترجم له وأردّ بفرنسيتي القليلة على الأسئلة. أسأله بالعربية وأردّ بالفرنسية على الشرطي. سألني الشرطي: "ما اللغة التي تتكلمانها؟"، قلت: "العربية". اكفهرّ وجهه كأنه قبض لتوّه على خلية أكثر نشاطاً من قطة في شباط، وأشار بيده فوراً للسائق لأن يركن "العربية"، السيارة واللغة أظن. أنزلنا من السيارة وأخضعنا مع السيارة لتفتيش دقيق يتضمّن كلباً بوليسياً بحجم بغل صغير.

كنت غاضباً فعلاً. هذه المرة الأولى التي أتعرّض فيها لعنصرية وقحة كهذه، خصوصاً أنني خارج من فرنسا ولست داخلاً إليها. بالتأكيد لا أملك أوهاماً حول ملائكية البوليس الفرنسي، ولا الفرنسيين عموماً، لكني هذه المرة كنت ضحية مباشرة لنمطية بشعة، فأنا طوال السنوات الخمس الماضية كنت أعتبر نفسي "مسلماً أبيض"، ليس بالمعنى الديني ولا العرقي، لكن بمعنى الحيادي، الشفّاف، الملتزم بالقانون والذي لا يقوم بأي أفعال يمكن أن تزعج الفرنسيين الذين أصادفهم، شيء يشبه اللغة البيضاء التي نستخدمها في سوريا حين لا نريد للآخر أن يعرف لأي طائفة ننتمي، ففي سوريا من ينطقون بحرف القاف، برنّته المميزة، يعرفون بأنهم علويون أجلاف، بينما لفظ القاف كهمزة يجعلهم سنّة (أو مسيحيين) متحضّرين، في واحدة من أغرب الستيروتايب في العالم.

وعلى هذا ،كنت، من لحظة وصولي فرنسا، عربياً لا يفعل شيئاً يشي بعربيته. لا أصلّي، لا أصوم، لا أذهب إلى الجامع، أشرب الكحول وآكل لحم الخنزير، لا أرتدي العباءة الإسلامية في رمضان، لا أرفع صوتي بالحديث ولا صوت الموسيقا حين أسمع أم كلثوم... أي كل ما من شأنه أن يبعدني عن دائرة الحشر في زاوية العربي، المسلم والإرهابي والمتخلّف... لكن هذا لم ينفعني أبداً، وها أنذا، بفرنسيتي الركيكة ومشاعر الغضب العارم، مثل أي مشبوه آخر، أقف بحذر على الطريق السريع، بينما يقوم كلب فرنسي بشمشمة خصيتي بحثاً عن ممنوعات.

ماذا كان الجنود يقولون قبل ارتكاب مجازرهم في الجزائر وأمكنة أخرى: "بونجور" أم "ياحيّالله"؟ وماذا يرتدي قاتل الفلسطينيين الآن في غزة: بيير كاردان أم جينز صناعة حلب؟

تنميط قاتل

يرتعب اللاجئ في مجتمعات اللجوء جميعها، يخاف من التنميط القاتل والفكرة المسبقة. يبالغ بابتسامته ليوحي للآخر أن لا خطر منه، لا رائحته سيئة ولا كلامه جارح. المسيحيون هنا يذهبون إلى الكنيسة كل أحد. لا لزيادة في إيمانهم، وهم أصلاً من طوائف مختلفة عن فرنسا الكاثوليكية مثلاً، ولكن للقول إننا لسنا خطرون، أي لسنا متطرفون ببساطة، أي أننا نريد أن نعمل ونعيش بسلام مثلكم، نأكل خبزنا ونشرب نبيذنا أو شاينا.

لكن الخطر ليس فقط من الأوربي العنصري، الخطر يأتي من مكمن آخر، قريب، من اللاجئ الآخر، الذي يبالغ برفضه لذاته أملاً بقبوله، يبالغ في محي هويته ليرضى عنه الغربي أو ليرضى عن نفسه، الأمر لم يختلف عن بلداننا، فقد حملنا أمراضنا وخيباتنا وطائفيتنا وعنصريتنا ومارسناها، كما يسمح لنا القانون، في البلدان الأوربية، كأننا في دمشق أو بيروت أو بغداد. تخيّل أن هناك سوريين يقومون بالإبلاغ عن سوريين آخرين للشرطة الألمانية أو الفرنسية، بناء على مواقف طائفية أو عرقية أو سياسية. تخيّل أن هناك سوريين يستغلّون هشاشة وضع اللاجئ للانتقام منه، بناء على التصنيفات السابقة. إبلاغ الشرطة يعني كتابة تقرير، يعني وشاية، يعني استخدام نفس الآلية التي ثار السوريون عليها في بلادهم. ما الذي تغير؟ أو ما الذي لم يتغير؟

أول جملة سمعتها بالعربية في بوردو من مهاجر مغربي كانت: "ابتعد عن العرب، تسلم"، وظننت أنه يبالغ في ضيقه من أبناء جلدته، وسخرت منه حتى تعرّضت لمواقف من سوريين فقراء ولاجئين مثلي جعلتني أتذكّره بكثير من الغرابة، فمعرفتنا بسيئات الغرب لا تكفي لجعلنا أفضل منه، كما يقول أنسي الحاج.

العنصرية في سورية كانت ممتزجة مع طائفية دفينة أو صريحة أحياناً، عنصرية تبدأ من استخدام الكزبرة في الطبخ ولا تنتهي بلفظ حرف "القاف" أو عدمه، عنصرية أبناء داخل السور وخارج السور، عنصرية بيوت الطابو الأخضر وسكّان العشوائيات، عنصرية من يأكلون الموز ومن لا يرونه إلا في المناسبات، من يشربون القهوة ومن يشربون المتة، عنصرية عرقية أو طائفية أو جندرية أو طبقية أو حتى "مطبخية". عنصريتنا كانت، ولا زالت، جزءاً يومياً من حياتنا، من أنفاسنا، كنا نرضعها من أثداء أمهاتنا قبل أن يعلّمنا إياها المشايخ والرفاق الحزبيون والإعلام المنفلت من عقاله. لكننا نعرف ماذا نردّ إذا تعرّضنا لعنصرية أو تنمّر. نحفظ مقولات ثابتة علّمنا إياها أهالينا لنردّ على الإهانة بإهانة أفظع. أما هنا، فماذا تردّ على من يخضعك لتفتيش تعسفي لمجرّد أن اسمك لم يعجبه؟ ماذا تقول لشخص يقدّمك للآخرين بما يظنّ أنها طائفتك قبل جنسيتك؟ بم تردّ على سؤال: "أنت بتسبل إيديك بالصلاة أو بتشبكن؟"، وأنت تظن أن الكعبة هي مؤنث كعب القدم.

عنصرية تبدأ من استخدام الكزبرة في الطبخ ولا تنتهي بلفظ حرف "القاف" أو عدمه، عنصرية أبناء داخل السور وخارج السور، عنصرية بيوت الطابو الأخضر وسكّان العشوائيات، عنصرية من يأكلون الموز ومن لا يرونه إلا في المناسبات، من يشربون القهوة ومن يشربون المتة

مجد لبنان أعطي له

الآن أفكّر بأولئك سيئي الحظ من السوريين الذين وقعوا فريسة سهلة للعنصرية التركية ومؤخراً اللبنانية، إذ لا سفارة تحميهم ولا حكومة تنصرهم ولا مظلة تظلّهم، بل هم هاربون بالضبط من تلك الأذرع الأمنية المتخذة هيئة حكومية. أفكّر بهم وأشعر بالذنب لأني هنا، في مأمن من أخوة الدين وأخوة اللغة وأخوة الجغرافيا، فأنا على الأقل إن تعرّضت للعنصرية في فرنسا لدي قنوات أستطيع استخدامها للاحتجاج، وبالرغم من عدم إيماني بحياديتها المطلقة إلا أنها على الأقل تضمن لي، إن لم أكن قد ارتكبت خطأ، عدالة ما، أو على الأقل أمتلك خيار الانتقال من مكاني، لكن السوريين أولئك، الذين لا يمتلكون رفاهية المغادرة إلى قراهم المدمّرة حتى، لا عدالة لهم ولا منجى من عنصرية ذوي القربى الأشدّ مضاضة.

ولأن الهجمات على السوريين في لبنان ازدادت مؤخراً على خلفية مقتل المنسّق القواتي باسكال سليمان، من قبل عصابة سورية لسرقة السيارات، كما قال بيان الأمن العام اللبناني، ولأن التكتوك العزيز لا يني يذكّرني بسيدة الشوكولا العجائبية، مجدلية التفوّق الفينيقي، المغفور لها السيدة نضال الأحمدية، ولأن العنصرية في لبنان بدأت تختلق ثنائيات جديدة لا نستطيع أن نتهكّم عليها لأنها تشكل عقيدة حقيقية للبعض: من يقولون "بونجور" ومن يقولون "السلام عليكم"، من يفطرون كرواسان ومن يفطرون لبنة ومنقوشة زعتر، من ينطقون حرف القاف ومن يحولونه لهمزة أو كاف، من يرتدون الماركات (المقلّدة بالتأكيد) ومن يشترون من البسطة، من يضعون البارفانات ومن يتحمّمون بعرق العافية والجهد، بين "المحفلطين والملمّعين والجيمسينات" وبين عمال المياومة.

عنصرية غبية، ترتدي ثوباً تظن أنه حضاري، لكنها بنظرة سريعة غير متفحّصة أصلاً نرى أنها عنصرية بدائية، فمن يقولون "بونجور" ويأكلون الكرواسان ويلعقون "الشوكولا مو" لم يقصّروا في جرائمهم عبر التاريخ، ولتتذكر سيدة الآثام السبعة ماذا كان الجنود يقولون قبل ارتكاب مجازرهم في الجزائر وأمكنة أخرى: "بونجور" أم "ياحيّالله"؟ وماذا يرتدي قاتل الفلسطينيين الآن في غزة: بيير كاردان أم جينز صناعة حلب؟

لا أعرف أي وطن كانت هذه النوعية من السياسيين تطمح لجعل أوطانها، لكن بالتأكيد لم تكن لتكون أقل دماراً من أوطان اليوم

ثم تأتي الجملة القاتلة، التي يظن قائلها أنه اكتشف المعضلة: "لا بيشبهونا ولا منشبهن"، لتضع كرزة فوق جاتوه العنصرية الحمقاء، لتصبح كوميديا غير مضحكة البتة، لكن بقليل من التدقيق نرى أنكم تشبهون بعضكم بعضاً كما يشبه القاتل قاتلاً آخر، وكما يشبه القذر قذراً آخر، فمن خلال الفيديوهات المنشورة والتي يهدّد الجميع فيها الجميع بالسحل والدعس والتقطيع والحرب الأهلية، لم أر في الطرفين إلا لحى طويلة وعضلات منفوخة بالهرمونات وكمية غباء بادية على السحنات، ليتأكد لنا حرفياً أنكم تشبهون بعضكم البعض أكثر مما تشبه فردة قبقاب الحمام فردة أخرى، أنتم جميعاً أغبياء فحسب، ومنقادون لخدمة أسياد الحرب وقادة الطوائف وتجّار الدم، وليس من منجى للأوطان منكم أبداً.

أصبح السوري مكسر عصا للجميع، في تركيا ولبنان والعراق ومصر والأردن، كل يريد أن يسجّل نقاطاً على حساب ضعفه وفقره وسفالة نظامه. ما إن تنشأ أزمة ما حتى يستحضر السوري ليضرب فيه المثل، أو لإثبات الحضور أو تسجيل المواقف، وما إن ترغب إحدى الحكومات بصرف أنظار جمهورها عن معضلة ما حتى يستحضر السوري وترمى عليه الآثام، حتى في المواضيع الفنية، فثمة من بلغ به الجهل أن يتهم السوريين أنهم أحضروا الأغاني "النورية" إلى لبنان وسمّموا الذائقة اللبنانية، متناسياً انها موجة عارمة من الانحطاط العام، مصدرها المال الخليجي أساساً وروّج لها الإعلام اللبناني بحنكته المعروفة وذكائه في الاستثمار، وكأن لبنان كان مسرح بولشوي كبيراً قبل انتشار الأغاني السورية، لا تقدم فيه إلا السيمفونيات الخالدة، وكأن نجوى كرم وأليسا وهيفا وهبي وعاصي حلاني وراغب علامة ووائل كفوري هن وهم إيديثات بيافات وفرانكات سيناترات، والسوريون من أفسد هواء لبنان بالزعيق والمضامين الجنسية.

أيها السادة، لقد حفظتم هذه الكلمات الكبيرة كلها، الحرية، الكرامة، السيادة، لكن هل حقاً تدركون تماماً ما تعني؟ كيف تصبح الحرية في انتقاد العنصرية سبيلاً لعنصرية أخرى، وكيف يصبح الدفاع عن الكرامة الإنسانية طريقاً لامتهان كرامة الآخرين. لا أعرف أي وطن كانت هذه النوعية من السياسيين تطمح لجعل أوطانها، لكن بالتأكيد لم تكن لتكون أقل دماراً من أوطان اليوم.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

بين دروب المنفى وذكريات الوطن

خلف كلّ مُهاجرٍ ولاجئ، حياة دُمِّرت وطموحاتٌ أصبحت ذكرياتٍ غابرةً، نُشرت في شتات الأرض قسراً. لكن لكلّ مهاجرٍ ولاجئ التمس السلامة في أرضٍ غريبة، الحقّ أيضاً في العيش بكرامةٍ بعد كلّ ما قاساه.

لذلك هنا، في رصيف22، نسعى إلى تسليط الضوء على نضالات المهاجرين/ ات واللاجئين/ ات والتنويه بحقوقهم/ نّ الإنسانية، فالتغاضي عن هذا الحق قد يؤدّي طرديّاً إلى مفاقمة أزمتهم والإمعان في نكبتهم. 

Website by WhiteBeard