بدأنا في المقال السابق بالعمل على المحور الثاني من مجموعة محاور تعمل على حلول مقترحة مستدامة وإستراتيجيات متكاملة، للتعامل مع مشكلة ندرة المياه في مصر. هذا المحور يعمل على زيادة كفاءة استخدام مصادر المياه المتاحة الحالية، إذ تفقد مصر الكثير من المياه في الاستخدامات المتعددة، سواء في الزراعة أو في الأغراض الأخرى المختلفة.
كما ناقشنا الفئات الأربعة التي تُعدّ الأسباب الرئيسة لفقدان المياه في مصر، والتي يمكن من خلال العمل عليها تقليل الفاقد من المياه. وتتلخّص هذه الأسباب على النحو التالي: رفع كفاءة أنظمة الريّ الحالية وتطويرها لتتمتّع بكفاءة أفضل، وإدارة العملية الزراعية بطريقة أكثر فعالية، وترشيد استهلاك المياه المُستخدمة في كل الأغراض على مستوى الدولة، وإدارة مياه النيل بشكل فعّال ومستدام.
في المقال السابق، بدأنا بمناقشة أول الأسباب، وهو كيفية رفع كفاءة أنظمة الري الحالية للأراضي الزراعية وتطويرها، ونستكمل مناقشته في هذا التقرير.
ذكرنا سابقاً أنّ 70% من مياه النيل تذهب لخدمة الأنشطة الزراعية في مصر. وتبلغ كفاءة نظام الريّ الحالي 50%، أي أنّ ما يقارب نصف المياه المستخدمة للأغراض الزراعية، يُهدر. وعليه، تقليل فاقد المياه في هذا القطاع تحديداً، قد يؤثّر تأثيراً كبيراً على إدارة المياه المُهدرة عموماً على مستوى الدولة، وتوفير كثير من المياه، وكذلك الطاقة، للاستخدام في أغراض أخرى. هناك طرائق عدة للعمل على ذلك، ناقشنا منها تبطين القنوات المائية والترع لمنع تسرّب المياه، وصيانة الترع وقنوات الري، ونستكمل اليوم باقي الطرائق في ما يختص بالفئة الأولى.
استخدام الريّ التكميلي
الريّ التكميلي، تقنية زراعية ترمي إلى تحسين كفاءة استخدام المياه من خلال توفير كميات إضافية منها للنباتات في الأوقات التي تحتاج فيها إلى الدعم. يحدث ذلك عندما يتم استخدام أكثر من مصدر للمياه لريّ المنطقة نفسها، ويعتمد الريّ التكميلي على دمج مصادر المياه المتاحة لضمان تلبية احتياجات المحاصيل بشكل فعّال، وفي الوقت نفسه تقليل الهدر والاستخدام لمصادر المياه غير المتجددة.
في مصر، يُعدّ الريّ التكميلي إجراءً مهمّاً في ظلّ محدودية الموارد المائية وزيادة الطلب على المياه، ويمكن تطبيقه على المزارع الواقعة في مناطق هطول الأمطار. فما الذي يعرقل ذلك؟
يمكن تعريف الريّ التكميلي على أنّه استخدام كميات صغيرة من المياه من مصادر أخرى، لريّ المحاصيل التي تعتمد في ريّها بشكل أساسي على مياه الأمطار، وذلك خلال الأوقات التي تفشل فيها الأمطار في توفير كميات المياه الكافية لنمو النبات الطبيعي. يساعد هذا في توفير مياه النيل في بعض المناطق، باستخدام المياه المحلّاة أو الأمطار بدلاً من ذلك لتوفير بعض الاحتياجات الجزئية.
وفي مصر، يُعدّ الريّ التكميلي إجراءً مهمّاً في ظل محدودية الموارد المائية وزيادة الطلب على المياه، ويمكن تطبيقه على المزارع الواقعة في مناطق هطول الأمطار. كما يمكن للحكومة أن تُعزز استخدام الريّ التكميلي من خلال توفير التدريب والمعلومات للمزارعين حول كيفية تطبيق هذه التقنية بشكل فعّال. إلى ذلك، يجب دعم البحث عن أساليب جديدة تتناسب مع الظروف المحلية وتطويرها، لتحقيق التنمية المستدامة في الزراعة.
تغيير قنوات الريّ والصرف… من أنظمة مكشوفة إلى قنوات مغطاة
يُعدّ تحويل قنوات الريّ والصرف من أنظمة مكشوفة إلى قنوات مغطاة، خطوةً إستراتيجيةً في إدارة المياه. فالقنوات المكشوفة غالباً ما تتعرّض للتبخّر وأيضاً للتسرّب، ما يؤدّي إلى فقدان كميات كبيرة من المياه. من خلال تغطية هذه القنوات، يتم تقليل تعرّض المياه لأشعة الشمس والرياح، ما يقلّل من معدلات التبخّر. كما أنّ القنوات المغطاة تقلّل من فرص التلوّث، حيث تحمي المياه من الأتربة والملوّثات الأخرى التي قد تؤثّر على جودتها. كذلك، فإنّ استبدال قنوات الريّ المكشوفة بأنابيب مغلقة قد يوفر مساحات تتيح توسيع الطرق المجاورة، وتسهّل حركة مرور المزارعين والمستفيدين من هذه الطرق، بالإضافة إلى ما تقوم به من تغطية أجزاء من المصارف الزراعية التي توفر مساحةً إضافيةً يمكن زراعتها.
فضلاً عن ذلك، يتيح استخدام القنوات المغطاة، تحسين كفاءة توزيع المياه، حيث يمكن التحكم في تدفّقها بشكل أفضل، ما يسهّل عملية الريّ، ويزيد من فعالية استخدام المياه. كما أنّ هذه الأنظمة يمكن أن تساهم في تحسين إدارة المياه في المناطق الحضرية والريفية على حد سواء، ما يؤدي إلى تعزيز الأمن المائي وتقليل الفاقد، وتالياً تحقيق استدامة أكبر في استخدام الموارد المائية.
تقوم أنظمة الريّ الذكية من خلال دمج مجموعة من هذه التقنيات المتقدمة، على استشعار ورصد رطوبة التربة، وبعض الظروف المناخيّة مثل درجة الحرارة، ومعدّل الأمطار، وحتى مستوى الإشعاع الشمسي، وكذلك تجميع البيانات حول حالة التربة، واحتياجات المحاصيل المختلفة
تغيير أنظمة الريّ الحالي إلى أنظمة ريّ حديثة وذكية ومستدامة
هناك مشكلة كبيرة في الريّ في مصر، هي أنّ المزارعين المصريين اعتادوا الريّ باستخدام الغمر. يُعدّ الريّ بالغمر من أقدم الطرائق المستخدمة في الزراعة المصرية، حيث يعتمد على غمر الأرض بالمياه عبر قنوات مفتوحة. وبرغم أنّ هذه الطريقة كانت فعّالةً في الماضي، إلا أنّها تواجه تحديات كبيرةً في ظلّ الزيادة السكانية والتغيرات المناخية. أدّى الإفراط في استخدام المياه، إلى فقدان كميات كبيرة منها بسبب التبخّر والتسرب، ما جعل الحاجة إلى التحول إلى أنظمة ريّ حديثة، ذكية، وأكثر كفاءةً، احتياجاً لا مفرّ منه.
تتميّز أنظمة الريّ الحديثة، مثل الريّ بالتنقيط والريّ بالرش، بتوفير المياه بشكل كبير مقارنةً بالريّ بالغمر. تعتمد هذه الأنظمة على توصيل المياه مباشرةً إلى جذور النباتات، ما يقلّل الفاقد بسبب استخدام كميات مياه أقل بكثير من الريّ بالغمر. كما أنّ هذه الأساليب تساعد في تحسين جودة التربة وتقليل انتشار الأمراض المرتبطة بالرطوبة الزائدة، وهو ما يُعزّز من إنتاجية المحاصيل وزيادة الإنتاجية الزراعية.
تُعدّ أنظمة الريّ الذكية من أهم التقنيات الحديثة التي تُستخدم للتحكم في عملية الريّ بشكل أكثر فعاليةً وكفاءةً، وتساهم في ترشيد استهلاك المياه في الزراعة. هذه الأنظمة تعتمد على استخدام أجهزة استشعار (حساسات)، وبرمجيات، وتقنيات مثل إنترنت الأشياء لتقوم بجمع البيانات. تقوم أنظمة الريّ الذكية من خلال دمج مجموعة من هذه التقنيات المتقدمة، على استشعار ورصد رطوبة التربة، وبعض الظروف المناخيّة مثل درجة الحرارة، ومعدل الأمطار، وحتى مستوى الإشعاع الشمسي، وكذلك تجميع البيانات حول حالة التربة، واحتياجات المحاصيل المختلفة.
تُستخدم برمجيات خاصة لتحليل هذه البيانات وإرسال الأوامر إلى نظام الريّ لتشغيله أو إيقافه أو ضبطه، ويمكن للنظام تحديد موعد المياه والكمية التي تحتاجها النباتات. ومن خلال اتصال أنظمة الريّ الذكية بالإنترنت، تُتيح للمزارعين أيضاً التحكم فيها عن بُعد عبر التطبيقات على الهواتف الذكية أو أجهزة الكمبيوتر.
هناك فوائد متعددة لاستخدام أنظمة الريّ الذكية:
توفير المياه: تقلل أنظمة الريّ الذكية من استهلاك المياه من خلال تزويد النباتات بالكمية الدقيقة من المياه التي تحتاجها، ما يقلّل الفاقد الناتج عن التبخّر أو التسرّب.
زيادة الإنتاجية الزراعية: يساعد الريّ الفعّال في تحسين صحة النباتات وزيادة إنتاجية المحاصيل، ما يساهم في تحقيق الأمن الغذائي.
توفير الوقت والجهد: يمكن للمزارعين التحكم في أنظمة الريّ عن بُعد، ما يقلّل من الحاجة إلى العمل اليدوي ويزيد من كفاءة إدارة المزارع.
تحسين جودة المحاصيل: يمكن تحسين جودة المحاصيل وتقليل المخاطر المرتبطة بالإجهاد المائي من خلال تزويد النباتات بالريّ المناسب.
التكيّف مع التغيّرات المناخية: تساعد أنظمة الريّ الذكية في التكيّف مع الظروف المناخية المتغيّرة من خلال تحليل البيانات والتعديل في الوقت الفعلي.
ومن الجدير بالذكر، أنّ وزارة الموارد المائية والريّ المصرية قامت بوضع إستراتيجية وخطّة تنفيذية للتحوّل من نظم الريّ بالغمر إلى نظم الريّ الحديثة (الريّ بالتنقيط)، في البساتين ومزارع قصب السكّر في الصعيد، في جنوب مصر، طبقاً لمعايير وجدول زمني للتنفيذ بحيث تكون الأولوية لمزارع قصب السكّر وبساتين الفاكهة في الأراضي الجديدة، ثم الأراضي القديمة. وعلى الرغم من ذلك، ليست هناك أرقام واضحة ومُعلنة عمّا تمّ إنجازه في هذا المشروع.
توفير الدعم المالي للمزارعين للتحوّل المستدام
في ظلّ التحدّيات الاقتصادية والبيئية التي يواجهها المزارعون، يُعدّ دعمهم مالياً لتحويل أنظمة الريّ القديمة إلى أنظمة أكثر كفاءةً واستدامةً، أمراً ضرورياً، حيث يعاني الكثير منهم من نقص الموارد المالية اللازمة للاستثمار في أنظمة الريّ الحديثة، التي تتطلّب مبالغ هائلةً. يجب على الحكومة أن تُقدّم دعماَ مباشراً من خلال تمويل مشاريع لتحديث البنية التحتية لأنظمة الريّ، أو تقديم إعفاءات ضريبية أو دعم فنّي لمساعدة المزارعين على تنفيذ هذه التغييرات.
يمكن المزارعين أيضاً المشاركة في البرامج التدريبية وورش العمل التي تعزز من مهاراتهم ومعرفتهم بأحدث هذه التقنيات الزراعية، ما يؤدي إلى زيادة الإنتاجية وتقليل الفاقد من المياه، وهذان أمران حيويّان في ظلّ التحديات المتعلقة بندرة المياه وتغيّر المناخ
من ناحية أخرى، يمكن للمزارعين الاستفادة من القروض الميسّرة التي تقدّمها البنوك الزراعية أو المؤسسات المالية المدعومة من الحكومة، والتي توفّر فائدةً منخفضةً أو فترة سداد طويلة. كما يمكن للدولة التعاون مع المنظمات الدولية للحصول على منح مالية مخصّصة لمشاريع الريّ المستدامة. هذه المنح يمكن أن تغطّي جزءاً كبيراً من تكاليف التحديث، ما يخفّف العبء المالي على المزارعين. بهذه الطريقة، يصبح التحوّل إلى أنظمة ريّ حديثة ومتطورة ممكناً، بما يعود بالفائدة على الاقتصاد الوطني والبيئة والفلّاح على حد سواء.
يُعزّز هذا الدعم المالي الابتكار والتطوير في القطاع الزراعي، حيث يمكن للمزارعين أيضاً المشاركة في البرامج التدريبية وورش العمل التي تعزز من مهاراتهم ومعرفتهم بأحدث هذه التقنيات الزراعية، ما يؤدي إلى زيادة الإنتاجية وتقليل الفاقد من المياه، وهو أمر حيوي في ظلّ التحديات المتعلقة بندرة المياه وتغيّر المناخ. هذا الدعم لا يسهم فقط في تحسين جودة المحاصيل وزيادة الإنتاج، بل أيضاً في تعزيز القدرة على التكيف مع التغيرات المناخية.
وبذلك نكون قد انتهينا من سلسلة مقالات "أبعاد أزمة المياه في مصر وتداعيات سدّ النهضة".
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
انضم/ي إلى المناقشة
Some One -
منذ يومينالذي كتب وتخيل هذه العلاقة، وتخيل مباركة الوالدين، وتقبل المجتمع لهذه المثلية الصارخة. ألم يتخيل...
مستخدم مجهول -
منذ 4 أياماول مرة اعرف ان المحل اغلق كنت اعمل به فترة الدراسة في الاجازات الصيفية اعوام 2000 و 2003 و كانت...
Frances Putter -
منذ 6 أيامyou insist on portraying Nasrallah as a shia leader for a shia community. He is well beyond this....
Batoul Zalzale -
منذ أسبوعأسلوب الكتابة جميل جدا ❤️ تابعي!
أحمد ناظر -
منذ أسبوعتماما هذا ما نريده من متحف لفيروز .. نريد متحفا يخبرنا عن لبنان من منظور ٱخر .. مقال جميل ❤️?
الواثق طه -
منذ أسبوعغالبية ما ذكرت لا يستحق تسميته اصطلاحا بالحوار. هي محردة من هذه الصفة، وأقرب إلى التلقين الحزبي،...