شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

انضمّ/ ي إلى ناسك!
2050… كرة القدم الروبوتية

2050… كرة القدم الروبوتية

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة

الخميس 3 أبريل 202510:43 ص

يُنشر هذا النصّ ضمن "لنتخيّل"، وهو ملفّ مفتوح يضم نصوصاً، مدوّنات، قصصاً، مقابلات وتقارير صحافيةً نتخيّل من خلالها المستقبل الذي نوّد أن نعيش فيه، أو ذلك الذي سيُفرض علينا.


اليوم، الإثنين 24 تشرين الأول/ أكتوبر 2050، وهأنذا استقلّ طائرتي من مطار أكتوبر الدولي، في العاصمة المصرية الجديدة التي خلفت العاصمة التاريخية القاهرة، باتجاه مدينة "روبوت سيتي"، العاصمة الجديدة لسنغافورة، والتي بدأ العمل عليها في 2035، بقرار رئيس الوزراء السنغافوري السابق، لورانس وونج، الذي قرر السير على نهج صاحب نهضة بلاده التاريخية، لي كوان يو.

لورانس رغب في أن يترك بصمته التي سيتذكرها شعبه السنغافوري بعد رحيله عن الدنيا، على غرار الزعيم التاريخي لي كوان يو، الذي حكمها لمدة ثلاثة عقود متتالية، واشتهر بصفته مؤسس الدولة وناقلها من العالم الثالث إلى الأوّل خلال أقل من جيل، لتتحول الجزيرة الموجودة جنوبي شرق آسيا، وتقع في المرتبة قبل الأخيرة كأصغر دول قارة آسيا بمساحة إجمالية لا تتعدى الـ750 كلم، إلى ثاني أهم مركز مالي في العالم، ولها كلمتها المسموعة على مستوى الكوكب سواء في الاقتصاد أو كرة القدم.

نسيت أن أخبركم بأنني متجه لحضور حفل توزيع الكرة الذهبية لأفضل لاعب في العالم، وكذلك أفضل لاعب روبوت على مدار العام. فاليوم، باتت دوريات الروبوتات على القدر نفسه من الأهمية لدوريات البشر، حتى أنّ المتابعين يفضلون أحياناً حضور مباريات الروبوتات على مثيلتها البشرية في سنغافورة أو اليابان أو كندا وأمريكا.

"اليوم، الإثنين 24 تشرين الأول/ أكتوبر 2050، وهأنذا استقلّ طائرتي من مطار أكتوبر الدولي، في العاصمة المصرية الجديدة التي خلفت العاصمة التاريخية القاهرة، باتجاه مدينة "روبوت سيتي"، العاصمة الجديدة لسنغافورة

"التنافس على "البالون دور" البشري هذا العام، انحصر بين السنغافوري بانج عبد الله، والبرازيلي رافينيا دولا سيلفا، والياباني تشينزو ساكا، وجميعهم ينشطون في دوريات آسيا المختلفة (سنغافورة وكوريا الجنوبية واليابان)، وفق الترتيب، فقد أصبحت هذه الدوريات الأفضل على مستوى العالم، بعدما ولّى عهد الدوريات الأوروبية الخمسة الكبرى منذ قرابة الـ10 أعوام، وبات اللاعبون المحترفون يتجهون نحو دوريات آسيا التي تؤهّل للظفر بالجوائز الكبرى على مستوى كرة القدم.

أما دوريات الروبوتات، فحدّث ولا حرج. سنغافورة استطاعت الفوز بكأس العالم للروبوتات في آخر نسختَين، ولا يوجد منتخب على مستوى العالم قادر على هزيمتهم، فقد سبقوا الجميع، حتى الأمريكان والكنديين وبالطبع الأوروبيين.

أما إفريقيا، فلم تغادر كدول العالم النامي؛ بل أصبحت دولها اصطلاحاً "دول العالم المُتخلّفة"، بعدما ازدادت فيها الفوضى والفقر والاستبداد، وانتشرت الأوبئة، وباتت حقلاً لتجارب دول آسيا المتقدمة على مستوى استحداث نسخ من الكائنات الفضائية، والأسلحة الفتّاكة، والنسخ الحديثة من الفيروسات، تماماً كفئران تجارب، ومثلما تعاملت مع مواطنيها ومجتمعاتها أوروبا في القرون الماضية؛ فقد حلّ الرجل الآسيوي الشرقي بدلاً من الرجل الأوروبي الأبيض.

لقد ذكرت لك يا عزيزي، سنغافورة كثيراً في سطوري الأولى، ولم أخبرك كيف تبدّل ميزان القوى في الكوكب. ففي بداية عام 2025، حينما كان الرئيس الأمريكي الراحل دونالد ترامب، يحاول إغراء سكان قطاع غزّة في فلسطين ومعهم العرب، بتحويل القطاع الذي دمّرته إسرائيل في عدوان استمرّ لأكثر من عام، وخلّف 50 ألف قتيل ومئات الآلاف من المُصابين، إلى سنغافورة الشرق الأوسط، لم يكن حديثه مرسلاً أو مجازاً، بل كان حديثاً يستند إلى واقع ونظرة مستقبلية مُشرقة للدولة الواقعة على المحيط الهادئ.

فسنغافورة التي حلّت في المرتبة العاشرة كأكثر دول العالم استخداماً للذكاء الاصطناعي في 2024، وضعت خطة سرّية بطلها الذكاء الاصطناعي والروبوتات، لتتجاوز عمالقة العالم القديم الصين وروسيا وأمريكا وبالطبع الأوروبيين، الذين باتوا "اسماً على مُسمّى"؛ أهل القارة العجوز، وتراجعوا في ترتيب القوى والقرار، وانتقلوا رويداً رويداً من التبعية الأمريكية إلى تبعية دول جنوب شرق آسيا، وبالتحديد سنغافورة وكوريا الجنوبية واليابان، حلفاء واشنطن في العهد القديم.

الدولة الآسيوية الصغيرة، نجحت في استقطاب أذكى أذكياء العالم، وجمعتهم في بيئة واحدة؛ لتطوير الذكاء الاصطناعي أكثر من أي دولة أخرى على الكوكب، والنتيجة أنّ البلد تحول بمرور السنوات إلى ـ"دولة روبوتية"، خالية من البيروقرطية، و"مدام عفاف الدور الرابع" التي لطالما استخدمها المصريون للسخرية من الروتين الحكومي. لكن المفارقة أنّ فريق أذكياء العالم الذين جمعتهم سنغافورة، ضمّ اثنين من مواطني بلدي الذي لا يزال يكافح لتقليل نسبة القابعين تحت خط الفقر، من 82% في 2049، إلى 60% التي وضعتها الدولة كهدف رئيس لـ"رؤية 2060".

الطائرة تحطّ عجلاتها على أرضية مطار "روبوت سيتي"، حيث عاصمة سنغافورة الحديثة الشاهدة على بصمة لورانس وونج، بعد رحلة استغرقت ساعةً و15 دقيقةً. فالطيران اليوم بات بسرعة قياسية؛ هذه الرحلة كانت تستغرق بداية عشرينيات القرن أكثر من 13 ساعةً من الطيران المتواصل، واليوم تصل إلى وجهتك قبل أن تُكمل وجبة غدائك.

الوقت هو المحرّك الرئيس لكلّ شيء هنا. منذ فُتحت أبواب الطائرة وحتى خروجي من المطار، لم أستغرق أكثر من 5 دقائق، فالمفتشون والعاملون في المطار جميعهم من الروبوتات، والذكاء الاصطناعي يسيطر على كل شيء، حتى فحص وفرز الشنط القادمة مع الركاب، ولا داعي لأخبرك بأنّ نسبة تهريب الممنوعات في هذه المدينة سجلت 0% للعام الثالث على التوالي، فنحن هنا في مدينة الأحلام والتكنولوجيا.

"طلبت سيارة أجرة، وفي ثوانٍ معدودات كانت أمامي بسائق روبوت يخبرني بأنّ رحلتي إلى حفل جوائز "البالون دور" ستستغرق 7 دقائق، وستُكلّف ثلاث عملات مشفرة من "البتكويد"، الشقيقة الصغرى للبتكوين"


طلبت سيارة أجرة، وفي ثوانٍ معدودات كانت أمامي بسائق روبوت يخبرني بأنّ رحلتي إلى حفل جوائز "البالون دور" ستستغرق 7 دقائق، وستُكلّف ثلاث عملات مشفرة من "البتكويد"، الشقيقة الصغرى للبتكوين. الدقّة هنا تكاد تكون مؤذيةً، فكل شيء يتحرك وفقاً لمواعيد لا تزيد أو تنقص ثانيةً واحدةً، ولا مجال للخطأ، حتى أنّ البشر أصبحوا روبوتات متحركةً، يستيقظون وينامون بمواعيد ثابتة، ويذهبون للعمل بمواعيد، ويخرجون للمواعدة بمواعيد، ويتزوّجون عند سنّ محددة، ولا مجال للطلاق هنا، تماماً كالروبوتات التي تتزوج ولا ينتهي الزواج إلا بخلل تكنولوجي في أحد الزوجين، وهو خطأ يكاد يكون معدوماً.

وصلت إلى الحفل الذي تغطّيه وسائل الإعلام ومواقع الروبوتات الإلكترونية من جميع مناطق العالم، فكرة القدم، اللعبة الشعبية الأولى، باتت أكثر تطوراً في سنغافورة، وغالبية الأندية تعتمد على مدرّبين من الروبوتات ومعهم أطباء ومساعدون ومحللو أداء روبوتات بالطبع، ولا داعي لأخبركم بأنّ حُكّام المباريات مثلهم، فقط أجساد بعض اللاعبين والمُشجعين لا تزال تسري داخلها بعض الدماء البشرية، التي تكاد تختفي في هذه المدينة الأشبه بالحُلم.

الموهبة الفطرية لم تعد بالأهمية ذاتها كما في السابق، فمناجم الذهب في عالم كرة القدم القادمة من البرازيل والأرجنتين خلال السنوات الماضية نَضبت، وباتت دول جنوب شرق آسيا هي المُهيمنة، وليس بسبب الموهبة الفطرية؛ لكن بسبب التكنولوجيا. فحين يُولد الطفل ويرغب والداه في أن يُصبح لاعب كرة قدم، يتمّ تسليمه حين يبلغ من العمر سنتين لأكاديميات متخصصة، حيث تتولى روبوتات تعليمه أساسيات الكرة والاستحواذ وتسجيل الأهداف والدفاع والهجوم، وكل ما يتعلق بالكرة، حتى أنّ الطفل الآسيوي أصبح قادراً على هزيمة محترفي دوريات أوروبا التي ذاع صيتها في الماضي، وكانت الوجهة المثالية لجميع اللاعبين المحترفين سواء في إنكلترا أو إسبانيا أو إيطاليا أو فرنسا.

في كتابه "حكم الروبوتات... كيف سيغيّر الذكاء الاصطناعي كل شيء في حياتنا" (Rule of the Robots: How Artificial Intelligence Will Transform Everything)، لم يكن الكاتب الأمريكي مارتن فورد، الذي قال: "الروبوتات لن تغيّر بعض الأشياء أو كثيراً من الأشياء في حياتنا، بل ستغيّر كل شيء بالمعنى الحرفي للكلمة"، ليتخيّل أن يصل الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة السيطرة التامة التي وصل إليها اليوم، فقد تلاشى الدور البشري بشكل قياسي، ويكاد يكون معدوماً هنا.

كذلك يبدو أنّ عالم الفيزياء البريطاني الراحل ستيفن هوكينج، الذي قال في مقابلة شهيرة مع شبكة "BBC" البريطانية عام 2014، إنّ "تطوير الذكاء الاصطناعي الكامل يمكن أن يكون بمثابة نهاية الجنس البشري؛ فالذكاء الاصطناعي سينطلق من تلقاء نفسه، ويعيد تصميم نفسه بمعدل متزايد باستمرار، أما البشر فهم محدودون بالتطور البيولوجي البطيء، ولا يمكنهم التنافس مع الذكاء الاصطناعي، وعلى الأرجح سيتمكّن من استبدالهم"، كان على صواب. فالذكاء الاصطناعي استبدل البشر في غالبية المجالات، وكان أكثر تفوقاً منهم في عالم كرة القدم.

""رابطة كأس العالم للروبوتات" (RoboCup Humanoid League)، وضعت هدفاً في بداية القرن الحالي، هو فوز فريق من لاعبي كرة القدم الروبوتيين المستقلّين بالكامل في مباراة كرة قدم، وفقاً للقواعد الرسمية للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، ضد الفريق "البشري" الفائز في كأس العالم الأخيرة"

حينما انطلق أول كأس للروبوتات عام 1997، بمشاركة 40 فريقاً، كانت الروبوتات تواجه صعوبات كبيرةً في العثور على الكرة، والتحرك بشكل سلس داخل الملعب، حتى أنها أصبحت مادةً للسخرية في وسائل الإعلام، إلا أنّ الأمر تطور بمرور الوقت، فشارك في كأس العالم للروبوتات في 2021، أكثر من 300 فريق، وأصبحت الروبوتات قادرةً على العثور على الكرة بمهارة، والتحرك بسرعة كبيرة داخل الملعب، وإظهار سلوك العمل الجماعي في أثناء المباراة. لكن وبرغم ذلك ظلّت أيضاً بعيدةً عن مستويات البشر.

"رابطة كأس العالم للروبوتات" (RoboCup Humanoid League)، وضعت هدفاً في بداية القرن الحالي، هو فوز فريق من لاعبي كرة القدم الروبوتيين المستقلّين بالكامل في مباراة كرة قدم، وفقاً للقواعد الرسمية للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، ضد الفريق "البشري" الفائز في كأس العالم الأخيرة"، بحلول العام 2050؛ لكن الرابطة لم تكن لتتخيّل أنّ هذا الهدف سيتحقق في 2045، حينما استطاع فريق روبوتي من الدوري السنغافوري الفوز على منتخب اليابان المُتوّج بكأس العام في 2042. ومنذ ذلك الوقت، باتت كرة القدم الروبوتية أكثر تطوراً وهيمنةً على نظيرتها البشرية.

لعلّكم تناسيتم حفل "البالون دور"؛ لكن ها هو ذا ينطلق وسط تنظيم روبوتي، ويفوز الروبوت السنغافوري "لي شوخو"، بجائزة أفضل لاعب في كرة القدم الروبوتية للعام 2050، ويفوز مواطنه السنغافوري أيضاً "بانج عبد الله"، بجائزة أفضل لاعب في العالم بكرة القدم البشرية، وسط تصفيق وتهليل من جميع البشر والروبوتات الحاضرين للحفل.

وسائل الإعلام، وأنا مُمثّل لإحداها، تهافتت للظفر ببعض الكلمات من الروبوت الفائز بـ"البالون دور" لهذا العام، لكنه كان متعجلاً الذهاب؛ حيث هناك تدريب ينتظره مع فريقه، ولا يرغب في تفويت هذه الفرصة من أجل حديث إعلامي، قد يؤثر على التزامه اليومي بالتدريب.

أما الفائز بكأس العالم البشرية، بانج عبد الله، فقد أمضى النهار بطوله يُصرّح هنا وهناك، عن نشأته في أكاديمية روبوتية احتضنته منذ نعومة أظافره حتى وصل اليوم لأن يصبح أفضل لاعب في العالم، متفاخراً بأنّ دوري بلاده هو الأفضل عالمياً، ويتهافت عليه أفضل اللاعبين والمدرّبين من كل صوب وحدب.

الحفل انتهى، ومعه توقفت عيناي عن الانبهار بما أعيشه وأراه من حولي، ليعود إليّ العبوس حينما تذكرت أنّ طائرتي ستقلع بعد ثلاثين دقيقة، وهأنذا عائد من جديد إلى وطني؛ حيث دول العالم المُتخلّفة التي ترزح تحت وطأة "مدام عفاف الدور الرابع".


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard
Popup Image