تديّن وبورنو وقطة... أوقات الفراغ في سوريا

الأربعاء 10 مارس 202106:09 م

كانت مدينة مختلفة، المقاهي فيها مختلطة، السيدات بلا حجاب، الفتيات يرتدين كولون شفافاً مع شورت قصير، ويجلسن مع الشبان يشربن الشيشة، لم يستطع أشرف الشاب القادم من مدينة كفرزيتا في حماة إلى مدينة اللاذقية، بناء علاقات مع المجتمع الجديد.

يقول أشرف (25 عاماً) لرصيف22: "الاختلاف في نمط الحياة شاسع، كفرزيتا مدينة منغلقة على نفسها لا يمكن للفتاة أن ترتدي شورت وتسير في الشارع، لا مقاهي أو نوادي مختلطة، والغالبية العظمى من النساء محجبات، شعرتُ أن لا مكان لي في اللاذقية".

ينتهي دوام الجامعة الساعة الواحدة ظهراً، لا يدري أشرف ماذا يفعل بعدها، يقول: "عانيت من ساعات الفراغ الطويلة، النشاط الوحيد الذي كنت أقوم به هو الجلوس في مقهى شعبي مخصص للرجال شبيه بمقاهي حماة".

"التدين هو الحل"

تحوّل أشرف بعد عامين من مكوثه في اللاذقية إلى شخص آخر، غيّر طريقة لباسه، وبدلاً من الجلوس في المقهى وجد في الجامع ضالته، يقول: "قررت الذهاب إلى شيخ الجامع علّه يدلني إلى طريقة أملأ بها وقت فراغي، كان جوابه: اقرأ يا بُني، بدأت قراءة الكتب الدينية، بعدها تغيّرت حياتي، التزمت الصلاة، رميت اللباس الشبابي، وأيقنت أن الله قادني إلى الطريق الصحيح".

شعر والد أشرف بالقلق حيال ابنه، يقول: "أخبرني صديق أشرف الذي يسكن معه في الغرفة عن تغيّر حاله، وعن الأفكار الدينية التي يناقشه بها، وأنه لم يعد يمارس العادة السرية، لأن ممارستها تخالف التعاليم الدينية التي قرأها، لذلك قررتُ تزويجه".

انتقل أشرف مع زوجته وابنه الصغير إلى حلب، بعد حصوله على شهادة في اللغة العربية من جامعة تشرين في اللاذقية، لا يتواصل مع أي زميل من زملاء الجامعة، ولا يحب أن يتذكر أيامه في اللاذقية، كما يقول.

"أين الله؟"

استيقظ آدم الثانية بعد الظهر، شعر بألم في كتفه اليمنى، وصل إلى ذراعه، إذ نام وهو يمسك هاتفه المحمول بيده، حوّل نظره بين الفراش والستار وأرضية الغرفة، لا شيء يعجبه في هذا المكان، ثم عاد إلى هاتفه المحمول، وتابع مشاهدة فيلم الأنمي Anime الياباني "أنا وأنت" Kimi to Boku.

بدأ آدم بمشاهدة أفلام الأنمي، والمانجا اليابانية، نتيجة الفراغ الذي سيطر عليه في عمر 16 عاماً، يقول لرصيف22: "بعد حصولي على شهادة الثالث الإعدادي (الصف التاسع)، ملأ الفراغ حياتي، لا واجبات ولا تحضير للامتحان، الضغط الذي مارسته عائلتي من أجل التزامي بالدراسة والحصول على الشهادة اختفى تماماً".

"قررت الذهاب إلى شيخ الجامع علّه يدلني إلى طريقة أملأ بها وقت فراغي، كان جوابه: اقرأ، بدأت قراءة الكتب الدينية، التزمت الصلاة، رميت اللباس الشبابي، وأيقنت أن الله قادني إلى الطريق الصحيح"

يشاهد آدم يومياً العشرات من أفلام الأنمي اليابانية، يجد فيها الحياة المثالية التي يتمناها، يقول: "أكثر ما أحب مشاهدته أفلام الشونن، لأن البطل فيها قوي مغامر، لديه أصدقاء شجعان، يتحدى معهم الصعاب ويحقق النجاح، على عكس الواقع الذي نعيشه في دمشق، وهو مصبوغ بالسواد وبعيد عن المثالية".

تخلى آدم عن واقعه بشكل شبه كامل، ابتعد عن رفاقه، رسب في امتحان الثانوية العامة، يسعى الآن رغم أنه لم يتجاوز التاسعة عشرة من عمره إلى الزواج بفتاة يابانية نحيلة ومستقلة، يطالب عائلته يومياً بالسفر إلى اليابان، يقول: "عندما أجلس مع أصدقائي أجدهم ينتقدون الفتاة إذا تأخرت ليلاً، وفي الوقت ذاته يتمنون نظرة منها، بعضهم يتحدث عن الله، أتساءل دائماً أين الله في هذه الحالة".

ترى سهير (والدة آدم) أن العلم هو الطريق الوحيد أمام الأبناء ليصنعوا مستقبلاً أفضل من آبائهم، أما الهوايات، فهي كماليات ليست متاحة لجميع العائلات السورية، تقول: "لم ننتبه لتعلق آدم بأفلام الأنمي اليابانية إلا عندما أصبح في الصف الثالث الثانوي وعليه أن يدرس، لكنه يشاهد هذه الأفلام طوال فترة استيقاظه ولا يتركها إلا عندما ينام".

تواصلت عائلة آدم مع عدد من الأطباء النفسيين لمساعدتها على توصيف حالته، وانتشاله منها، تقول والدته: "قال أحد الأطباء إنه إدمان إلكتروني قد يؤدي إلى انفصام في الشخصية ناتج عن إهمال العائلة لأهمية ملء وقت فراغ الأبناء بنشاطات مفيدة، كالرياضة والمطالعة والسباحة وغيرها، وطالبنا الطبيب بإخراجه إلى الطبيعة أو إدماجه بنشاطات حركية".

وأجرى الباحث الصيني وي تشينغ وانغ في عام 2012 دراسة حول العلاقة بين الشعور بالملل ووقت الفراغ، وعرّفت الدراسة وقت الفراغ بأنه: "الوقت المتبقي بعد إنهاء التزامات العمل الذي يتمتع فيه الشخص بحرية اختيار أنشطته".

وشملت الدراسة مئة طالب جامعي أجابوا عن سؤال: ماذا يفعلون في وقت فراغهم؟ وهل هناك أهداف محددة يخططون من أجلها؟ وتوصل معدّها من خلال الإجابات إلى أن الكثير من المشاركين يعانون الملل خلال وقت الفراغ، لأنهم ينظرون إلى هذا الوقت على أنه بلا أهمية.

ولاحظ وانغ أن الأبحاث السابقة تربط الملل بالنتائج النفسية السلبية، بما في ذلك اليأس وأعراض الوسواس القهري، وبالسلوكيات الضارة كتعاطي المخدرات أو الكحول وإدمان الإنترنت. لاحقاً، أجرى دراسة جديدة شملت 375 طالباً، وتبيّن من خلال الإجابات أن الملل في أوقات الفراغ يزيد من إدمان الإنترنت.

"قط يؤنس وحدتي"

طرق رامي الباب بهدوء، سمع صوت جارته سعاد تقول: "ادخل خود هالقط صرلو يومين عندي"، ضحك في سره، وقال: "سمسم تعال هيّا"، رفض سمسم القدوم وقفز في وجه رامي، ثم عاد إلى أحضان هرة سعاد البيضاء، التي حاولت التملّص منه.

يعمل رامي موظفاً في بنك خاص في مدينة دمشق، بعد أن تجاوز التاسعة والثلاثين من عمره بلا زواج، بدأ الفراغ يملأ حياته، يقول لرصيف22: "حاولت تعويد نفسي بعض العادات الإيجابية، سجلت في نادٍ رياضي لمدة شهر لكن لم ارتَده سوى ثلاثة أيام".

يشعر رامي بالوحدة، يقول: "قضيت سنوات عدة ألعب الورق والنرد مع أصدقائي كل مساء، وأسمع نفس الأحاديث، أردت أن أقدم شيئاً جديداً لنفسي، حاولتُ تعلّم بعض الهوايات، كالقراءة ومشاهدة الأفلام، لكن فشلت، توصلت إلى أن المشكلة في تعلّم هواية جديدة هي ذاتها لم تتغير منذ صغرنا، الالتزام، نسجل ولا نلتزم".

لجأ رامي إلى تربية قط صغير يهتم به، ينظفه، يطعمه، يخرج معه للمشي، بعد أن قاده الفراغ إلى مشاهدة الأفلام الإباحية، يقول: "مشاهدة هذه الأفلام بشكل متواصل تزيد الشعور بالوحدة، وترفع طاقة الإنسان السلبية، لذلك لجأتُ إلى طبيب فنصحني باتباع هواية جديدة، أو كسر وحدتي وفراغي بتربية حيوان أليف".

لا يلوم رامي عائلته لأنها لم تعلّمه هواية في صغره تملأ وقت فراغه، وتوسّع مداركه عندما يكبر، يقول: "كان ذلك الزمان مختلفاً، لم تكن الهوايات حاجة مُلحّة للوقوف في وجه الهاتف المحمول والإنترنت".

الملل وإنستغرام

تتمدد ميرنا على الكنبة، تقلّب حسابها على إنستغرام، تظهر لها صورة مكتوب تحتها: "أصالة نصري تتحدث اللهجة المصرية للمرة الأولى"، تميل بجسدها إلى الجهة الأخرى، وتستمر بتقليب الصور، تظهر لها صورة الفنان جورج وسوف وهو يمارس الرياضة، ثم مقاطع فيديو لأشخاص لا تعرفهم، يتحدثون من أماكن لم تزرها، وعن موضوعات لا تهمها.

تسكن ميرنا (26 عاماً) مع عائلتها في مدينة اللاذقية، تخرَّجت من كلية التربية الرياضية قبل عدة سنوات، وما زالت تبحث عن فرصة عمل، تقول لرصيف22: "أشعر بالملل، لا أدري ماذا يمكن أن أفعل في ساعات الفراغ الطويلة، أقضي معظم وقتي اتصفح فيسبوك وإنستغرام، عندما أنتبه أنني شاهدت الصورة ذاتها أكثر من 10 مرات، أُغلق الهاتف وأخلد إلى النوم".

"عندما أجلس مع أصدقائي أجدهم ينتقدون الفتاة إذا تأخرت ليلاً، وفي الوقت ذاته يتمنون نظرة منها، بعضهم يتحدث عن الله، أتساءل دائماً أين الله في هذه الحالة؟"

ترى ميرنا أنّ "معظم النساء يفضلن أعمال المنزل لأن نتيجتها فورية. تُدرك السيدات أن نتاج عملهن سيظهر مباشرة، لن يحتجن الانتظار أياماً وأشهراً لرؤية النتيجة، كدورات اللغة والرياضة"، لذلك تستمتع ميرنا بغسل الأطباق وتجفيفها وتلميعها.

تعاني ميرنا الوحدة، وتتمنى أن تلتقي بشريك يملأ فراغها، لكن معظم الشبان يطلبون علاقات جنسية فقط، تقول لرصيف22: "لدي صديقة تنتظر مثلي فرصة عمل، كل ما تفعله خلال ساعات النهار والليل هو الحديث مع الشبان عبر فيسبوك، مرة سألتها ما اسم الشاب الذي تحادثينه؟ ضحكت ضحكة قصيرة وقالت: نسيت".

يُعرِّف الباحث في مجال الترفيه Stebbens، وقت الفراغ أنه: "نشاط غير قسري يقوم به الأشخاص بطريقة مُرضية"، وتعتبر الأعمال المنزلية مثل الطهو أو التنظيف أو دفع الفواتير نشاطاً ترفيهياً، وقد يكون النشاط بالنسبة للبعض هو العمل أو الالتزامات تجاه الآخر.

