"كائن يقتات على دم الآخر"... كيف تغيّر العلاقات الاتكالية حياتنا؟

الأحد 8 أغسطس 202107:28 م

"أعتمد على زوجي في شؤون الحياة كلها، بما فيها الأشياء المادية والمعنوية، فحتى حين أكون في حاجة إلى الترفيه عن نفسي، ليس أمامي إلا جعله مصدر سعادتي، لأنه لا يسمح لي بفعل أي شيء لوحدي".

بهذه الكلمات وصفت ريهام ابنة التسعة والعشرين عاماً، والقاطنة في القاهرة، علاقتها بزوجها لرصيف22، مضيفةً: "لا يسمح لي إلا نادراً بالخروج لوحدي، منذ تزوجنا، ولو لشراء الدواء من الصيدلية، أو حاجات المنزل. وحين خالفته في إحدى المرات، ضربني في الشارع، بالإضافة إلى العنفين، الجسدي والنفسي، المتكررين، اللذين أتعرض لهما في المنزل. خوفي من الانفصال، خاصةً أنّ لديّ طفلين، هو ما يجعلني مستسلمة لهذا الوضع". هذا الخوف هو أيضاً ما جعل المتحدثة تستخدم اسماً مستعاراً.

وعلى عكس ريهام، فأسماء، السيدة الفلسطينية العشرونية التي تقطن في أحد البلدان الأوروبية، هي الطرف الذي يُعْتَمَدْ عليه في العلاقة، فزوجها منذ زواجهما، قبل ست سنوات، يعتمد عليها في كل شيء؛ من طلبات المنزل، والتنظيف، والإجراءات الحكومية، حتى كيفية التصرف خارج المنزل.

هنالك طرف في العلاقة الاتكالية يتعرض لفقدان ذاته، بينما يمارس الطرف الآخر السيطرة والتحكم ويمنع الأول من الاعتماد على نفسه.

تتقول أسماء لرصيف22: "هذا الوضع يجعلني أشعر بالوحدة وبأنني بلا سند حقيقي، إذ عليّ التصرف في المواقف كلها واتخاذ القرارات جميعها، وليس لدي من أناقشه، أو آخذ برأيه. أحياناً أسأل نفسي: ما فائدة الزواج، ألم يكن أفضل لي، العيش وحدي، من أن يكون هنالك إنسان يعتمد عليّ في كل شيء؟". وتُرجع أسماء طبيعة علاقتهما إلى خوف زوجها من تحمل المسؤولية، على الرغم من أنه في منتصف الثلاثينات من العمر.


علاقات "غير صحية"

تعدّ الأخصائية والمعالجة النفسية الفلسطينية ربى أبو غوش، التي تعمل في بلدية القدس، العلاقات الاتكالية، أو الاعتمادية، علاقات غير صحية، فبحسب حديثها لرصيف22، هنالك طرف في هذه العلاقة يتعرض لفقدان ذاته، بينما يمارس الطرف الآخر السيطرة والتحكم في الشخص الأول، ويمنعه من الاعتماد على نفسه.

تعزو ربى أسباب هذا النوع من العلاقات، من الناحية النفسية، إلى محاولة الشخص الاتكالي تجنب القلق، عن طريق تركيز اهتمامه وتفكيره بطريقة غير واعية، على الآخر، حتى يهمل نفسه كأن لا وجود له، وكأنه مجرد خيال أو تابع.

وتضيف ربى: "كما للتربية والتنشئة في المجتمعات دور مهم في جعل الشخص اتكالياً، فالبيئة التي يكون فيها الفرد جزءاً من مجموعة، وغير متميز بتفرده، لا تشجع على الاستقلالية. والمجتمع الأبوي الذكوري يجعل الكثير من النساء اتكاليات، ولا يستطعن تحمل المسؤولية، فهو مبني على الهرمية التي يكون فيها الرجل هو رأس الأسرة، والمتحكم بأفرادها كلهم، والمسؤول عن إعالتهم، بالإضافة إلى عدم وجود شراكة في اتخاذ القرار في العائلة، وغالباً ما يكون رأي الزوجة غير مهم، مما يجعلها بعد ذلك لا تفكر أصلاً، إذ ما جدوى تفكيرها؟!".


اعتماد شبه كامل

أما ليلى، السيدة المصرية التي انفصلت عن شريكها منذ مدة قصيرة بعد علاقة دامت ثلاث سنوات، فتقول لرصيف22: "شريكي السابق كان يعتمد عليّ بشكل كامل في ما يتعلق بالجانب المالي. كنت أنا من يدفع الإيجار، وتكاليف الحياة اليومية، لعدم تمكنه من الإبقاء على وظيفة، أكثر من بضعة أيام. كنت أستمر في تغذية هذا الوضع، لأترك له الفرصة لتحقيق حلمه الذي لم يكن ليتمكن منه سوى بالتفرغ له".

في البداية، كانت ليلى سعيدة كثيراً باعتماد شريكها عليها، ووجدت في الأمر فرصة لتحقيق حلم أحدهما، لكن بعد سنوات، اتّخذ الأمر صيغة مرهقة. "لم يتمكن هو من إنهاء أي شيء على مدار هذه السنوات، ومع عملي الدؤوب في أكثر من وظيفة، اعتراني التعب إلى درجة لم أستطع معها الاستمرار". وتضيف: "أعتقد أن هذا النوع من العلاقات قاتلٌ لطرفي العلاقة، أحدهما دائماً مرهق بسبب السعي لتوفير كل شيء، والآخر يشعر وكأنه عالة، أو يشعر وكأن كل شيء متاح بسهولة، فيتحول إلى كائن يقتات على دم الآخر، واعياً، أو غير واعٍ".

"ليست الفكرة أنني لا أستطيع الاعتماد على نفسي، فقد كنت دوماً مستقلة وأعيش لوحدي، لكن بعد انتقالي من أسيوط إلى القاهرة، إثر زواجي، صرت أعتمد على زوجي أكثر فأكثر"، هكذا بدأت فريدة، السيدة المصرية التي قاربت على نهاية عقدها الثالث، حكايتها لرصيف22، مفضلة استعمال اسم مستعار كي لا تتعرض للحرج بين معارفها، حسب قولها.

"أعتقد أن هذا النوع من العلاقات قاتل لطرفي العلاقة، أحدهما دائماً مرهق بسبب السعي لتوفير كل شيء والآخر يشعر وكأنه عالة، أو يشعر وكأن كل شيء متاح بسهولة، فيتحول إلى كائن يقتات على دم الآخر، واعياً أو غير واعٍ"

وتكمل: "في البداية كنت أشعر بالأمان أكثر حين أخرج معه، لأحمي نفسي من التحرش أو السرقات، كما كنت أعتمد عليه في أشياء بسيطة جداً، كحمل أكياس البقالة، إلى أن تحول الأمر إلى الاعتماد عليه في كل شيء، حتى في تنظيف المنزل. أعتقد أن حب زوجي، ومحاولة دعمه، وحمايته، لي، جاءت بنتائج سيئة، حتى صرت أشعر بأنني ثقل عليه. وحين فطنت إلى هذا الوضع، قررت ألا أحمّل زوجي فوق طاقته. أسعده ذلك، وجعل خلافاتنا تقل كثيراً".


المشكلة في الإجراءات لا في القوانين

أوضحت ريهام، خلال حديثها، بأنها لا تستطيع إنجاز أي إجراءات حكومية من دون زوجها، كونها مسجلة في بطاقتها الشخصية ربة المنزل، ويجب أن تحظى بتوقيعه في السجل المدني، للقيام بأي إجراء رسمي.

حول ذلك أوضحت مديرة مؤسسة "نظرة" للدراسات النسوية مُزن حسن، بأن المرأةَ مواطنةٌ كاملة وفق القانون المصري، وهناك مواد واضحة في دستور العام 2014، مرتبطة بالمساواة الكاملة بين المرأة والرجل، فهي لا تحتاج إلى إذنٍ من ولي أمرها، للسفر، أو لفتح حساب في البنك مثلاً، لكن هناك تعنت في تطبيق بعض هذه القوانين، فحين تذهب بعض السيدات لتجديد جوازات سفرهن، تُطلب منهن موافقة أزواجهن، على الرغم من أن القانون لا ينص على ذلك، وعندما ترغب بعض السيدات بتغيير صورهن في بطاقاتهن الشخصية، بعد خلعهن الحجاب، يُطلب منهن أيضاً حضور وليِّ أمرهن.

المجتمع الأبوي الذكوري يجعل الكثير من النساء اتكاليات ولا يستطعن تحمل المسؤولية.

أما في ما يخص القانون الفلسطيني، فأوضحت المحامية منار المصري، التي تعمل في مدينة نابلس، بأن هناك الكثير من الإجراءات الرسمية التي لا تستطيع المرأة الفلسطينية القيام بها من دون وجود رجل -ولي أمرها- معها، فمثلاً هي لا تستطيع تزويج نفسها، إلا في حال كانت "ثيباً"؛ أي سبق لها الزواج، أو تجاوز عمرها الـ45 سنة، وذلك بموجب قانون الأحوال الشخصية الأردني المطبق في فلسطين.

وأضافت المصري لرصيف22: "المشكلة ليست في القوانين، بقدر ما هي في الإجراءات. على سبيل المثال، لم يكن مسموحاً للمرأة، من دون وجود زوجها، استصدار جوازات سفر أبنائها القصر، ولا نقلهم من المدارس، أو فتح حسابات بنكية لهم. استطاع الائتلاف النسوي للعدالة والمساواة الضغط نحو تغيير هذه الإجراءات، قبل عامين، ولكن هذا لا ينفي وجود خروقات في التنفيذ، وهي تُعد غير قانونية بعد التعديلات الأخيرة".


خوف وتدمير للذات

تقول الأخصائية ربى أبو غوش إن للعلاقات الاتكالية تأثيراً سلبياً على طرفي العلاقة، لأنها تلغي احتياجات، وآراء، وأحلام الشخص المتكَل عليه، وتحوّل المتكِل إلى شخص نرجسي، يريد دوماً أن يرضيه من حوله كلهم، ولا يهتم لمشاعرهم، أو احتياجاتهم.

وتضيف: "من مخاطر هذا النوع من العلاقات أنها تؤدي إلى تدمير الذات، والخوف المبالغ من الوحدة، ومن الممكن أن تنتج عنها اضطرابات أصعب مثل التحول إلى الإدمان. والاعتمادية بشكل خاص هي إحدى سمات المدمنين على الكحول، أو المخدرات".

وتشير أبو غوش إلى ضرورة توعية أفراد المجتمع بمخاطر هذا النوع من العلاقات، على أفراد الأسرة جميعهم؛ إذ إن هناك شخص يفقد ذاته في سبيل إرضاء الشخص الآخر، والاهتمام به، بشكل مرَضي، ومبالغ فيه، وتنتج عن هذه مشكلات كثيرة، وقد تتسبب باضطرابات نفسية خطيرة تجعل الأشخاص في حاجة إلى علاج نفسي.

للعلاقات الاتكالية تأثيراً سلبياً على طرفي العلاقة، لأنها تلغي احتياجات وآراء وأحلام الشخص المتكَل عليه، وتحول المتكِل إلى شخص نرجسي، يريد دوماً أن يرضيه من حوله كلهم ولا يهتم لمشاعرهم أو احتياجاتهم

وإلى جانب توعية المجتمع، أضافت ربى، حول ضرورة فهم طرفي العلاقة للمشكلة، وتقبلهما لها: "في معظم الأحيان، من الصعب أن يعترف الطرفان بأن علاقتهما غير صحية، لذا عندما يكون هناك اعتراف، وتقبل، يجب أن يتوجها إلى الاستشارة المهنية، من طبيب/ة، أو أخصائي/ة نفسي/ة متخصص/ة في العلاقات العاطفية".  وعدا عن العلاج الذي قد يكون مكلفاً للبعض، فمن الممكن بحسب ربى أن يتوجه طرفا العلاقة إلى طلب النصيحة، والتوجيه الصحيح، من أفراد العائلة، أو الأصدقاء. لكن كل شيء يبدأ بالوعي، والتقبل، ومحاولة التغيير نحو الأفضل.

"من المهم في نهاية المطاف أن تكون العلاقة متوازنة بين الطرفين، حتى ولو كانت مجتمعات كثيرة تعدّ اعتماد المرأة على الرجل أمراً طبيعياً، ولكنه غير طبيعي، وغير صحي. ومن المهم أن يحقق طرفا العلاقة طموحاتهما، وأحلامهما، وأن تكون لدى كل منهما شخصية مستقلة عن الشريك/ة".

وعلى الرغم من أن كثيرين من الناس يبررون هذا النوع من العلاقات، بأنها تهدف لحماية الشريك من شر المجتمع، خاصةً حين تكون النساء هن الطرف الاعتمادي، ولكن هذا لا يغير شيئاً في مدى خطورة الأمر، فالمرأة تستطيع حماية نفسها بنفسها، وهي ليست كائناً ضعيفاً، أو ناقصاً، ومن المهم أن نعلم أبناءنا، وبناتنا، أن يتحملوا مسؤولية أنفسهم منذ الصغر، لكيلا يكونوا في المستقبل شركاء اتكاليين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard