"صدمتي دافع"... أمهات مصريات "وُلدن" بعد النكسات

الثلاثاء 16 مارس 202106:04 م

"أستيقظ وأولادي في السادسة صباحاً لأطوي مرتبتي التي ألقيتها على الأرض بالأمس، أضعها جانباً حتى أُجهّز غرفتي لتصبح فصلاً، أستقبل فيه الأطفال".

"أدخل إلى مطبخي لأُعِد وجبات الطعام للأطفال، في السادسة ونصف يرن الجرس لاستقبال أول طفل في الحضانة، ويبدأ يومي"، تحكي الدكتورة سمر صلاح (اسم مستعار) الشابة العشرينية، والطبيبة الصيدلانية، والعضوة في هيئة تدريس بإحدى الجامعات الخاصة سابقاً، والتي تعيش حياتها على مرتبة على الأرض بشقة مستأجرة بالطابق السفلي، واضطرت لفتحها حضانة لتستقبل الأطفال، وتعلمهم حتى تستطيع جَمع بدل الإيجار كل شهر.

وتضيف الدكتورة سمر، وتسكن في مدينة نصر بالقاهرة، لرصيف22: "وصل بي الحال إلى هذا الحد من الكفاف في العيش، بعد رفاهية عشتها في بيت أهلي، علماً أني كنت أعمل كيميائية بإحدى شركات تصنيع الدواء، ولدي سيارتي، وأسافر كل شهر إلى دولة جديدة، حتى أتى فارس الأحلام ليطير كل أحلامي".

شقة صغيرة ومدينة نائية

تزوجت سمر من زميل لها في الشركة، ثم اضطرت إلى ترك عملها، وأنجبت طفلين، عن تلك المرحلة تقول: "لم أسلم من تدخلات حماتي النرجسية في حياتي، ولا من عنف زوجي، كدتُ أفقد عيني في إحدى المرات، حتى وصلت إلى أن طُردت وأطفالي من بيتي، وسُرق ذهبي وعفشي وحتى ملابسي".

طرقت سمر باب بيت أهلها، قالوا لها: "اتركي أطفالك له، واتطلّقي، وتعالي وحدك يا مرحب بيكي، أو مع السلامة أنتِ وهم".

ذهبت سمر بأولادها، باحثة عن مأوى، تنقلت بين غرفة في بيت طالبات، وبين شقة صغيرة في مدينة نائية، وواجهت البرد والجوع لأول مرة، كما تحكي.

"واجهت خذلان الزوج، والأهل في سن صغيرة".

"واجهت خذلان الزوج، والأهل في سن صغيرة؛ كِدتُ أفقد هويتي، حاولت أن تكون صدمتي دافعاً لتأسيس مشروعي"، تقول سمر.

بدأت سمر بتأسيس الحضانة خطوة خطوة، حتى وصلت إلى أنها تشرف على تجهيز حديقة لتلحقها بفرعها الثاني، الذي افتتحته قبل وقت قريب، تحسنت أحوالها بعدها، اقتنت سيارة جديدة، وقاربت إنهاء شهادة الماجستير.

أما جهاد عبد العزيز، الشابة الثلاثينية، وتسكن في محافظة الشرقية المصرية، فقد اتخذت مساراً آخر، بعد أن سافر والد ابنتها، دون سكن أو نفقات مادية، تقول لرصيف22: "اتجهت إلى الموضة، وتصميم الأزياء، لم أعمل من قبل في أي مجال، كنتُ أحب الرسم، وتزوجتُ صغيرة".

استأجرت سارة غرفة، لها وابنتها، لم تكن فيها مرتبة، تقضي ليلتها على البلاط، حتى استيقظت ذات يوم، وكتبت إعلاناً على إحدى مجموعات فيسبوك لتعليم الكروشية

حالياً أصبح لدى جهاد متجر كبير في مدينتها، تعرض فيه تصميماتها، تقول: "تأتي الفتيات من كل مكان، وأستطيع أن أنفذ أي موديل في ورشتي".

"بعد أزمتي اكتشفت ذاتي"، توجز جهاد تجربتها.

"سيدات بدأن في الخمسين"

"زواجي استمر أربع سنوات من العنف والقهر، وذلك بعد تمسكي بزوجي رغم معارضة أهلي، وبعد أن عدت إليهم لم يكن لي مكان بينهم، فأعرف أن حلوقهم جفَّت من نصحي"، تحكي سارة محمد، 30 سنة، لرصيف22.

استأجرت سارة غرفة، لها وابنتها، لم تكن فيها مرتبة، تقضي ليلتها على البلاط، حتى استيقظت ذات يوم، وكتبت إعلاناً على إحدى مجموعات فيسبوك لتعليم الكروشية، تقول: "هي الحرفة الوحيدة التي أجيدها، وبدأت بتعليم أربع فتيات، كنت أستقبلهن يومين في الأسبوع، يوماً بعد يوم زاد العدد، اضطررت لحجز مكان ليكفي عدد المتعلمات، فحجرتي لم تعد تتسع لهن".

وتضيف: "استمررت في إعطاء كورسات، وذات يوم خطرَ ببالي أن أنشىء قناة على اليوتيوب لتعليم الكروشية، وفي وقت قصير جداً من الجهد، والتعب، والدعاية للقناة، حققت عدداً كبيراً من المشاهدات، والمشتركين في قناتي، وأصبحت أعتمد أنا وابنتي على دخل القناة، واكتفيت به".

تعلق الدكتورة حسنية البطريق، الاستشارية النفسية، والخبيرة في العلاقات الأسرية، لرصيف22: "حالات النهوض بعد الصدمات لا تتوقف على السن الصغيرة فحسب، بل هناك سيدات بدأن بعد الخمسين، وحققن نجاحات مبهرة".

تتذكر حسنية جيداً قصة امرأة خمسينية، بعد مرور 25 سنة زواج أو "استنزاف"، كما تحب أن تسميها، وفشل محاولاتها في الحفاظ على البيت، عادت إلى عملها بالتمريض، تقول: "بعد تركها للعمل 25 سنة، حققت نجاحات، استقلت مادياً، احتضنت أولادها، وحالياً تُزوِج بناتها، ولا مانع لديها من الزواج إذا وجدت شريكاً مناسباً".

"كنت أعمل كيميائية بإحدى شركات تصنيع الدواء، ولدي سيارتي، وأسافر كل شهر إلى دولة جديدة، حتى أتى فارس الأحلام ليطير كل أحلامي"

وعن رفض الأهالي استقبال بناتهم بعد الطلاق، قالت: "الرفض ليس القاعدة، لكنه بمثابة تقويم سلبي للبنت، في حالة أسلبتهم حق الولاية عند زواجها، ورفض توجيهاتهم لها، فلتواجه مصيرها بنفسها، وأحياناً يتم الضغط عليها بترك أولادها حتى لا يكونوا عبئاً عليهم".

ويقول الدكتور هاشم بحري، الاستشاري النفسي والأسري لرصيف22: "رفض البنت بعد الطلاق يكثر في الريف إذ أن بعض العائلات تعتبر ابنتها وصمة عار، كما تخشى على أخواتها إن كُن غير متزوجات، وتقول "هتوقف حال إخواتها"، ويصل الأمر لأن يقول الأهل للبنت ترجعي لنا ميتة، ولا ترجعي لنا مطلقة".

ويرجع الدكتور محمد هاني، الاستشاري النفسي والتربوي، درجة استقبال الأهل لابنتهم المطلقة إلى المعاملة "الإنجليزي، شيلي شيلتك (تحملي أنت العبء)، وذلك حتى في حالة يسر الأهل وقدرتهم، وهناك أسر يكون سبب رفضها للبنت هو العائق المادي، يقولون: جوزتها عشان أخلص منها ترجع لي بعيلين؟".

ويضيف: "دعم البنت في هذا الوقت يكون بحكمة تُعلِم المسؤولية؛ لا البذخ الذي يُعلم الاتكالية ولا الإهمال الذي يدمرها، ويجعلها فريسة لمجتمع ذئابه كثيرة".

إدارة القلق

ومن أجل نهوض السيدة أو الفتاة من كبوتها يقول الدكتور هاني: "عليها أن تكون واعية كفاية لتُدِير أزمتها، لا العمر عائقاً، ولا أي شيء آخر، عليها التخلص من آثار الماضي، والنظر في ترتيب حياتها من جديد، ودراسة إيجابيات الماضي وتعزيزها، وتُبعد نفسها عن مشاعر الحنين بورقة تكتب فيها سلبيات الشخص والتجربة السابقة، وتعززها حتى تتعافى من آثارها".

ويضيف أن "الاهتمام بالصحة الجسدية والنفسية وملء أوقات الفراغ أمر مهم لسد بوابة العبور لأي تفكير سلبي".

"تكون الصدمة وقتاً مناسباً لاكتشاف مكنونات الذات".

في نفس السياق، تقول البطريق: "كل إنسان يبحث بداخله ليكتشف هواياته وشغفه، وتكون الصدمة وقتاً مناسباً لاكتشاف مكنونات الذات، إذ في أغلب العلاقات التي يحدث بعدها الفراق تكون علاقات سامة وأفقدت الشغف بل الهوية أحياناً".

وتشدد على ضرورة مراجعة طبيب نفسي في حال عجزت المرأة وحدها عن تجاوز أزمتها، وضرورة البحث عن بيئة داعمة لها، وتبعد كل البعد عن جلد الذات، وكل من يجرها للخلف بسلبية تعليقاته.

أما هاني فيشدّد على أهمية أن تستعيد السيدة قوتها بعد الأزمة، "فالمجتمع يراها كما ترى هي نفسها، لا بد أن تكون قوية وملهمة لتواجه الضغوط التي فرضت عليها، وبكل تأكيد فإن سيدات كُثراً اكتشفن كنوزهن الحقيقية بعد الصدمات الكبرى".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard