فجّر اعتقال اثنين من مستشاري رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، صباح الإثنين 31 آذار/ مارس 2025، واتهامهما بالتورط في ما يُعرف بقضية "قطر غيت"، الساحة السياسية الإسرائيلية، وذلك بعد اتهامهما بتلقّي أموال من جهات قطرية، مقابل الترويج لصورة قطر ومصالحها داخل إسرائيل.
وبعد أيّام قليلة من التحقيق -الذي أدلى خلاله نتنياهو نفسه بشهادته أمام المحققين- أحالت المحكمة الإسرائيلية كلّاً من يوناتان أوريخ، مستشار نتنياهو الإعلامي الأسبق، وإيلي فلدشتاين، المتحدث السابق باسم الحكومة، إلى الحبس المنزلي، صباح اليوم الجمعة 4 نيسان/ أبريل 2025.
وكشفت وسائل إعلام إسرائيلية، عن "ممارسات قطرية" تهدف إلى التأثير على الرأي العام الإسرائيلي، وإعادة تشكيل السردية الإعلامية بشأن أدوار الوساطة في قطاع غزّة، ولا سيّما في ظلّ التطورات والمفاوضات التي أعقبت السابع من تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023.
من جهتها، نفت قطر، أيّ علاقة لها بالقضية، ووصفت الاتهامات بأنّها حملة دعائية مسيّسة. لكن حجم التسريبات، والتداخل بين جهات إعلامية وأمنية وسياسية، أعادا خلط الأوراق في ملف الوساطة المعقد بين إسرائيل وغزّة، ووضع كلّاً من قطر ومصر، تحت المجهر، ولا سيّما بعد الذي كشفته التحقيقات من "محاولات قطرية للتقليل من شأن الدور المصري في التفاوض حول تبادل الأسرى. فهل تؤثر هذه القضية على المشهد الإقليمي؟ وهل تُعيد تشكيل خريطة الوسطاء في الجولات التفاوضية المقبلة، إن حصلت؟ وهل ستنهي مستقبل نتنياهو السياسي، كما تقول صحيفة "هآرتس"؟
عاصفة في مكتب نتنياهو
وكانت صحيفة "هآرتس"، قد نشرت بعض تفاصيل التحقيقات، التي أشارت إلى أنّ أوريخ وفلدشتاين، عملا، بجانب مشتبه به ثالث، على تحسين صورة قطر إعلامياً، مقابل بثّ رسائل سلبية تجاه مصر، وتالياً تقليل دور القاهرة في الوساطة بين إسرائيل و"حماس".
وأشار القاضي، مناحم مزراحي، إلى أنّ العلاقة بين الشركة الأمريكية التي تعمل لصالح قطر، وفلدشتاين، تمّت من خلال وساطة أوريخ، ومشتبه به ثالث، وجرى تحويل مبالغ مالية من الشركة إلى فلدشتاين، عبر رجل الأعمال الإسرائيلي غيل بيرغر، ولم يُشر القرار القضائي إلى تفاصيل كيفية نشوء العلاقة بين أوريخ، والشركة الأمريكية.
هذه القضية ستؤثر حتماً على مستقبل نتنياهو السياسي، لكنها في الوقت نفسه، ستخدم حكومته، من خلال إحداثها هذا التوتر؛ إذ ستتعطل الجهود المتعلقة بالوساطة. كذلك، فإنّ حكومة نتنياهو تأمل أن يحدث شرخ أكبر بين القاهرة والدوحة، حتى لا يتمّ الضغط من أجل وقف الحرب
وفي السياق نفسه، استدعت الشرطة والنيابة العامة، غاي فوتليك، مالك الشركة المشتبه بها للإدلاء بشهادته. ووفقاً لمصادر "هآرتس"، أبدى فوتليك استعداده للتعاون، ومن المتوقع أن يسافر محققون إسرائيليون إلى الولايات المتحدة للاستماع إلى إفادته، كما تم استدعاء إسرائيل آينهورن، الذي عمل سابقاً مستشاراً في حملات حزب الليكود، ويُشتبه بتورطه في القضية، وهو موجود حالياً في صربيا.
أمّا أوريخ وفلدشتاين، فوُجهت إليهما شبهات التواصل مع عميل أجنبي، وتسلّم أموال بطرق غير قانونية، وتسريب معلومات سرّية. كما خضع نتنياهو نفسه لجلسة استماع، في خطوة لافتة تؤشر على عمق الأزمة التي ضربت دائرته المقرّبة. عقب ذلك تطورات متسارعة، شملت انتقادات من داخل الائتلاف الحكومي، وصولاً إلى طلب الشرطة تمديد توقيف المتّهمَين لتسعة أيام إضافية.
وكانت الشكوك في ممارسات المقرّبين من نتنياهو، قد بدأت حين نشرت صحيفة "بيلد" الألمانيّة، في أيلول/ سبتمبر 2024، وثيقةً تصف "إستراتيجية حماس" التفاوضيّة مع إسرائيل، بعد "العثور على الوثيقة في جهاز حاسوب يخصّ السنوار". وقد أعقب نشر الوثيقة، استجواب مقرّبين من مكتب نتنياهو، من بينهم أوريخ وفلدشتاين، بشأن "تسريب وثائق سرّية" للصحيفة الألمانية.
وقد وُجّهت في حينه اتهامات إلى المسرّبين، تقول إنّهم فعلوا ذلك من أجل تحريف الخطاب العام والإضرار بأمن الدولة وعرقلة الإجراءات القانونية.
هل يقيل نتنياهو كلّ من "يحشره في الزاوية"؟
لكن الانفجار الذي أحدثته قضيّة "قطر غيت"، سبقه تمهيد من نتنياهو، كي "يهرب من الزاوية"، و"يحتوي الموقف"، كما يقول محللون إسرائيليون. فقد أقال بنيامين نتنياهو، رئيس الشاباك رونين بار، قبل نحو أسبوعين، مُكتفياً بالقول إنّ الإقالة جاءت بسبب "انعدام الثقة المستمر".
عقب الإقالة، كتب الكاتب الإسرائيلي سامي بيرتس، في صحيفة "هآرتس": "من المفترض أنّ رئيس الشاباك؛ رونين بار، لا يتمسك بمقعده عبثاً. مسؤوليته عن الإخفاق في 7 تشرين الأول/ أكتوبر، معروفة، وهو لا ينكرها. ولا ينكر الحاجة إلى الاستقالة قبل إتمام ولايته. ومن الواضح أنّ العمل مع حكومة أظهرت عدم ثقتها به لا يمكن أن يستمرّ طويلاً. لماذا بقي إذاً؟ بسبب 'قطر غيت'. هو يريد التأكد من أنّ التحقيق في هذه القضية سيتمّ بشكل دقيق ودون تمييع".
وكتب عاموس هريئيل، في "هآرتس"، أيضاً، قائلاً: "يخوض نتنياهو معركة احتواء في جميع الساحات؛ ضد انتخابات مبكرة، ضد لجنة تحقيق، وضد صفقة إعادة المختطفين من غزّة".
وأضاف: "وفي الخلفية، تطفو فوق السطح القضية الجديدة، قطر غيت، المتعلقة بالاشتباه بأنّ ثلاثةً من مستشاريه تلقّوا أموالاً من الخليج، قبل الحرب وخلالها. وحقيقة أنّ الشاباك هو المسؤول عن التحقيق -الذي عارض رؤساؤه طوال الوقت ما قامت به قطر، بتشجيع إسرائيلي، لتمويل حكم حماس- تزيد من مخاوف نتنياهو".
وفي أول رد فعل له على التطورات في القضية، علّق نتنياهو في فيديو نُشر بعد انتهاء شهادته قائلاً: "هذه ليست تحقيقات قانونيةً، بل حملة مطاردة سياسية تهدف إلى منع إقالة رئيس الشاباك، وإلى إسقاط رئيس حكومة من اليمين".
هل تُفيد "قطر غيت" نتنياهو أو تقضي على مستقبله؟
وأشار نتنياهو، في الفيديو، إلى أنه استجاب فوراً لطلب تقديم الشهادة، قائلاً: "عندما طُلب مني الإدلاء بشهادتي، قلت فوراً: أنا متفرغ، أريد أن أدلي بها الآن، فوراً! لم يكن لديهم ما يعرضونه. انتهت أسئلتهم بعد ساعة. طلبتُ أن يطلعوني على مواد، لكن لم يكن هناك شيء".
لكن شهادة نتنياهو، استمرت أربع ساعات، أمام طاقم تحقيق ترأسه الضابط مومي مشولام، الذي سبق أن قاد التحقيقات في قضايا نتنياهو المرتبطة بالفساد، بجانب محققين آخرين.
أبرز التقرير أنّ الأشهر الأخيرة شهدت حملةً إعلاميةً ضخمةً حول إمكانية اندلاع حرب بين مصر وإسرائيل، مدفوعةً بتقارير غير موثوقة تتحدّث عن استعدادات الجيش المصري لمهاجمة إسرائيل، ليتبيّن لاحقاً أنّ هذه التقارير مبنيّة على مقاطع مزيّفة
وفي مقال كتبته نيتسان كاسبي شيلوني، أشارت إلى أنّ نتنياهو لم ينكر الاتهامات المتعلقة بالمال القطري، بل اختار الطعن في نزاهة المنظومة القانونية بالكامل، بما في ذلك الشرطة، القضاء، المستشارة القانونية، ووسائل الإعلام، بل حتى الأجهزة الأمنية كالجيش والشاباك.
ويرى الدكتور محمد علي، المتخصص في الشؤون السياسية والإستراتيجية، في حديثه إلى رصيف22، أنّ قضية "قطر غيت" أحدثت ضجةً كبيرةً داخل المجتمع الإسرائيلي، وكشفت عن فساد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، المتمرس سابقاً في مثل هذه القضايا.
وأشار علي، إلى أنّ هذه القضية ستؤثر حتماً على مستقبل نتنياهو السياسي، لكنها في الوقت نفسه، ستخدم حكومته، من خلال إحداثها هذا التوتر؛ إذ ستتعطل الجهود المتعلقة بالوساطة. كذلك، فإنّ حكومة نتنياهو تأمل أن يحدث شرخ أكبر بين القاهرة والدوحة، حتى لا يتمّ الضغط من أجل وقف الحرب.
ويضيف قائلاً: "كلّها حسابات دقيقة وضعتها الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، ولا سيّما في ما يتعلق بدلالة التوقيت، بالتزامن مع المساعي الإسرائيلية للتهجير القسري لسكان القطاع، والضغط على جيوب حماس المتبقية في رفح وغيرها. لذا، تُشدّد إسرائيل قبضتها في نفس توقيت كشف العديد من التسريبات المتعلّقة بهذه القضية".
"قطر غيت" والدور المصري
يشير تقرير لصحيفة "يديعوت أحرونوت"، إلى صراع خفيّ خلف الكواليس بين قطر ومصر، حيث كثفت وسائل الإعلام القطرية مؤخراً، من تشويه المبادرة المصرية لعقد صفقة تبادل أسرى، ووصفتها بأنها "غير جادّة"، كما يُقال إنّ مسؤولين قطريين تواصلوا مع الولايات المتحدة في هذا السياق.
وورد في التقرير أنّ قطر، التي كانت المموّل الأساسي لحماس قبل السّابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وتستضيف قياداتها منذ سنوات، غير راضية عن الضغوط المصرية، وترى أنّ القاهرة تسعى إلى "سحق" حماس بغرض فرض تهدئة. ومن ضمن هذه المساعي، حقيقة أنّ مصر أبلغت حماس بأنّها ستطرد قادتها ما لم توافق على بنود الوساطة.
كذلك، أبرز التقرير أنّ الأشهر الأخيرة شهدت حملةً إعلاميةً ضخمةً حول إمكانية اندلاع حرب بين مصر وإسرائيل، مدفوعةً بتقارير غير موثوقة تتحدّث عن استعدادات الجيش المصري لمهاجمة إسرائيل، ليتبيّن لاحقاً أنّ هذه التقارير مبنيّة على مقاطع مزيّفة أو قديمة، بعضها تمّ تداوله سابقاً في إيران، مثل فيديوهات تُظهر هجوماً على مفاعل "ديمونا"، نُسبت زوراً إلى الجيش المصري.
كما أكّد التقرير، أنّ معظم هذه المزاعم رُوّجت من قبل صحافيين وناشطين يمينيين متطرفين، عبر قنوات "تليغرام" و"واتساب" ومواقع إخبارية بديلة. ووفقاً لمنصة "فايك ريبورتر"، فإنّ الحملة ركّزت على محاور عدة، كتعاظم القوة العسكرية المصرية وسيطرة مصر على الحدود وتأثيرها على الأمن، وادعاءات حول سياسة مصرية عدائية تجاه إسرائيل.
في حديثه إلى رصيف22، يقول المحلل السياسي وأستاذ العلوم السياسية الدكتور أيمن الرقب: "هذه التسريبات جرت في الإعلام العبري، وقد تحمل أهدافاً أخرى مثل ضرب إسفين بين مصر وقطر، بهدف ضرب العلاقات بينهما في هذا التوقيت. ولا نستبعد أن يكون التسريب متعمداً من إسرائيل، ولا سيّما أنه يتزامن مع المناورة العسكرية التي شاركت فيها قطر مع إسرائيل ودول أخرى في اليونان".
ويردف: "قد يُضعف هذا التسريب جهود الوساطة المشتركة بين مصر وقطر، في ظلّ مساعيهما الدائمة إلى وقف الحرب على قطاع غزّة. وقد يُعطّل توتّر العلاقات جهود الوساطة التي تبذلها قطر ومصر".
وعلى الرغم من الضجة المثارة في الإعلام العبري، إلا أنّ الرد القطري الرسمي جاء فقط بالأمس، حيث نفت قطر، في بيان صادر من المكتب الإعلامي الدولي، التهم جُملةً وتفصيلاً، وأصدرت بياناً من المكتب الإعلامي الدولي في قطر جاء فيه: "هذه الادعاءات لا أساس لها من الصحة، ولا تخدم سوى أجندات تهدف إلى إفساد جهود الوساطة وتقويض العلاقات بين الشعوب الشقيقة. كما أنّها تمثّل حلقةً جديدةً في مسلسل التضليل وتشتيت الانتباه عن المعاناة الإنسانية والتسييس المستمر للحرب".
وأكّد البيان على أنّ قطر ستظلّ "ملتزمةً بدورها الإنساني والدبلوماسي في التوسط بين الأطراف المعنية لإنهاء هذه الحرب الكارثية".
إسرائيل وصناعة السرديات
هذه التسريبات جرت في الإعلام العبري، وقد تحمل أهدافاً أخرى مثل ضرب إسفين بين مصر وقطر، بهدف ضرب العلاقات بينهما في هذا التوقيت. ولا نستبعد أن يكون التسريب متعمداً من إسرائيل
في مقال رأي لاذع نشرته صحيفة "هآرتس"، وصفت الكاتبة نوعا إشترايخر، فضيحة "قطر غيت"، بأنها "أمّ عمليات التأثير السياسي"، مشبّهةً إياها بالتدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية عام 2016، لكن بنسخة إسرائيليّة محلية.
وتُبرز الكاتبة، كيف أصبحت إسرائيل غارقةً منذ سنوات في واقع إعلامي مزيّف، حيث تُستخدم الحسابات المزيفة، والمنصات "البديلة"، لنشر روايات منحازة ومدفوعة سياسياً، وتضخيمها أمام الجمهور حتى تصبح بديلاً عن الحقيقة.
تقول الكاتبة، إنّ "القضية لا تتعلق فقط باختراق دولة معادية (في إشارة إلى قطر)، لمكتب رئيس الحكومة"، بل أيضاً بـ"تفكك الإدراك العام للواقع داخل المجتمع الإسرائيلي، حيث باتت الأخبار الزائفة، والصور المعدّلة، والتسريبات غير الموثقة، وسائل رئيسيةً لتوجيه الرأي العام، وتحديد أولوياته، بل حتى خلق أعداء وهميين".
لكن الأخطر، في رأي الكاتبة، هو غياب أيّ تبعات حقيقية لهذه الانكشافات. فحتى حين يُكشف المستور، يُقابَل الأمر بلا مبالاة جماهيرية، وكأنّ الحقيقة لم تعد تهمّ. وتختم بالإشارة إلى نية نتنياهو، إقالة المستشارة القضائية للحكومة، قائلةً: "إن من يهمّه اليوم 'إسقاط المستشارة القضائية'، لا يفعل ذلك بسبب موقف قانوني أو سياسي، بل لأنّ ماكينة الإعلام نجحت في غرس سردية موازية بالكامل لما يحدث بالفعل".
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
انضم/ي إلى المناقشة
مستخدم مجهول -
منذ يوملا اتفق بتاااتا مع المقال لعدم انصافه اتجاه ا المراه العربية و تم اظهارها بصورة ظلم لها...
mahmoud fahmy -
منذ 4 أياممادة قوية، والأسلوب ممتاز
Apple User -
منذ 6 أيامهل هناك مواقف كهذه لعلي بن ابي طالب ؟
Assad Abdo -
منذ أسبوعشخصية جدلية
جيسيكا ملو فالنتاين -
منذ أسبوعأن تسخر التكنولوجيا من أجل الإنسان وأن نحمل اللغة العربية معنا في سفرنا نحو المستقبل هدفان...
جيسيكا ملو فالنتاين -
منذ أسبوعلم تسميها "أعمالا عدائية" وهي كانت حربا؟