لماذا لا يولي الناس أهمية لوقت الفراغ كما يفعلون في وقت العمل؟ للإجابة على هذا السؤال قام كل من Kuykendall وTay في عام 2015 بمراجعة العوامل التي تتعلق بإعطاء الناس الأولوية للترفيه أم لا. وتبيّن من خلال البحث أنه يتم مصادرة الأنشطة الترفيهية عند وجود ضغوط مالية أو مطالب عائلية أو رعاية أطفال.

وتوصل البحث إلى أن الرجال العاملين يمارسون أنشطة ترفيهية أكثر من النساء العاملات، ربما يتعلق الأمر بشعور أقل بالذنب، ورضا أكبر عن أوقات الفراغ، أو ربما لأن النساء العاملات قد يتحمّلن أيضاً نصيباً أكبر من الالتزامات العائلية، مما قد يحدّ من وقت الفراغ.

هروب من الواقع

تعلق خبيرة الصحة النفسية مجد حاتم لرصيف22: "الملل شعور يصيب الإنسان بسبب الروتين اليومي وعدم ممارسة أنشطة جديدة، ممّا يجعله يميل للكسل، فيجد نفسه يعيش حياة خالية من أيّ هدف، يحاول الهروب منها إلى عالم آخر يمنحه شعوراً بالسعادة، كالإدمان على المخدرات أو على الإنترنت، بعضهم يلجأ إلى التشدد الديني، بعضهم الآخر يتخلى عن كل المقدسات الدينية، تختلف ردود الأفعال تبعاً للشخصيات".

وتضيف: "الملل يظهر غالباً في أوساط المراهقين واليافعين الذين لم ينخرطوا بعد في سوق العمل، وبالتالي لديهم ساعات فراغ طويلة، خاصة في المساء، لذلك لا بد من ملء وقت الفراغ بهوايات مفيدة، تعود على الشخص بالنفع عندما يكبر".

تبدأ التوعية بأهمية الوقت في مرحلة الطفولة المبكرة (مرحلة المشي واللعب والفترة اللاحقة)، تقول حاتم: "أسلوب التربية السليمة يعتمد على تنمية المهارات الفكرية والحركية والعقلية، وتعليم الأطفال كيفية تنظيم الوقت، والقيام بالواجبات، والأهم تعليمهم الالتزام بتنفيذ الواجبات، والاستمرار في تعلم الأنشطة الجديدة".

"لا بد من تعليم اليافع كيف يحب ذاته".

وعن مرحلة المراهقة، تقول حاتم: "لا بد من تعليم اليافع كيف يحب ذاته، ويعتني بها، وينمّي مهاراته العقلية، عن طريقة لعبة الشطرنج مثلاً، أو عن طريق التسجيل في أنشطة حسابية، ومن الأنشطة التي يجب على العائلة تعليمها لليافع، التأمل والحوار مع الذات والتفكير، لأنها تعزز حالة الوعي لديه والاحساس بالمسؤولية تجاه ذاته، ويمكن تحقيق ذلك عن طريق ممارسة رياضة اليوغا. كلما زادت درجة الوعي لدى الشخص أصبح قادراً على استثمار وقت فراغه".

وترى حاتم أن القراءة من الهوايات التي يجب اكتسابها منذ الصغر، لأنها تحسّن طريقة التفكير، وتصوّب وجهات النظر الخاطئة، مما ينعكس إيجاباً على حياة الشخص بشكل عام، إضافة إلى أهمية غرز ثقافة التطوع لدى المراهق أو اليافع، أي أن يُخصّص جزءاً من وقته لإنجاز عمل تطوعي، لأن ذلك يزيد من الشعور بالسعادة، ويُساعده على تحديد أهدافه وتوجّهاته في الحياة، ويملأ وقت فراغه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard