حين تعرّفتُ على راقصة شرقية تونسية في دبي

الثلاثاء 13 يوليو 202105:07 م

طَلبتْ منّي أن أصفّق لها، ففعلتُ. وهكذا كانت بداية معرفتي بها.

كان يرافقني شعور بأن الراقصات الشرقيات في المطاعم والملاهي الليلية يرقصن لإثارة الرجال بغية أن يكسبن منهم القليل، أو الكثير، من الأموال، ولهذا كنت أتجاهلهن في معظم الأحيان.

رأيتها المرّة الأولى حين ذهبتُ مع أسرتي لحضور حفل للمطرب اللبناني صبحي توفيق في كانون الأول/ ديسمبر 2017 بمناسبة عيد الميلاد المجيد. وقبل بدء فقرة توفيق، كان لشاب مصري فقرة غنائية، ومن ثم لراقصة شرقية تونسية فقرة استعراضية.

خلال عرضها، اقتربت الراقصة من طاولتنا قليلاً، وبدأت تصفّق بجانبي، طالبةً مني التصفيق. فما كان عليّ إلا أن صفقت بعد أن ضحكنا على الموقف.

شعرتُ حينها وللحظة أن الراقصة "قريبة" بعض الشيء. تفهم علينا، تفهم نظراتنا وحركاتنا، وتفهم أن في الطاولة أباً وأماً وابنةً وابناً، ولهذا قصدت أن تمازح الأم والابنة على وجه الخصوص وتتواصل معهما بحركاتٍ وابتساماتٍ لتخلق تفاعلاً. 

لطالما كان عالم الراقصات الشرقيات اللواتي يرقصن في المطاعم والنوادي الليلية محيّراً بالنسبة لي. لا أعرفه. أفكر كثيراً بعلاقة الراقصة بوالديها في مجتمع ترفض نسبة كبيرة منه هذه المهنة رفضاً قاطعاً. أفكر بشريكها. هل سيتزوجها أم سترفض عائلته؟ ما شعورها لدى مواجهة نظرات الرجال المقرفة؟ فقد رأيت بعضها خلال رقصها وأعرف كيف تكون هذه النظرات. 

هل تتعرض لمواقف جارحة؟ هل تعيش يومياتها بسلام؟ هذه كلها أسئلة خطرت على بالي حين كنت أفكر بعالمها، وهي أسئلة ليست بالمثالية، فهي أيضاً وليدة مجتمع ذكوري يجعلنا نفكر بأشياء لما كنا فكرنا بها لولاه. 

انتهت فقرة الراقصة، فتلقت التحية على المسرح، وعرفت أننا نتشارك نفس الاسم: فرح.

بعد أشهر قليلة، كان عليّ أن أقترح فكرة فيلم وثائقي كمشروع تخرج من الجامعة الأمريكية في دبي. لم تكن لديّ أي فكرة على الإطلاق. فقال الصحافي موسى برهومة الذي كان يعلّمني: "يمكنكم التفكير بأي شيء. من الممكن تتبع يوم في حياة حلّاق شعر على سبيل المثال". 

تذكرت فرح على الفور. وثائقي عن راقصة شرقية مقيمة في دبي مثلاً؟

عدت إلى حساب المكان الذي سهرنا فيه على "انستغرام" وبحثت عن "فرح". وجدتها، راسلتها، ووافقت على الفور، واتفقنا أن نلتقي في أحد المقاهي لكي نتعرّف ونتحدث عن الوثائقي وكيف من المفترض أن يكون.

رأيت الراقصة التونسية في المرة الأولى ببدلة رقص، وفي المرة الثانية بجينز وقميص. ولا أعلم لماذا استغربت مظهرها، فما الذي كان مفترضاً أن تلبس؟

حقيقة أنني كنت أجلس مع راقصة شرقية كانت غير مألوفة بالنسبة لي ولم أكن أستوعبها آنذاك. كأن فرح تنتمي إلى عالم مختلف. 

حقيقة أنني كنت أجلس مع راقصة شرقية كانت غير مألوفة بالنسبة لي ولم أكن أستوعبها آنذاك. كأن فرح تنتمي إلى عالم مختلف

وما إن بدأ الحديث حتى بدأت تتكسر بعض المعتقدات المسبقة. في الوقت ذاته، كنت أحاول تذكير نفسي في كل لحظة بأن الوثائقي ليس هدفه إظهار الراقصة الشرقية بصورة الملاك، ولا إثبات أن "ليس كل الراقصات متشابهات". كنت أريد فقط إظهار لمحة من حياة امرأة تمتهن الرقص الشرقي في مدينة مثل دبي.



تشبهنا؟ من نحن؟

وجدت نفسي في نقاشات عديدة أقول فيها إنها "كتير محترمة"، وكأن عليّ إثبات شيء ما. كما لاحظت أنها تبذل جهداً في محاولة لتغيير صورة نمطية عن الراقصات الشرقيات، لافتة إلى أن الرقص ليس كلّ ما تفعله في حياتها، فهي تكتب أيضاً، وتصمم بدلات رقص، كما تعلّم الرقص الشرقي وتشارك في مهرجانات عالمية خاصة بالرقص. 



تحدثت فرح معي بالتونسية والإنكليزية، وأشعرتني بأنها "مثلنا". أحاديثها تشبه أحاديثنا. ولكن من نحن؟ ولماذا سعدت بالتشابه؟ كلها أسئلة أعيد النظر فيها بعد مرور نحو ثلاث سنوات على اللقاءات، وأنا أعيد تقييم تجربتي وأحكي عن فرح. 

حين زرتها في غرفة الفندق، وجدت "دباديب" على سريرها، وكأن هذا التفصيل "دليل" على أنها مثلنا، وأذكر أن خلال تصويري تفاصيل صغيرة في الغرفة، صوّرت الدباديب أيضاً، ولكنني أتساءل الآن: ما الذي أردت إظهاره؟ ولمن؟ 

"لست زعلانة من أمي لعدم تقبلها رقصي، ولست زعلانة من أحد، ولكنني لا أقبل أبداً من أي شخص لم يتجرأ على الخروج من الصندوق أن يحكم عليّ لأنني أفعل ما أحبّ"

"عرفت أنني أريد أن أرقص"

تقول لي: "في الخامسة أو السادسة من عمري، شاهدت فيلماً اسمه 'علي بابا والأربعين حرامي'، وسامية جمال حينذاك 'حلّت عنيّا'... قلتُ لنفسي إن هذا ما أريد فعله. كانت مرتدية فستاناً تركوازياً وبقيت عالقة في رأسي.

كنت أعيش في باريس، وُلدت هناك، وحين كنا نزور تونس في الصيف، كنت أرقص في جميع الحفلات العائلية، كما كنت أطبّل أحياناً. كنت صغيرة ولكني عرفت أنني أريد أن أرقص. ومنذ صغري، قالت لي أمي: 'الرقص لأ!'

انضممت إلى دروس الرقص في المدرسة رغم عدم رغبة أمي في ذلك. ولاحقاً كذبت عليها بقولي إني توقفت عن الذهاب ولكني لم أفعل. في عمر الـ19 أو الـ20، سافرت إلى لندن ورأيت راقصتين شرقيتين. قلت لنفسي حينذاك: هناك رقص شرقي في لندن! وبدأت أفكر، أنتِ تعرفين القليل من الرقص، وهناك رقص شرقي في لندن وأنتِ 'تموتين' على الرقص (تعشقينه) والعائلة بعيدة! وأعتذر يعني… ولكن المردود المادي أفضل بكثير!

قلت لأمي وللجميع، لا تخافوا، سأسافر لمدة سنة وأعود، ستة أشهر في لندن وستة أشهر في إسبانيا، لأتعلم اللغة فقط".

تضيف ضاحكةً: "وهذا ما حصل".



"جانب آخر من شخصيتي"

"تعرفتُ على جانب آخر من شخصيتي، وهو أنه بإمكاني فعل ما أريد، وحدي وبقوّتي، وأنه بإمكاني تحقيق ما حلمت به دوماً. 

لم أتخيّل يوماً أنني سأرقص! صراحة، لم أكن في يوم 'طفلة صغيرة'، كنت متعِبة دائماً، شخصيتي كانت قوية. ولكنني لم أكن أعلم أني بهذه القوة.

قلت لنفسي أريد البقاء هنا، لا أريد العودة إلى باريس، ماذا سأفعل هناك؟ وبعد ثلاث سنوات، قررت أن أحترف الرقص، وقابلت المرأة التي فتحت عينيّ على هذه المهنة، ثم انتقلت لي العدوى". 

وبعد ذلك قررت فرح التركيز على المشاركة في المهرجانات وتعليم الرقص "بعدما تعبت من الحياة الليلية"، ثم قررت البقاء في مكان واحد، فأتت إلى دبي.

وعن إقامتها في دبي، تقول إنها تنتقل من فندق إلى آخر، مع انتهاء كل عقد وتوقيعها آخر، ويستمر عقدها مع مكان معيّن لمدة شهر، ثم تنتقل للعمل في مكان غيره. تقول: "كل شهر لديّ بيت جديد".

"كل شهر لديّ بيت جديد".

تقول لي إنها "لا تفعل ما يجعلها تبدو 'رخيصة'" وإنها تشعر بغضب شديد تجاه الأشخاص الذين من المفترض أنهم يعرفونها. "لا أهتم بالذين لا يعرفونني ويحكمون عليّ، ولكني أشعر بالإهانة عندما يحكم عليّ من يعرفني!"، أردفت. 

"هنالك أيضاً من يقول لي: ولكن ماذا عن كلام الناس؟ حتماً سيتكلمون لأن الناس الذين يعرفونني لم يدافعوا عني. لو قالوا 'فرح إنسانة خلوقة ويجب احترامها'، لن يتجرأ أحد على قول شيء، ولكن لا، لا أحظى بدعم الذين يجب أن يقولوا هذا. هذه هي المشكلة". 

وبمشاعر مختلطة تقول إن كل دولة لديها "راقصتها الأولى"، وإنها إن حظت بدعم عائلتها أو بصمتهم على الأقل، كان من الممكن أن تحقق شيئاً أكبر في مسيرتها المهنية، ولكنها تقول إنها لم تتلقّ الدعم ولن تتلقاه في حياتها. 

"أشعر بغضب شديد تجاه الأشخاص الذين من المفترض أنهم يعرفوني. لا أهتم بالذين لا يعرفونني ويحكمون عليّ، ولكني أشعر بالإهانة عندما يحكم عليّ من يعرفني!"

تلوم فرح مجتمعاتنا العربية التي يُظهر بعضها احتراماً لرقص الباليه والتانغو وغيرهما من ألوان الرقص بينما تحتقر الرقص الشرقي: "يخافون من الفن الذي ينتمي إليهم. يحزنني أن الفن الذي ينتمي إليهم، لا يريدون اعتباره فناً".

وتنهي: "لست زعلانة من أمي لعدم تقبلها رقصي، ولست زعلانة من أحد، ولكنني لا أقبل أبداً من أي شخص لم يتجرأ على الخروج من الصندوق أن يحكم عليّ لأنني أفعل ما أحبّ...". 

رافقت فرح لأبني فيلماً وثائقياً دون أن أشعر أنني كنت آخد شيئاً من روحها. أشعر بامتنان حيال هذه التجربة. وكلّما تذكرت أي تفصيل منها أدركت شيئاً جديداً عن نفسي الحالية أو عن نفسي السابقة. 

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard