شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ضمّ/ ي صوتك إلينا!
لا أخاف السنوات بقدر ما أخاف أن أصبح أمي

لا أخاف السنوات بقدر ما أخاف أن أصبح أمي

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والنساء

الأربعاء 24 أبريل 202411:00 ص

 يبدو أنه حان وقت الحديث عن العمر، العمر الذي وصلت له سنوات حياتنا، أقصد حياتي.

ليس موضوعي المفضل، ولكنه بات ملحاً. العمر؛ عمري يلحّ عليّ ليس فقط لأكتب عنه بل يلحّ عليّ بحضوره كل لحظة. عمري يحتلّ وقتي، يحتل سنواتي.

توقفت عن النظر في صوري القديمة، لأنها تؤلم وهذا الألم لا يفسح المجال أمام الابتسام لذكرى، على الرغم من أنني أبتسم في معظم صوري بل وربما لأنني أبتسم في كل صوري. النظر إلى كل تلك الابتسامات يذكّر بكل الطرق التي كانت مفتوحة حينها.

يحضر العمر مع الآخرين أيضاً، كل الآخرين. أولئك الأصغر سناً مني بطبيعة الحال، والذين أكبر مني أيضاً بطبيعة الحال.

أنا في الوسط الآن.

ولكنه ليس وصفاً دقيقاً. عمري تخطى الوسط... أنا تخطيت الوسط.

لا يمكن أن يكون سن الستة وأربعين هو منتصف عمري. ربما الأربعون كان أو حتى الثمانية والثلاثين، لأنني إذا اعتبرت أن سن الستة وأربعين هو منتصف عمري، فهذا يعني أنني أتوقع أنني سأعيش لسن الاثنين وتسعين عاماً... قد أصل ولكن حتى إن نجحت بالصمود لبلوغها، فالسنوات الأخيرة من هذا العمر لا يمكن أن تحسب، بغضّ النظر إن تخللها أو لم يتخللها مرض.

إن كنت بصحتي التامة فهي ستبقى سنوات غير محسوبة، وإن تخلّلها مرض، فستصبح ليس فقط غير محسوبة بل غير مرغوبة، ليس فقط من قبلي، بل من قبل كلّ من حولي. بلوغ هذا العمر سيكون إخفاقاً وليس نجاحاً. لن يكون عيشاً.

توقفت عن النظر في صوري القديمة، لأنها تؤلم، وهذا الألم لا يفسح المجال أمام الابتسام لذكرى، على الرغم من أنني أبتسم في معظم صوري بل وربما لأنني أبتسم في كل صوري. النظر إلى كل تلك الابتسامات يذكّر بكل الطرق التي كانت مفتوحة حينها

أفكّر في المرض. كيف لا أفكر فيه وأنا محاطة به. يجب أن أفكر بالمرض علّني أجد وسيلة تحميني منه، أو تجنبني إياه، أو طريقة أتخلص فيها من سنواته غير المرغوبة -ربما يجب أن أقول سنواتي غير المرغوبة- إذا ألمّ بي عند بدء رحلتي معه.

عندما نمرض نحن، بعد أن كنا أصحّاء، سيتدخّل الآخرون بأصغر تفاصيلنا، والجميع؛ جميع الجميع، سيصبحون الآخرين. الآخرون هم كل من ليسوا نحن... حتى المقربون.  لن نملك حينها رفاهية الرفض أو الاعتراض، أو حتى الاقتراح من سيتدخل وبأيٍّ من تفاصيلنا. كلكم آخرون.

لن يهمّ حين نمرض من كنا عندما كنا أصحّاء، وكم كنا لا نحب أن يتدخل بتفاصيلنا أحد، أو يدخل غرفتنا أحد أو يضع يده علينا أحد. عندما نمرض الآخرون سيتولون شؤوننا كأننا لم نكن، وكأننا لم نكن من نظرة واحدة نوقف الآخرين -كل الآخرون حتى المقربين- عند حدهم.

أفكّر بالمرض وبكيفية تجنبه والهرب منه في مراحله الأولى، لأني أن عشت طويلاً سأمرض، وربما أمرض حتى لو عشت أقلّ من "طويلاً"، ويجب أن أفكر في هذا الاحتمال – احتمال المرض بغض النظر عن أي عمر سيصيبني - لأني لن أسمح بأن يُقرّر غيري عني أي شيء.

لن يساعدني أحد على الاستحمام ولن يقرّر عني أحد أي بيجاما سأرتدي. لن يحدّد أحد غيري موعد وجبتي وحجمها، والفيتامينات المناسبة لاستمراري أيام وأشهر غير مرغوبة.

ما العمر الذي تظنّ/ين أن على الإنسان أن يصل إليه؟

سأموت قبل أن أمرض.

وبما أني لن أسمح بالوصول لسن التسعين، فأنا الآن تخطيت مرحلة منتصف العمر. فكيف لا أفكّر بالعمر، ليس بسنواته القادمة فقط بل الماضية أيضاً.

أفكر في سنواتي الماضية، تلك التي عشتها وتلك التي مرّت دون أن أعيشها فعلاً. أفكر فيني حين كنت طفلة. وأجد تلك الطفلة قريبة جداً، ملتصقة بي. وكلما نظر إلي طفل أراه ينظر إلى تلك الطفلة الملتصقة بي دون أن يراني أو يصدق أني كبرت، تماماً كما أنظر أنا إلي. الأطفال وحدهم يعلمون سرّ طفولتي التي لم تغادرني. وحدهم يرونها دون أن يروا أنها كبرت.

أفكّر في كل ابتساماتي التي حفظتها لي صوري، أرى الابتسامات حتى وأنا ممتنعة عن النظر إلى صوري.

أفكر في أمي. لا أفكر فيها كما هي الآن، لا أحتاج لأن أفكر فيها بعمرها وحالتها الحالية لأني أعيش الحالة، إنما أفكر فيها عندما كانت بعمري الآن.

هل أخاف أن أكبر أم أخاف أن أكبر كما كبرت أمي؟ هل تؤلمني السنوات القادمة أم يؤلمني أن تكون كسنوات أمي الحالية؟ ربما لا أخاف السنوات بقدر ما أخاف أن أصبح أمي

عندما بلغت أمي سن الستة وأربعين كنت قد بلغت أنا الثانية والعشرين من عمري. يعني كان ممكن أن أكون أنا الآن أمّاً لأحد طلابي الآن.

هل فعلاً أشبه أمي عندما كانت في هذا السن؟

ربما بما أني لا أرى شبهاً بيني الآن وبين أمي حينها، أقول ربما، قد يعني هذا أنني لن أشبهها عندما أصبح في عمرها الآن. لا أتحدّث عن الشبه في الشكل، لأنني نسخة طبق الأصل عنها، على الأقل هذا ما تقوله لي أختي. هل الشبه بين وجهينا وأيدينا وحتى أقدامنا يعني شبه حالتنا وسنواتها؟ لكن حالتنا السابقة في عمر سابق لم تكم متشابهة، فلم ستتشابه في عمر لاحق؟

ثم يأتي من يقول لك بدعة: "العمر مجرّد رقم". كليشيه يظن قائله إنه يفحمك به، ويصحّح مفاهيمك البالية، بل الرجعية، عن العمر والسنوات، وأنه بعد أن أحرجك وأنار دربك بهذه الحقيقة، ستعيد قلب كل مفاهيمك عن العمر، بل وستنضمّ إلى سكان كوكب الأعمار المتحرّرة من سنواتها والخوف منها.

العمر مجرّد رقم؟ عنجد؟ لأ يا عمري العمر مش مجرّد رقم، هذه بدعة، فيا ريت تخفّف نشر البدع المضلّلة.

هل أخاف أن أكبر أم أخاف أن أكبر كما كبرت أمي؟ هل تؤلمني السنوات القادمة أم يؤلمني أن تكون كسنوات أمي الحالية؟

ربما لا أخاف السنوات بقدر ما أخاف أن أصبح أمي. 

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها…

لكن رصيف22، هو صوت الشعوب المضطهدة، وصوت الشجعان والمغامرين. لا نخاف من كشف الحقيقة، مهما كانت قبيحةً، أو قاسيةً، أو غير مريحة. ليست لدينا أي أجندات سياسية أو اقتصادية. نحن هنا لنكون صوتكم الحرّ.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها، ولكنك بضمّك صوتك إلينا، ستكون جزءاً من التغيير الذي ترغب في رؤيته في العالم.

في "ناس رصيف"، لن تستمتع بموقعنا من دون إعلانات فحسب، بل سيكون لصوتك ورأيك الأولوية في فعالياتنا، وفي ورش العمل التي ننظمها، وفي النقاشات مع فريق التحرير، وستتمكن من المساهمة في تشكيل رؤيتنا للتغيير ومهمتنا لتحدّي الوضع الحالي.

شاركنا رحلتنا من خلال انضمامك إلى "ناسنا"، لنواجه الرقابة والترهيب السياسي والديني والمجتمعي، ونخوض في القضايا التي لا يجرؤ أحد على الخوض فيها.

Website by WhiteBeard