"طول عمري بخاف من الحب وظلم الحب"... عن فوبيا الارتباط والخوف من الغرام

الخميس 28 يناير 202105:38 م

يشترك جميع البشر في نفس الرغبة العميقة، والتي تتمثّل في أن يَحبّوا ويُحبّوا، دون أن يكون هناك "جدران" بينهم وبين الشخص الآخر الذي يكنّون له مشاعر الحب، ومع ذلك، عندما يحدق الحب في أعينهم، فإن البعض قد يشعر برغبة ملحّة في الفرار "قبل أن يفوت الأوان"، فبالنسبة لهؤلاء الأفراد، الحب هو أمر مخيف ومقلق، ويترك جروحاً نفسية كثيرة، بخاصة في حال خذلهم الطرف الآخر، بعد أن سلّموه مفتاح قلبهم وأحبوه لدرجة "الجنون"، وبالتالي يقمعون مشاعر الحب والغرام في داخلهم، بهدف حماية أنفسهم من مخاطر الخسارة.

رهاب الحب

"يمكننا أن نسامح بسهولة الطفل الذي يخاف من الظلام، أما مأساة الحياة الحقيقية فهي عندما يخشى الرجال الضوء". (أفلاطون).

يمكن تعريف الحب الرومانسي بأنه انجذاب جنسي قوي وصداقة ذات مغزى، ما يساعد على النمو الشخصي وتحقيق الذات، في حين أن رهاب الحب، الذي يُعرف بالفيلوفوبيا philophobia، ينطوي على التنافر بين الانجذاب الشديد لشخص ما والقلق من الفشل في تحقيق رابط عميق، وبالتالي يميل الأفراد الذين يعانون من الفيلوفوبيا لتجنّب إقامة علاقة رومانسية، خشية الشعور بالفقدان والخسارة.

بالنسبة لهؤلاء الأفراد، الحب هو أمر مخيف ومقلق، ويترك جروحاً نفسية كثيرة، بخاصة في حال خذلهم الطرف الآخر، بعد أن سلّموه مفتاح قلبهم وأحبوه لدرجة "الجنون"، وبالتالي يقمعون مشاعر الحب والغرام في داخلهم، بهدف حماية أنفسهم من مخاطر الخسارة

واللافت أنه، وعلى غرار الغضب، الحزن والمشاعر السلبية الأخرى، قد يكون للخوف قيمة عندما يكون قصيراً ومقتصراً على ظروف معينة، أما عندما يكون مزمناً دون ارتباط بالواقع، فعندها يكون ضاراً.

وبالمثل، يُعدّ رهاب الحب، وهو شكل من أشكال الخوف من الحميمية، أمراً مفيداً، عندما تكون هناك علامات حمراء مرتبطة بسمات وسلوك الطرف الآخر، في حين أن الخوف من الوقوع في الحب بجميع أشكاله هو قلق مزمن ومضرّ.

ما هي العوامل الكامنة وراء الخوف من الوقوع في الحب؟

يعزو علماء النفس ظاهرة الفيلوفوبيا إلى عوامل عديدة، من بينها الصدمات التي تعرّض لها المرء في مرحلة الطفولة، الإهمال، سوء المعاملة، مرض أحد الوالدين أو موته.

في مستهلّ حديثها لموقع رصيف22، عرّفت الأخصائية في علم النفس، لانا قصقص، الفيلوفوبيا بأنها "رهاب الانخراط في علاقة عاطفية، مع ما يصاحبها من أعراض نفسية وجسدية، كزيادة مستوى القلق، تسارع نبضات القلب، رعشة في اليدين، نوبات هلع وضيق التنفس"، منوهة بأن بعض الأفراد يقررون من تلقاء أنفسهم عدم الارتباط أو الانخراط في أي علاقة عاطفية، كدفاع نفسي لتجنّب خيبات الأمل، من دون أن يختبروا أي نوبات هلع في حال تودّد إليهم أحد.

واعتبرت قصقص أن أسباب رهاب الحب قد تكون مرتبطة بشكل خاص بالطفولة، وهي المرحلة التي تتكوّن من خلالها شخصية الفرد ومناعته النفسية: "عندما يتم نبذ وإهمال الطفل عاطفياً، أو تعريضه لأي شكل من أشكال العنف، فإن هذا الأمر قد ينعكس سلباً على حياته عندما يكبر، إذ يتشوّه في ذهنه مفهوم العلاقات".

وتحدثت لانا عن النقص في الحب الذي يولّد جراحات نفسية، ويجعل الشخص المعني يخشى من فكرة الارتباط، لعدم تكرار التجربة العاطفية السيئة: "عدم الحصول على الحب والجرح بيخلّوا الأشخاص يخافوا من أي علاقة عاطفية وبالتالي بيحموا حالن وبكوّنوا اضطراب نفسي... هيدي التكوينة النفسية بتعمل أمراض لتحمي حالها من أمور ثانية".

هذا وكشفت لانا قصقص أن الفيلوفوبيا قد تكون مرتبطة أيضاً بسمات شخصية معيّنة، بحيث تطال الأشخاص الذين يفتقرون للمناعة النفسية الكافية، بخاصة أولئك الذين سبق وأن تعرضوا لصدمات جرّاء العلاقات العاطفية التي انخرطوا فيها: "بتتشوه العلاقة بنظرن وبصيروا يخافوا يفوتوا بأي نوع علاقة تانية لحتى ما يرجعوا يعيشوا الصدمة والوجع يلي عاشوه بالعلاقات السابقة".

بالإضافة للعوامل المؤثرة في تكوين الشخصية، يتعلق الخوف من الوقوع في الحب بجوانب رئيسية، من بينها:

-العثور على شخص مناسب: غالباً ما يتطلب العثور على شريك/ة مناسب بحثاً طويلاً، بما في ذلك المرور بالتجارب غير السارة والمخيّبة للآمال، فعندما تنتهي علاقة عاطفية بشكل سريع، وعند احتساب الإيجابيات والسلبيات، قد يجد الشخص المعني أن هذه التجربة لا تستحق كل الحزن الذي يعصر القلب، وعليه، فإن ردّ الفعل الشائع على هذه المسألة هو تجنب الاستثمار الكبير في البحث عن الحب في المستقبل، على أمل أن يظهر شريك/ة الأحلام في نهاية المطاف، بطريقة أو بأخرى، كما قالت إحدى النساء، لموقع سيكولوجي توداي: "أنا لا أبحث عن رجل أحلامي، ولكن إذا طرق بابي، فلن أطرده من فراشي".

-نتائج الوقوع في الحب: يمكن أن تكون نتائج الوقوع في الحب بشكل متكرر مؤلمة، فأحياناً يكون الحب غير متجانس، وقد ينتهي الحب الكبير فجأة برفض، فيعاني القلب حينها من الألم وخيبة الأمل لسنوات.

واللافت أن هذين العاملين لا يُنقصان من قيمة الحب بحدّ ذاته، لكنهما يشيران إلى الصعوبات قبل الوقوع في الحب وبعده.

-الخشية من فقدان السيطرة: لا شك أن الوقوع في الحب يمثل تجربة مبهجة وممتعة، غير أنها تشمل جوانب إيجابية وسلبية على حدّ سواء، مثل الشعور بفقدان السيطرة، بحيث يشعر الشخص المعني بأنه تغيّر وكأن شخصاً ما بات يتحكم بتصرفاته ويمنعه من أن يكون على طبيعته.

هذا ويتم ربط الخوف من الوقوع في الحب بالتوقعات الكبيرة التي يضعها المرء حول الشريك المناسب، دون الاستعداد للانخراط في علاقة عاطفية مع شخص لا يشبه "الشخص المثالي" بنظره، وغالباً ما تشير عبارة "غير محظوظ/ة بالحب" إلى أولئك الأفراد الذين يصادفون الحب في طريقهم أكثر من مرة، لكنهم يرفضون رؤيته والاعتراف به، بسبب الخوف الذي يعتريهم، بخاصة في حال سبق وأن مروا بتجارب عاطفية غير ناجحة.

تأثير الحب الأول

عند الحديث عن الخوف من الحب والارتباط، يشدد بعض علماء النفس على أهمية العودة إلى العلاقات العاطفية السابقة، وتحديداً الحب الأول الذي هو عبارة عن مزيج من الإثارة والقلق والخوف من المجهول، فبغضّ النظر عمّا إذا تكلل بالارتباط الرسمي أم لا، فلا شك أنه يؤثر على الأفراد، سواء كان ذلك بشكل إيجابي أو سلبي.

ففي حين أن الوقوع في الحب يمكن أن يكون رائعاً لبعض الناس، فإنه بالنسبة للكثيرين يمكن أن يمثل إمكانية التعرض للأذى عند فقدان الحب من جديد، بالإضافة للشعور بالضعف، إذ إنه عندما نحب وننخرط في علاقة عاطفية، فهذا يتطلب منّا أن نضع قدراً كبيراً من الثقة في الشخص الآخر، ما يجعل البعض يشعر وكأنه تجرّد من جميع أساليب الدفاع عن نفسه، وأصبح مكشوفاً نفسياً وجسدياً.

في هذا الصدد، تحدثت الدكتورة نيكي غولدشتاين، وهي أخصائية في العلاقات الجنسية، لصحيفة هافيغتون بوست، عن تأثير الحب الأول على سير العلاقات العاطفية في المستقبل: "إذا كان الحب الأول مؤلماً للغاية وكان هناك الكثير من الأذى والدراما... فإن هذا قد يخيفكم/نّ لاحقاً وتصبحون/ن أكثر تردداً عندما يتعلق الأمر بالانخراط في العلاقات، لأنكم/نّ تخشون/ين التعرّض للأذى".

بالإضافة إلى ذلك، شددت غولدشتاين على ضرورة الابتعاد قدر الإمكان عن مقارنة الشركاء: "إذا سبق وأن تعرضتم/نّ للأذى، فمن الممكن أن تربطوا/ن السلوكيات بشريك/ة آخر/أخرى. تذكروا/ن أن شريككم/نّ الحالي ليس نسخة كربونية عن الشريك السابق".

عندما نحب وننخرط في علاقة عاطفية، فهذا يتطلب منّا أن نضع قدراً كبيراً من الثقة في الشخص الآخر، ما يجعل البعض يشعر وكأنه تجرّد من جميع أساليب الدفاع عن نفسه، وأصبح مكشوفاً نفسياً وجسدياً

وفي السياق نفسه، أوضحت نيكي أن المقارنة بين الشريك/ة الحالي والشريك/ السابق قد تعزّز في العادة الصور النمطية للجنسين: "نميل للاعتقاد بأن كل الرجال هم هكذا، وأن جميع النساء هنّ على هذا النحو، ومن ثم نبدأ في رؤية أوجه التشابه بينهما من خلال الربط مع مفهوم الجنس".

إذن، كيف نحول علاقة الحب الأولى إلى تجربة مثمرة؟ الجواب يكمن في التوازن، إذ إن الأمر كله يتعلق بإقامة توازن بين المهنة، الصداقات والعلاقات الأسرية، وجعلها كلها بنفس أهمية العلاقات الرومانسية. بمعنى آخر، لا يجب ممارسة الضغوط على الشريك/ة وتسليمه مفتاح سعادتنا أو تحميله مسؤولية تعاستنا، هذا ومن الطبيعي أن نحمي أنفسنا قدر المستطاع، لكن الأهم هو التأكد من أننا نحمي أنفسنا من الأشخاص المناسبين، فإذا كنّا نبتعد عن كل من يبدي اهتماماً بنا، فهناك احتمال أن نفوّت تجارب ومغامرات رائعة.

في الختام، يمكن لشعلة الحب العظيم أن تحرق قلوبنا وتترك ندوباً وآلاماً شديدة عند انتهاء العلاقة العاطفية، ولكن من الأفضل أن يكون الفرد سعيداً أو حزيناً على ألا يشعر بأي شيء على الإطلاق، كما قال آلفريد تينيسون: "من الأفضل أن تحب وتفقد أحدهم من ألا تحب على الإطلاق"، فالحياة من دون أي عاطفة أو مشاعر هي كالموت النفسي، ولكن علينا احتضان لذة المخاطرة وخوض التجارب التي تقدمها لنا الحياة، ومنها الوقوع في الحب، حتى ولو كان ذلك يعني الاكتواء بناره.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard