"من يومين زوجي راح يجيب الزعتر اللي بنحط مع السلطات، ما بطلعوا ضمة بـ75 قرش (1.6 دولارات)، الأسعار مرتفعة ع جيبة المواطن، هاي والزعتر يُعتبر أكلة الفقرا"؛ بهذه الكلمات تتحدث أمل منصور، عن ارتفاع سعر الزعتر الأخضر في الأسواق الأردنيّة، وصعوبة الحصول عليه كما في السابق.
وتقول لـرصيف22، إنَّ أسعار الزعتر شهدت ارتفاعاً كبيراً، وهو ما يدفعها إلى عدم شرائه، إلا إن حصلت عليه كهديةٍ من أقاربها (ربع كيلو أو نصف كيلو).
لماذا ارتفع سعر الزعتر؟
تحتوي السوق الأردنيّة على مختلف أنواع الزعتر، وأبرزها الزعتر البرّي الأردني، الذي يتم طحنه ليُقدَّمَ مع زيت الزيتون كعنصرٍ أساسيٍّ على المائدة الأردنيّة، أو يتم تنشيف أوراقه لصناعة المعجّنات، أو إضافته إلى الطعام؛ ما يجعله مكوّناً أساسياً في العديد من الأدويّة. كما يُستخدَم بعد أن يُغلى، في علاج أمراض الجهاز التنفسي وتخفيف الآلام.
الزعتر الموجود في السوق الأردني مدجّنٌ بالكامل بحسب خبراء زراعيين، ولا وجود لزعترٍ برّي؛ وذلك نتيجة مجموعة من العوامل على رأسها الزحف العمراني والحصاد الجائر الذي بدأ قبل نحو 20 إلى 25 سنةً
إلا أنَّ التغيّر المناخي، كونه تهديداً حقيقياً للتنوّع البيولوجي في الأردن، تسبب في ارتفاع درجات الحرارة وتذبذب هطول الأمطار، ما أدى إلى جفاف التربة وتدهور الغطاء النباتي. هذا التأثير السلبي طال النباتات البرية، بما فيها الزعتر البرّي، الذي يواجه مخاطر متزايدةً تهدد بقاءه. بالإضافة إلى ذلك، يُسهم الزحف العمراني والرعي الجائر في تفاقم هذه المخاطر، ما يجعل الزعتر ضمن قائمة النباتات المهددة بالانقراض في الأردن، بحسب الجمعيات البيئية.
فيما أدّت التغيّرات المناخية إلى انخفاض كبير في مخزون المياه الجوفية وتراجع نسبة هطول الأمطار، ما أثّر سلباً على الدورات الزراعية والنباتات البرّية.
ويُعرّف الزعتر البرّي، علمياً، باسم "Thymus capitatus"، وينمو عادةً في المناطق الجبلية وبين الصخور، وعلى جوانب الطرقات وحول حقول الحبوب. وينتشر في الأردن في معظم المناطق المعتدلة المناخ وفي شمال البلاد والمناطق الجبليّة، بالإضافة إلى انتشاره في مناطق حوض البحر الأبيض المتوسط، مثل سوريا وفلسطين.
إنتاج منزليّ بديل
تصنع آلاء العقرباوي، وهي أمٌّ لسبعة أطفال، الزعتر المطحون في المنزل؛ إذ تحصل على السمّاق الحامض من عجلون، والسمسم من الأزرق، وتشتري الزعتر من أحد المسوّقين، قائلةً: "الزعتر غلي والمنتج مش زيّ أول، في محامص بتشتريه غالي بس بتحسّي ضايفينله ملح ليمون، والحموضة مش من السمّاق، حتى الغالي مغشوش".
وتضيف في حديثها إلى لرصيف22، أنَّ من الصعب التخلّي عن الزعتر بصفته مكوّناً رئيسياً على السفرة الأردنيّة، متابعةً: "حتى لو غلي الأخضر بدنا نشتري منه ما في بديل للزعتر، البديل هو الإنتاج المنزلي؛ أرخص وأزكى".
"السكون"... هي حالة تصيب نبتة الزعتر مع ارتفاع درجات الحرارة؛ إذ تدخل في مرحلة تتوقف الجذور فيها عن امتصاص الماء حتى لا يكون التبخّر أعلى من التزويد، ويؤدي إلى احتراق الأوراق.
ويرى المزارع والمسوّق سامر المحمود، الذي تشتري العقرباوي، منهُ زعترها، أنَّ الزعتر الموجود في السوق مدجّنٌ بالكامل، ولا وجود لزعترٍ برّي؛ وذلك نتيجة مجموعة من العوامل على رأسها الزحف العمراني والحصاد الجائر الذي بدأ قبل نحو 20 إلى 25 سنةً.
ويلخّص التحديات التي يواجهها المزارعون خلال حديثه إلى رصيف22، بـ"شُحّ المياه، وتغيّر المناخ". وعلى الرغم من ريّهم الزعتر، يتحدث المحمود، عن عاملٍ يشكّل تحدياً إضافياً، وهو "السكون"، أي ما يصيب نبتة الزعتر حين ارتفاع درجات الحرارة؛ إذ تدخل في مرحلة تتوقف الجذور فيها عن امتصاص الماء حتى لا يكون التبخّر أعلى من التزويد، ويؤدي إلى احتراق الأوراق، لأنَّ نسبة الحرارة عند أوراق النباتات تكون عاليةً.
ويتابع المحمود، أنَّ حالة السكون يتبعها توقف نموّ النبتة؛ لذا مهما زوّدها المزارعون بالماء فلن يكون هناك إنتاج، ويبقى الزعتر متقزّماً، ويكون من الصعب قصّه، قائلاً إنَّ "الخطّ الذي ينتج 8 و10 كيلو، يجب أن ينتج 40 كيلو، وسعر الـ10 كيلو لن يغطي تكلفته من حيث الماء الذي يرويه، وأجور العمال، ويكون غير مجدٍ".
ويضيف أنّ الزعتر يُصدّر إلى لبنان، حيث يباع الكيلو بـ14 ديناراً (نحو 20 دولاراً)، ويشهد إقبالاً واسعاً هناك نظراً إلى جودته والطلب الكبير عليه، برغم ارتفاع سعره، كما يمتلك سيارات تقف عند نقاط محددة لبيعه على الطرقات الخارجية في أنحاء المملكة، موضحاً أنَّ بعض الناس يعتقدون أنّ الزعتر من الطبيعة، لكنهم لا يعرفون أنَّ هناك مزارع شاسعةً لتغطية احتياج السوق. من الصعب جداً أن يغطّي الزعتر البرّي الاحتياجات؛ لذا فالشائع بين الناس أنَّ الزعتر المدجّن هو الزعتر البرّي، على حدّ قوله.
ويؤكد المحمود، عدم ارتفاع سعر الزعتر، وعدم وجود دور للمناخ في التحدّيات التي يمر بها؛ إذ إنَّ النبتة لا تموت بسببه بل تتحمل كثيراً، عازياً خطر انقراضه إلى الحصاد الجائر والزحف العمراني.
يزرع الزعتر منذ 30 سنةً
من جانبه، يوضح المهندس الزراعي محمد ذيابات، الذي يعمل في زراعة الزعتر منذ عام 1995، أنَّ هناك تغيّرات على الزعتر بسبب الماء، فهو من النباتات المُحبّة للماء، والتي تحتاج إلى كميات كبيرة منه، قائلاً: "هذه السنة أمضيتُ الوقت في ريّ الزعتر، لانخفاض نسبة هطول الأمطار".
ويشرح لـرصيف22، أنَّ الزعتر من النباتات التي تتحمل انخفاض الحرارة وارتفاعها، ويعاني من الرطوبة إذا كانت عاليةً، إلا أنه إذا لم تُصبه الشمس في مواسم الشتاء، أو لم يكن هناك ماء كافٍ، سيُصاب بأمراض فطرية.
يضيف: "قبل 4 سنوات عانيت مع النباتات من 'الصدى'، وهو أسوأ مرض يُصيب الزعتر، وعلاجه خلط مبيدَين مع بعضهما، المرض أصابه من الرطوبة الزائدة".
يناقض الذيابات، المحمود، قائلاً إنَّ أسعار الزعتر ارتفعت، إذ كان يبيع الكيلو منه قبل أسبوعين بسعر الجملة، أي بدينارين ونصف (3.52 دولاراً)، فيما كان يبيعه خلال الفترة نفسها من السنة الماضيّة بدينار (1.41 دولاراً)، وهذا الفرق هو ثمن الماء الذي يكلّفه 12 ألف دينار سنوياً (نحو 16،915 دولاراً)، لريّ 80 دونماً، قائلاً: "لا ينمو الزعتر الأخضر من دون كميات من المياه".
يقول رئيس جمعية التنمية للإنسان والبيئة الأردنية إلى أن بداية مشكلة الزعتر في الأردن بدأت في منتصف تسعينيات القرن الماضي، حيث بدأ كثير من الناس باقتلاعه من جذوره؛ ما أدى إلى افتقار الوديان والجبال والسهول إليه، يضاف إلى ما سبق التغيرات المناخية والبيئية من ارتفاع درجات الحرارة وشح المياه
ويشير إلى تأثير الزعتر السوري على السوق؛ إذ يتم استيراده ويباع بأسعار منخفضة برغم انخفاض جودته -بحسب تعبيره- وهو ما يدفع البعض للإقبال عليه، في حين يبيع الذيابات، زعتره في أنحاء المملكة كلها، بالإضافة إلى المغتربين الذين يطلبونه منه.
ولا يرى الذيابات، أيّ حلّ لمشكلة التغيّر المناخي سوى الزراعة فوق آبار الماء، وكان قد قدّم طلباً لوزارة الزراعة للحصول على بئرٍ من الآبار التي تقدّمها الوزارة للمزارعين، إلا أنَّ طلبه قوبل بالرفض دون بيان الأسباب، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الأسمدة والمبيدات الحشرية، على حد قوله.
مهدد بالانقراض
في حين يلفت رئيس جمعية التنمية للإنسان والبيئة الأردنية الدكتور أحمد الشريدة، إلى تاريخ الزعتر وتحدّياته، ففي منتصف تسعينيات القرن الماضي، بدأ كثير من الناس باقتلاعه من جذوره؛ ما أدى إلى افتقار الوديان والجبال والسهول إليه، غير أنَّ البعض زرعوه في البيوت للمحافظة عليه.
ويوضح في حديثه إلى رصيف22، التحديات التي تواجه الزعتر والمتمثلة في تأخّر الموسم المطري، ما ينعكس بشكل كبير على نموّه في تشرين الأول/ أكتوبر، وتشرين الثاني/ نوفمبر، وكانون الأول/ ديسمبر، بالإضافة إلى تذبذب سقوط الأمطار، وموجات الجفاف وما يترتب على ذلك من نموٍ قزميّ أو تقليص المساحات المزروعة بالزعتر أو إصابتها بالنمو البطيء.
وينبّه الشريدة، إلى وجود طرائق للمحافظة عليه، إذ تنامت في بداية القرن الحالي زراعة الزعتر في مشاتل من خلال استخدام الريّ بالتنقيط وزراعته من قِبل الأُسر في الأرياف، ما يوفر دخلاً مناسباً لها، ولا سيّما مع ارتفاع سعر الكيلو الواحد من الزعتر، خاصةً البلدي منه، مستدركاً: "لكننا بحاجة إلى عودته إلى موطنه في البرّية من خلال الإكثار من زراعته في المناطق الجبلية ومناطق الغابات".
ويقترح وجود برنامج وطنيّ لاستدامته، والتوعيّة بأهميّة الزعتر في التنوّع الحيوي، يشترك فيه الأكاديميون وطلاب المدارس والمجتمع المحلي والمهتمون بحماية الطبيعية؛ إذ يُعدّ الزعتر صيدليةً طبيةً متكاملةً يجب إكثاره، خاصةً في المناطق الفارغة في الغابات، من أجل الاستفادة منه واستخراج زيت الزعتر المفيد للجهاز التنفسي العلوي.
توجد في الأردن ثلاثة أنواع من الزعتر؛ البلدي والجبلي والفارسي، خاصةً في شمال الأردن، وكل نوع له ميزة طبية، ويعتبر "الجبلي" أفضلها، بسبب المواصفات والخصائص الطبيّة والغذائيّة عالية القيمة.
ويشدد الشريدة، على ضرورة وضع الزعتر ضمن لائحة التراث العالمي؛ لأنه بات مهدداً بالانقراض، قائلاً: "بكل صراحة لم يبقَ في السهول والوديان والشعاب والأودية زعتر برّي، بالمعنى المفهوم للزعتر البرّي البلدي"، بالإضافة إلى وجود مشكلة في كميّات المياه القليلة التي جعلت الزعتر قزميّاً، وهو الذي ينبت بسبب عدم وجود الماء، وبرغم زراعته في المنزل إلا أنَّ طعمه مختلف تماماً عن الزعتر البرّي البلدي، بحسب قوله.
تأثير الحرب على الأسعار
وبحسب حديث رئيس اتحاد المزارعين محمود العوران، إلى رصيف22، فقد تأثّر الزعتر البرّي بالتغيّر المناخي، نتيجة عدم وجود رطوبة عقب الانحباس المطريّ وعقب صيفٍ قاسٍ مرَّ على المملكة، ما ساهم في تبخّر الرطوبة بشكلٍ سريع وأثّر سلباً على النباتات الطبّية والعطرية.
ويؤكد مدير الإنتاج النباتي في وزارة الزراعة محمد الجمّال، أنَّ ارتفاع الأسعار الاستثنائي لهذا العام، جاء بسبب الأوضاع التي تحدث في غزّة، وما تبعها من ارتفاع تكاليف الشحن الذي بدوره أثّر بشكل ملحوظ على أسعار مدخلات الإنتاج، وعند مقارنة الأسعار مع الفترة نفسها من العام السابق، نجد أنّ بعض مدخلات الإنتاج ارتفعت أسعارها 100%، وهو وضع استثنائي أثّر على جميع الدول وليس على الأردن وحده.
ويذكر لرصيف22، إطلاق الوزارة مبادرات عدة للتعامل مع التغيّرات المناخيّة، مثل إنشاء 50 حفيرةً ترابيّةً من أجل تجميع مياه الأمطار للاستفادة منها في ريّ المزروعات، قائلاً: "امتلأت جميع الحفريات في مناطق الجنوب نتيجة الهطولات المطرية خلال المنخفض الأخير".
ويضيف الجمّال، أنَّ الوزارة دعمت المشاريع الزراعية من خلال قروض من دون فائدة، بشرط أن يتم تقديم جدوى اقتصادية للمشروع، ويتم ذلك من خلال مؤسسة الإقراض الزراعي المشمول فيها تطوير المشاريع القائمة، من خلال إدخال المكننة والتصنيع والتعبئة والتغليف، مشيراً إلى دعم مشاريع للمهندسين حديثي التخرّج عبر توفير قرض من دون فائدة، والخبرات الفنية، لمساعدتهم في إنجاح مشاريعهم، وعبر التحول إلى استخدام الزراعة الذكية وأنظمة الريّ الحديثة للتقليل من هدر المياه.
ويوضح الجمّال، توجيه الإرشاد الزراعي الموجود في جميع مديريات الزراعة من الجنوب إلى شمال المملكة، بالتوجه إلى مزارعي النباتات الطبية والمحاصيل ذات القيمة التسويقية العالية ومحاصيل العجز والنقص، من أجل الاستفادة من المبادرات التي تقدّمها الوزارة ومن ضمنها الزعتر؛ إذ تم إرشادهم إلى دعم المبادرات لهم لتطوير عملية التعبئة والتغليف من خلال إدخال المكننة وكذلك دعم تسويق المنتج.
فيما عملت الوزارة منذ العام 2022، على تعديل التعليمات التي تنظّم استيراد وتداول مدخلات الإنتاج النباتي، من بذور وأسمدة ومبيدات، بحيث تمنع الاحتكار والتحكم في أسعارها من قبل الشركات، وقد أجازت للمزارع استيراد مدخلات إنتاجها من أي بلد، وتالياً الحصول على مدخلات إنتاجه بأسعار التكلفة دون مرابح التجار.
وتوجد في الأردن ثلاثة أنواع من الزعتر؛ البلدي والجبلي والفارسي، خاصةً في شمال الأردن، وكل نوع له ميزة طبية، وهناك اختلافات في اللون والشكل والطعم، وتشتهر محافظات عجلون وإربد ومادبا والكرك والطفيلة، بوجود الصنف المميّز، أي "الزعتر الجبلي" ذي المواصفات والخصائص الطبيّة والغذائيّة عالية القيمة.
وارتبط الزعتر بزيت الزيتون، فالزيت والزعتر توأمان، كانت ولا تزال موائد بلاد الشام تعتمد عليهما في الإفطار، وكانت تُصنع من الزعتر "الدقة"، و"المناقيش"، و"الصفيحة"، كما له استخدامات مختلفة غير ما سبق.
وشهد الأردن ضعفاً في الهطولات المطرية، حيث بلغت نسبة الأمطار المتراكمة حتى منتصف كانون الأول/ ديسمبر 2024، نحو 4% فقط من المعدل الموسمي العام. وهذا الانحباس المطريّ يُعدّ ثاني أضعف أداء منذ موسم 1958/ 1959، ما يثير مخاوف من شبح الجفاف وتأثيره على القطاع الزراعي.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
انضم/ي إلى المناقشة
مستخدم مجهول -
منذ يوملا اتفق بتاااتا مع المقال لعدم انصافه اتجاه ا المراه العربية و تم اظهارها بصورة ظلم لها...
mahmoud fahmy -
منذ 4 أياممادة قوية، والأسلوب ممتاز
Apple User -
منذ 6 أيامهل هناك مواقف كهذه لعلي بن ابي طالب ؟
Assad Abdo -
منذ أسبوعشخصية جدلية
جيسيكا ملو فالنتاين -
منذ أسبوعأن تسخر التكنولوجيا من أجل الإنسان وأن نحمل اللغة العربية معنا في سفرنا نحو المستقبل هدفان...
جيسيكا ملو فالنتاين -
منذ أسبوعلم تسميها "أعمالا عدائية" وهي كانت حربا؟