مشوار راقص الباليه في مصر ليس مفروشاً بالورود والنجاحات، بقدر ما يتطلب منه من مجهود وانضباط وقوة لمواجهة الكثير من التحديات التي يتعرّض لها منذ أن يأخذ قراره بأن يصبح راقص باليه.
فنّ راقٍ
تلقّى أحمد سعيد عبد الرازق، التشجيع من والدَيه، للانضمام إلى المعهد العالي للباليه، منذ أن كان طفلاً. وبسبب التشجيع هذا، استطاع أن يحقق نجاحات كثيرةً، ويصبح "صوليست" في فرقة الباليه في دار الأوبرا المصرية.
أحمد سعيد عبد الرازق
يرى عبد الرازق (31 عاماً)، أنّ البعض يعتقد أنّ الباليه مجرد رقصة عادية فيها حركات مثل الجمباز، ولكنه ليس كذلك، على حدّ تأكيده: "هو فنّ راقٍ يدمج بين أكثر من فنّ، مثل التمثيل والرقص والأداء المسرحي".
"في أوقات كثيرة، كنت أحاول أن أبرّر وأشرح أنّ هذه المهنة للرجال أيضاً، وكان هناك أناس يتفهمون فعلاً، ولكن مع الوقت لم أعد أوضح أي شيء لأحد، إذ لم تعد لديّ طاقة على ذلك"
أحمد سعيد عبد الرازق
ولكن المشكلة الأكبر التي واجهته، أنّ أفراداً كثيرين يظنّون أنّ الباليه مخصص للبنات فحسب، ولذلك كان يحاول باستمرار أن يشرح لهم أنّ هذا الفن ليس حكراً على النساء، وأنّ هناك بعض الحركات التي يقوم بها الشاب بصورة أفضل: "في أوقات كثيرة، كنت أحاول أن أبرّر وأشرح أنّ هذه المهنة للرجال أيضاً، وكان هناك أناس يتفهمون فعلاً، ولكن مع الوقت لم أعد أوضح أي شيء لأحد، إذ لم تعد لديّ طاقة على ذلك".
قرر أحمد، وقتها، أن يركّز في المجال الذي اختاره، ويثبت أنّه الأفضل، وعلى مدار دراسته (9 سنوات)، في المعهد، كان بشكل مستمرّ الأول على دفعته. بعد تخرّجه بتقدير ممتاز، قرّر أن يلتحق بالمعهد العالي "الجامعة" في معهد الباليه، والتحق بقسم التصميم والإخراج، ودرس لمدة 4 سنوات، وكان يحصل على المركز الأول باستمرار، وهو حالياً يحضّر للماجستير.
تعليقاً على موضوع الصور النمطية، يشير الدكتور فادي النبراوي، المدرّس في أكاديمية الفنون والـ"صوليست" في فرقة دار الأوبرا، في حديثه إلى رصيف22، إلى أنه ليس من السهل أن تتغير نظرة المجتمع: "عادةً يحاول الراقص أن يشرح ويوضح أنّ هذا الفن يصلح للذكور والإناث، ولكن مع الوقت يبدأ بتجاهل الآخرين لأنّ النظرة أحياناً لا تتغير".
أحمد سعيد عبد الرازق
سنّ راقص الباليه
عندما تخرّج أحمد سعيد عبد الرازق، عام 2009، استطاع أن يجتاز الاختبارات كلها، ونال استحسان لجنة الاختبارات ليلتحق بفرقة باليه أوبرا القاهرة التي تأسست عام 1966، وهي تابعة للمعهد العالي للباليه، وقام بتدريب الفرقة وقتها عدد من الخبراء السوفيات، وقدّمت عدداً من العروض مثل "كسارة البندق"، "بحيرة البجع"، و"جيزيل". بدأت فرقة الباليه بتقديم عروضها خارج مصر منذ عام 1972، انطلاقاً من موسكو وليننغراد، وبعد ذلك قدّمت عروضها في بلغاريا، يوغوسلافيا، ألمانيا، فرنسا، إيطاليا، تونس، كوريا والصين.
أحمد سعيد عبد الرازق
يرى أحمد، أنّ من الصعوبات التي يواجهها راقص الباليه كذلك، وصوله إلى لحظة الاعتزال، ولذلك يتمنى أن يظلّ يرقص لأطول فترة ممكنة، ولكنه يتفهم أنّ وقت الاعتزال سيأتي لكل راقص مثلما يحدث مع لاعبي الكرة.
"عادةً يحاول الراقص أن يشرح ويوضح أنّ هذا الفن يصلح للذكور والإناث، ولكن مع الوقت يبدأ بتجاهل الآخرين لأنّ النظرة أحياناً لا تتغير"
فتح أحمد، لنفسه الكثير من الآفاق تحسّباً لسنّ الاعتزال، فإلى جانب الماجستير ودراسته الإخراج، استطاع أن يحصل على منحة من وزارة الثقافة "جائزة الدولة للإبداع"، وسافر إلى روما لمدة 6 أشهر، وتعلم هناك الكثير من الأساليب التي يحاول تطبيقها بشكل مستمر.
أحمد سعيد عبد الرازق
ويؤكد راقص الباليه، أنّ من أهم واجبات الراقص أن يحافظ على لياقته، وأن يداوم على تدريباته المكثفة، وذلك حتى يحتفظ بليونة جسده وقدرته على أداء الحركات المختلفة التي تجعل منه راقصاً مميزاً.
بدوره، يقول مدرّس أكاديمية الفنون فادي النبراوي، إنّ من بين التحديات التي تواجه راقص الباليه في مصر، وصوله إلى سنّ الاعتزال، التي عادةً لا تتعدى الـ35 أو الـ40 عاماً، وذلك لأنّ عضلات الجسم لا تتحمل المجهود الذي يقوم به راقص الباليه على خلاف السنّ الصغيرة التي تكون فيها العضلات قويةً وتكون هناك طاقة زائدة.
ويؤكد فادي، أنّ من يصل إلى سنّ الاعتزال لا يستطيع عادةً أن يصمّم رقصات: "هناك صعوبة في أن يجد الراقص عملاً بعد اعتزال الباليه، إلا لو كانت للراقص شهرة ومهارة كبيرتان".
أحمد سعيد عبد الرازق
كابوس الإصابة وحلم الاحتراف
استطاع راقص الباليه المصري حازم زكريا الشيمي، أن يحقق حلم الاحتراف وهو في سنّ العشرين فقط، ويعمل حالياً مخرجاً ومصمماً للرقصات في إسبانيا، وانضمّ في سنّ صغيرة إلى العديد من الفرق وتنقل بين مختلف الدول في أوروبا.
المدير التنفيذي لمسابقة "غالاكسي"، وهي أكبر مسابقة رقص في الشرق الأوسط، يقول لرصيف22، إنّ الوصول إلى حلم الاحتراف لم يكن مفروشاً بالورود، فقد واجه العديد من الصعاب والتحديات حتى يستطيع أن يضع اسمه بين كبار الراقصين والمصممين في إسبانيا.
راقص الباليه حازم زكريا
"لا يوجد مكان متخصص كلياً يستطيع التعامل مع هذه الإصابات في مصر، ولا توجد إمكانية للعلاج الطبيعي، ولذلك قد يجد الراقص نفسه متوقفاً عن الأداء لمدة عام وأكثر، خاصةً أنه بعدها يحتاج إلى علاج طبيعي وتدريب مكثف ليعود إلى لياقته الحركية"
بدأ الأمر عندما تعرّض حازم (35 عاماً)، لقطع في الغضروف عام 2011، في أثناء وجوده في مصر، وقرر بعدها أن يسافر للعلاج في إسبانيا. وبرغم أنه كان ينوي العودة بعدها لارتباطه بعروض، إلا أنه قرر أن يستغلّ الفرصة ويتمرّن ويحاول الانضمام إلى فرق هناك.
يشير الشيمي، إلى أنّ من أهم العقبات التي تواجه راقص الباليه في مصر، تعرّضه لإصابة: "لا يوجد مكان متخصص كلياً يستطيع التعامل مع هذه الإصابات في مصر، ولا توجد إمكانية للعلاج الطبيعي، ولذلك قد يجد الراقص نفسه متوقفاً عن الأداء لمدة عام وأكثر، خاصةً أنه بعدها يحتاج إلى علاج طبيعي وتدريب مكثف ليعود إلى لياقته الحركية".
ويقول الشيمي، إنّه بعد سفره مباشرةً، تلقّى العلاج على يد متخصص، وواظب على العلاج الطبيعي، وكان يحفز نفسه باستمرار بأنّ الإصابة لن تؤثر عليه، فبدأ طريقه في الخارج ووجد فرقةً هناك تبحث عن راقصين، وكانت فرقة كبيرة في كرواتيا، واجتاز الاختبارات وعمل هناك "صوليست"، ثم استطاع أن يطوّر نفسه ليعمل في فرق أخرى كبيرة في أوروبا.
يتمنى حازم، أن يستطيع أن ينقل هذه الخبرة التي اكتسبها إلى مصر، فهو يقوم من وقت إلى آخر بتنظيم ورشات عمل هناك، ويشير إلى أنّ الكثير من الراقصين في مصر ينتظرون ورشاته.
وبرغم نجاحه لسنوات كراقص في المجتمع الدولي، إلا أنّ "حازم" اختار أن يعتزل وهو في سنّ الـ27، وذلك بعد تفكير طويل حتى يستطيع أن يقوم بالتدريب وتصميم الحركات على أكمل وجه، ويقدّم الحركة للراقصين الذين يقوم بتدريبهم: "لو اعتزلت في سنّ الـ40، سيكون من الصعب أن أشرح للراقصين ما أريده".
تعليقاً على موضوع الإصابات التي قد يتعرض لها راقص الباليه، تقول الدكتورة سحر حلمي هلالي، المدرّسة في المعهد العالي للباليه في أكاديمية الفنون، لرصيف22: "إصابة راقص الباليه واردة مثل أي رياضة أخرى، فمن الممكن أن يحدث رباط صليبي أو تمزّق عضلي، وكلها إصابات سيئة، ونحتاج في مصر إلى أن يكون هناك مستشفى طبي رياضي فيه أجهزة رياضية متخصصة".
وتكشف هلالي، أنّ الواقع على الأرض سيئ بحيث يضطر المصاب في مصر إلى أن يبدأ رحلة معاناة مع العلاج، ويلفّ بين العديد من الأماكن للبحث عن الأجهزة والمعدّات اللازمة والتأهيل الملائم له، وهذا يكون مرهقاً جداً بالنسبة له.
يتفق معها الدكتور فادي النبراوي، الذي يشير بدوره إلى أنّ إصابة راقص الباليه تكون لها خصوصية مختلفة لأنّ العضلات تنشأ منذ الطفولة بشكل مختلف: "إنّ عدداً كبيراً من الأطباء لا يفهمون خصوصية هذه العضلة، وهناك تمارين تغيّر من طبيعة العضلة لأنهم في النهاية لا يفهمون طبيعة عمل راقص الباليه".
حازم زكريا
خامات غير متاحة
يتذكر راقص الباليه حازم زكريا الشيمي، المعاناة التي تعرّض لها في بداياته في مصر، حيث كانت هناك ندرة في الخامات وكانت عادةً ما تُستورد من الخارج بأسعار غالية جداً، ويقول حازم: "الموضوع كان صعباً بالنسبة لي، خاصةً أنني أتحدّر من أسرة بسيطة وفي أوقات كنت أرقص بخامات محلية برغم أنها لم تكن بالمستوى نفسه".
ويضيف حازم: "راقصو الباليه في مصر لديهم موهبة استثنائية، ولكن التحدّي يكمن في نقص الموارد والإمكانات مقارنةً بالدول التي تمتلك تاريخاً طويلاً في الباليه مثل روسيا وفرنسا. ومع ذلك، هناك راقصون مصريون استطاعوا إثبات أنفسهم على الساحة الدولية، وهذا دليل على أنّ لدينا الإمكانيات، لكننا بحاجة إلى المزيد من الدعم والتطوير".
حنان سيد (38 سنةً)، من محافظة الجيزة يتدرب ابنها البالغ من العمر 7 سنوات على رقص الباليه منذ أعوام، تكشف في حديثها إلى رصيف22، أنّ غياب الخامات وغلاء أسعارها من أكثر الأشياء التي تزعجها: "الملابس تأتي من الخارج بأسعار غالية جداً، وهناك خامات في مصر ليست بالمستوى نفسه، ولذلك نشتري الأغلى، فمثلاً بالنسبة إلى الجوارب الخاصة بالأولاد هناك أنواع رديئة منها وسعرها مرتفع أيضاً".
"راقصو الباليه في مصر لديهم موهبة استثنائية، ولكن التحدّي يكمن في نقص الموارد والإمكانات مقارنةً بالدول التي تمتلك تاريخاً طويلاً في الباليه مثل روسيا وفرنسا. ومع ذلك، هناك راقصون مصريون استطاعوا إثبات أنفسهم على الساحة الدولية، وهذا دليل على أنّ لدينا الإمكانيات، لكننا بحاجة إلى المزيد من الدعم والتطوير"
في السياق نفسه تقول الدكتورة سحر حلمي هلالي: "نشتري الخامات من الخارج باليورو، لأنه لا يوجد مصنع في مصر، كما أنّ لدينا أنواعاً عدة من الأحذية حسب نوع الرقصة والدور، ولأنها غير متوافرة نشتريها بالعملة الصعبة أيضاً".
بدوره، يتحدث فادي النبراوي، عن مشكلة نقص الخامات: "نعاني من عدم توافر المواد الخام كالأحذية الخاصة للبنات، وهذه ليست متوافرةً في مصر، ولو وُجدت يكون سعرها غالياً جداً، كذلك جوارب الشباب ليست متوافرةً في مصر إلا بخامات سيئة".
باختصار، يحتاج راقص الباليه في مصر إلى المزيد من الاهتمام والإمكانيات التي تؤهله لممارسة إبداعه بشكل مثالي، وينتظر من الدولة أن توفر له تلك الإمكانيات، خاصةً أنّ تلك الصعوبات تحول دون دخول البعض المجال بحرّية واطمئنان.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
انضم/ي إلى المناقشة
مستخدم مجهول -
منذ 17 ساعةلا اتفق بتاااتا مع المقال لعدم انصافه اتجاه ا المراه العربية و تم اظهارها بصورة ظلم لها...
mahmoud fahmy -
منذ 3 أياممادة قوية، والأسلوب ممتاز
Apple User -
منذ 6 أيامهل هناك مواقف كهذه لعلي بن ابي طالب ؟
Assad Abdo -
منذ أسبوعشخصية جدلية
جيسيكا ملو فالنتاين -
منذ أسبوعأن تسخر التكنولوجيا من أجل الإنسان وأن نحمل اللغة العربية معنا في سفرنا نحو المستقبل هدفان...
جيسيكا ملو فالنتاين -
منذ أسبوعلم تسميها "أعمالا عدائية" وهي كانت حربا؟