شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

انضمّ/ ي إلى ناسك!
هشاشة الديمقراطية الغربية... ما العمل إذن؟

هشاشة الديمقراطية الغربية... ما العمل إذن؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

كان الطقس حارّاً، لكني شعرت بتصبّب العرق البارد وأنا أقرأ سرداً لتصرّفات الشرطة الألمانية خلال منعها استكمال "مؤتمر فلسطين"، في برلين قبل أسبوع، أتخيل – مع القراءة – مشهد الشرطي الألماني وهو يمدّ يده لينزع قابس الكهرباء عن المؤتمر، قوّات الشرطة وهي تفضّ تجمّع مئات المشاركين، وتلغي اليومين الباقيين من المؤتمر، احتجاز الطبيب الفلسطيني البارز غسان أبو ستة، في المطار لثلاث ساعات، ثم منعه من دخول البلاد.

شعور أشبه بالـ "ديجا فو" لمواطن من العالم الثالث، طالما شاهد هذه التصرفات في بلاده، ونشأ وهو يعتبر اعتداء الشرطة على العمل العام بديهية من البديهيات، وبالطبع فإن للشرطة والسلطات الألمانية – في كل اعتداء – حججها ومبرّراتها لمنع فعاليات شارك فيها حتى أوروبيون بارزون مؤيدون للكفاح الفلسطيني، وهي تدور غالباً حول الخوف من خطابات معاداة السامية، ولكن من قال إن الأنظمة العالم ثالثية تفتقر إلى المبرّرات والحجج، بل يبدو أحياناً، في ظل السرعة التي تدهور بها "أداء" الميديا والأجهزة البوليسية الغربية عموماً، والألمانية خصوصاً حين يتعلق الأمر بإسرائيل، أن حجج الأنظمة العالم ثالثية أكثر قوة، لأنها ببساطة أكثر دربة وخبرة بعالم القمع.

لا يحق الآن لـ "الغرب" أن يمارس السخرية من مونديال قطر – مثلاً- بخصوص منع "شارة المثلية"، بينما تلغي ألمانيا مؤتمراً تضامنياً ضد إبادة جماعية، كما يفعل أي شرطي صغير في قاعة حزب معارض في العالم الثالث

ثمة نظرية تتردّد أصداؤها كلما تعرّض أحد البلدان الغربية – مثل فرنسا في العقد الأخير – إلى هجمة إرهابية، تقول النظرية إنه إذا كان هجوم إرهابي صغير نفّذه فرد واحد، أو مجموعة صغيرة، يستدعي في كل مرة رفع حالات الطوارئ إلى الألوان الحمراء والبرتقالية، ونشر قوات الجيش في العاصمة، وتنفيذ المداهمات والتجاوز – ولو مؤقتاً – عن "بعض" حقوق الإنسان، ولو من خلال الاستعانة بأماكن احتجاز سرية خارج البلاد، فماذا إذن عن بلاد تعشّش فيها جماعات متطرّفة ضخمة يزيد أعضاؤها عن مئات الآلاف؟

تفترض النظرية أنه لو كانت جماعة، كالإخوان المسلمين مثلاً، موجودة بكامل عضويتها في فرنسا أو هولندا أو إسبانيا، وليس في مصر أو سوريا أو اليمن، فإن هذه البلدان الأوروبية كانت ستودع الديمقراطية في وقت قصير، والواقع أن الإطاحة بالديمقراطية في بلد غربي، أو على الأقل تعرّضها إلى هزات كبيرة عند وجود خطر وجودي، ليس أمراً نادراً، وليست المكارثية بمثال هيّن في الولايات المتحدة، ولا وضع عشرات آلاف الأمريكيين من أصول يابانية في أماكن احتجاز طوال الحرب العالمية الثانية بمثال منسيّ.

وبالطبع يمكن القول إن هذه الممارسات، سابقاً ولاحقاً، ارتبطت بظروف استثنائية، ولكن أهم غرض من أي منظومة هو الصمود في الظرف الاستثنائي، فأنت لا تحتاج إلى مواد حقوق الإنسان إلا عندما يتمّ تهديد هذه الحقوق، كما أنك لا تحتاج إلى قواعد الحرب في القانون الدولي الإنساني خلال أوقات السلام، بل تحتاجها في أوقات الحرب والإبادة.

وبالمثل، فإن التغنّي بحريات التعبير في الغرب وطرحها كمثال للإنسانية كلها لا يتفق وقمعها حين تتعلق بخطوط حمراء، على رأسها إسرائيل والصهيونية، وإلا فإن هذا سقوط لحجتها الأساسية من حيث ضرورتها كونها "تامة" و"مطلقة"، فلا يحق الآن لـ "الغرب" أن يمارس السخرية من مونديال قطر – مثلاً- بخصوص منع "شارة المثلية"، بينما تلغي ألمانيا مؤتمراً تضامنياً ضد إبادة جماعية، وتسحب سكينة الكهرباء لإظلام القاعات، كما يفعل أي شرطي صغير في قاعة حزب معارض في العالم الثالث.

إذا لم تكن تلك علامات خطر حول مستقبل العالم/ الديمقراطية، فما الذي يكون؟

حرية التعبير هي روح الديمقراطية، لقد كان هذا هو الصراع الأساسي حين حقق الإسلاميون النجاح في "غزوات الصناديق"، مفترضين أن الصندوق يمنحهم الحق في كل شيء، بما فيه قتل الديمقراطية نفسها، لأن "الشعب اختار الدين"، ومن ثمّ، فإن المراقبة القلقة لقمع التعبير بخصوص فلسطين من قبل المؤسسات الغربية (بما فيها الحصار بلوغاريتمات التواصل الاجتماعي، والتغطية المتلاعبة في الصحف الكبرى، واضطهاد العاملين في مؤسسات دولية حقوقية وإعلامية) لا ينسحب فحسب إلى التعبير بوصفه قلب العملية الديمقراطية، بل حتى إلى علامات خطر تمسّ تداول السلطة نفسه. إنه تداول يبدو راسخاً فقط لأن زحمة الأحداث أنسَت الكثيرين مشهد الانقلاب العسكري/ الملكي في ألمانيا قبل أقل من عامين، ومشهد "هجوم الكابيتول" من قبل أنصار ترامب قبل أقل من ثلاثة أعوام، وهو الرجل العائد مجدداً إلى البيت الأبيض، في ظل فقر سياسي أمريكي حصر الاختيار بينه وبين "المنتهي" بايدن، إذا لم تكن تلك علامات خطر حول مستقبل العالم/ الديمقراطية، فما الذي يكون؟

ولما سبق، فإن "الشماتة" أو "الغضب" هي أسوأ اختيارات المراقب المنتمي إلى بلاد عربية تتدهور، بل ويسقط بعضها في فخّ التحلل النهائي. إنها لحظة حقيقة، تضعنا أمام مهمة بالغة الصعوبة هي حتمية أن نفصل "القيم الغربية" عن الواقع السياسي الغربي، أن نختبر إيماننا بها بمعزل عن النفاق الدولي، وأن نجد حلولنا الخاصة للتحسين لا للتخلي، وهذه المرة، بلا ظهير أو نصير، حتى لو كان متخيلاً.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

بين دروب المنفى وذكريات الوطن

خلف كلّ مُهاجرٍ ولاجئ، حياة دُمِّرت وطموحاتٌ أصبحت ذكرياتٍ غابرةً، نُشرت في شتات الأرض قسراً. لكن لكلّ مهاجرٍ ولاجئ التمس السلامة في أرضٍ غريبة، الحقّ أيضاً في العيش بكرامةٍ بعد كلّ ما قاساه.

لذلك هنا، في رصيف22، نسعى إلى تسليط الضوء على نضالات المهاجرين/ ات واللاجئين/ ات والتنويه بحقوقهم/ نّ الإنسانية، فالتغاضي عن هذا الحق قد يؤدّي طرديّاً إلى مفاقمة أزمتهم والإمعان في نكبتهم. 

Website by WhiteBeard