حروب "أهلية" وصراعات مراكز قوى… زوجات الأبناء وأهل الزوج في "العائلات الكبيرة"

الثلاثاء 13 يوليو 202106:00 م

تحتاج الكثير من النساء في بلادنا إلى أن تدرس ماذا يعني الزواج، وكيف تتعامل مع تفاصيله المعنوية والجسدية، بعيداً عن أحلام اليقظة التي يغذيها البؤس العاطفي والمسلسلات التلفزيونية.

وبما أن المرأة هي من تدفع الثمن أولاً وأخيراً إذا ما فشل الزواج، فهي هنا بحاجة إلى كتالوغ نفسي واجتماعي يمكنها من خوض هذا المعترك، خاصةً إذا كان الزواج في ظل عائلة ممتدة لأنها لن تتعامل مع الشريك فقط، بل مع عائلة بأكملها، ذات مرجعية ثقافية ونفسية واجتماعية مختلفة.

"قطة مغمضة"

كانت سالي، مطلقة ثلاثينية من غزة، قبل أن تتزوج وهي في عمر الـ22، متفوقة دراسياً، ومتطلبات التفوق لم تسمح لها بخوض غمار العلاقات الاجتماعية، كانت الابنة الوحيدة لأهلها، فأحاطوها بأمان زائد، تقول: "حين تزوجت كنت أشبه القطة المغمضة، إذ لم أنجح في فهم كيفية التصرف داخل عائلة متشعبة العلاقات أو ما يسمى الأسرة الممتدة للزوج".

في كل مرة كانت تتعرض لموقف محرج أو إهانة من أهل زوجها، لم تكن تعرف ماذا تفعل، أو كيف تتصرف، لم تكن تجيد سوى الصمت والانسحاب، وهذا ما زاد الطين بلة، فباتوا ينعتونها بـ"المغرورة"، مما زاد اضطرابها، وتساؤلها حول كيفية التعامل في مناخ كهذا.

 يشبه الأمر ساحة حرب تدخلها زوجة الابن في العائلة الممتدة، حرب "أهلية"، يلزمها تعلم مهارات واستراتيجيات، أحياناً تكون مؤلمة، وغير أخلاقية، هل سمتعتم عن جيش عربي يناصر الحرية والعدل، وانتصر؟

بعد 13 عاماً، اضطرت سالي لطلب الطلاق، لقد فشلت في فهم كتالوغ الزواج داخل العائلة الممتدة، لأنها ببساطة كانت قليلة الخبرة فيما يتعلق بطبيعة هذه العلاقة، إذ كانت تعتقد أن الأمر مقتصر على بساطة الحياة التي عهدتها في بيت أهلها، لا سيما أننا نتحدث عن علاقات أسرية غاية في التعقيد النفسي والاجتماعي.

عندما يتعلق الأمر بالزواج داخل العائلة الممتدة، يشبه الأمر ساحة حرب تدخلها المرأة، حرب "أهلية"، وكأن دمويتها اشتقت من العلاقات مع الأهل، يلزمها تعلم وتنفيذ تكتيكات وإستراتيجيات، أحياناً تكون مؤلمة، فالمجتمع يفرض إسقاطاته النفسية والذكورية على التعامل مع زوجة الابن، ذلك الضيف الذي قد تراه عائلة الزوج "ثقيل الظل"، وكأنما المطلوب من هذه المرأة تعامل معين، وأسلوب حياة يرضي عائلة الزوج وإلا...

خاصةً فيما يتعلق بالتعامل مع والدي الزوج كمراكز قوى لا يمكن تجاهل تأثيرها، وهنا على الزوجة أن تتعامل معهما، وأمامهما بطريقة لا تثير حنقهم ضدها، وعليها أن تجيد فهم ما تقوم به غيرها من زوجات الابن في العائلة، كي تتجنب المكائد النسوية التي تهدف إلى، كما يقول المثل، "أكل الجو" داخل العائلة، هو أشبه بسباق ماراثوني يحتاج كثيراً من المهارات النفسية والاجتماعية.

السيطرة والذكاء الاجتماعي

يعد كل من والد الزوج ووالدته مراكز قوى داخل العائلة الممتدة، وهنا لا بد لزوجة الابن أن تتمتع بالذكاء الاجتماعي لتعلم كيف تحظى برضى هذين الطرفين حتى لا تخسر هذه الجولة الاجتماعية.

يرى الدكتور حسام ستيتي، (45 عاماً) من الضفة الغربية، أن المرأة كي تنجح في الأسرة الممتدة عليها أن تكون "ماهرة في محاولة كسب رضى والدي زوجها، وأن تدرس طبيعة حياتهمما، وكيفية الانسجام معهما، وليس المقصود هنا العبودية بل أن تفهم نفسية العائلة، التي دخلت عليها فلا تحاول الصدام معها، وهي مهارة ليست سهلة لكنها تستحق المحاولة".

يشرح حسام طبيعة العلاقات داخل الأسرة الممتدة وكأنها تنافس للسيطرة، فغير مسموح لأصحاب مراكز القوى، ويكون والدا الزوج في أغلب الأحيان، أن يشعرا بالتهديد، باحتمال الإزاحة من عروشهما، يقول لرصيف22: "في علم الاجتماع يذوب الفرد داخل الجماعة في نمط اجتماعي معين، وهنا على الزوجة الجديدة أن تحاول السير مع التيار، وألا تحاول إثارة الحقد ضدها، كما عليها تجنب انتقاد زوجها أو التقليل من شأنه أمام والديه في رسالة قد يفهمها أهل الزوج كنوع من السيطرة، وهو أمر لن يقبله والدا الزوج".

على عكس الزوجات في الأسر الصغيرة المنعزلة، بحسب الأخصائية النفسية مي أبو حميدة (44 عاماً) من غزة، "قد يشعر أهل الزوج بالغيرة إذا ما لاحظوا سيطرة الزوجة على الابن، ومن أجل تجنب هذه الغيرة يجب على المرأة ألا تظهر تحكمها في زوجها كي لا تثير في هذه الحالة حنق والديه، وألا تحاول انتقاده أمامهما".

لا فرار أمام الكثير من الزوجات في الأسر الممتدة من التمثيل والادعاء.

لا فرار أمام الكثير من الزوجات في الأسر الممتدة من التمثيل والادعاء، حتى لو كانت الزوجة قوية لا بد أن تظهر بمظهر الضعيفة، تقول حميدة لرصيف22: "على الزوجة من حين لآخر اللجوء إلى والدي زوجها ولو بشكل تمثيلي لطلب المشورة لحل مشكلة ما نشبت بينها وبين ابنهما، الأمر الذي يعطي إشارة لأهل الزوج أن هناك محاولة لكسب ودهم، وأنها ضعيفة تحتاج لمساعدة، وهنا قمة الذكاء".

هكذا يصبح الادعاء "قمة الذكاء"، والمشي مع التيار، وخفض جناحها أمام الزوج ليسا فقط مطلوبين، ولكن على المرأة أن تتقنهما لتنجو بزواجها.

ويقدم ستيتي جملة من النصائح لزوجة الابن الحديثة الزواج: "مطلوب من الزوجة أن تبعد غضبها من أفعال أهل زوجها عن علاقتها به، كي لا تتعكر صفو هذه العلاقة الزوجية، وعليها أن تفهم أن سبب هذا الخلاف اختلاف البيئة والثقافة، وألا تجبر الزوج على تغيير طباع أهله بل أن تتعلم كيف تعيش معهم بسلام".

في العائلة الممتدة، كما توجد مراكز قوى، ومعارضة، توجد أيضاً متمردات قادرات على إحلال أنفسهن المكان الأقوى، مستخدمات كل الأسلحة الممكنة، حتى غير الأخلاقية منها إذا اقتضت ضرورة المعركة

وينصح: "إذا شعرت بعدم القدرة على الانسجام معهم فالحل يكون بالتباعد، ولكن هذا لا يعني عدم مشاركتهم المناسبات العائلية كي لا يقع الزوج في الإحراج. ولا تسمحي للحساسية أن تكون سيدة الموقف بل حاولي أن تحسني الظن بهم، فعلى سبيل المثال قد يكون أهل زوجك يشعرون بالغيرة تجاهك ويرغبون في إعادة ابنهم إلى وصايتهم، كما اعتادوا سنوات طويلة، وهنا يأتي دورك لكسب ثقتهم وإحاطة علاقتك معهم بالصدق والتعاطف والود والتقدير والتفاهم، ومع تكرار المحاولات ستلاحظين الفرق في تعاملهم معك".

هكذا تتغير معاني المشاعر لدى الزوجة في الأسر الكبيرة والممتدة، فالسلام لم يعد الإحساس بالراحة الداخلية مع بيئتك المحيطة بك، بقدر ما هو سلام حربي، يعني توقف النزاعات والتهديد، ولن يكون لديك الإحساس الخاص بالحياة، وأفكارك الخاصة، بل عليك تطويع أحاسيك وأفكارك لما يتطلبه مقتضى التعايش، وقد لا تسألين نفسك بعد الآن هل أنت سعيدة أم تعيسة، ولكن هل مراكز القوى في العائلة سعيدة معك، مرتاحة، وإلا فزواجك في خطر.

لا تعاني النساء مثل سالي في العائلة الممتدة فقط، فالزوج إذا كان له رأي يخصه، وموقف معارض لرأي مركز القوى في العائلة، فقد يعاني مثلها، وهذه حال محمد.

يقول محمد عطا (43 عاماً) من العراق، لرصيف22: "مرضت أمي قبل سنتين، ولدي أربع أخوات، وحين اشتد مرضها كنت أزورها في المستشفى، وأقوم برعايتها، وقال أبي بأن على زوجتي أن تأتي بدلاً مني لزيارة أمي، والقيام ببعض شؤونها وحين عرضت الفكرة على زوجتي رفضت واحترمت رأيها. في اليوم التالي أخبرت أبي برفض زوجتي وكان جوابه ماشي يا دلدول".

هكذا اختزلت كلمة والده نظرة أهله له، ففي الحروب لا وجود للحب والاحترام، إما الخضوع أو السيطرة، أو كما يقول المثل المصري الشهير "ادبح لمراتك القطة يوم دختلها"، أي أن ترى فيك الجانب القاسي، والدموي، لتخضع، وهذا ما لم يفعله محمد عطا، فاستحق لقب "الدلدول"، أي الخاضع المهان.

الأسلحة الممكنة

تمكنت علا زميلي، (23 عاماً) أردنية، من إخضاع زوجها، فقد رمت بنصائح المجتمع والأطباء النفسيين، ففي العائلة الممتدة، كما توجد مراكز قوى، ومعارضة، توجد أيضاً متمردات ناجحات، وقادرات على إحلال أنفسهن المكان الأقوى، مستخدمات كل الأسلحة الممكنة، حتى غير الأخلاقية منها إذا اقتضت الضرورة.

تقول علا، وفي صوتها ارتياح المنتصر بعد معركة دامية: "زوجي يسمع كلامي أكثر من كلام أهله، وذلك لأني عانيت في أول أيام زواجي من تدخلهم، فتعاملت بذكاء شديد، وبدأت التحكم في أعصابي، مهما قام هو أو أهله من أفعال، وبعدها أصبح يثق في كثيراً، وجعلته يتيقن أني أقرب شخص له، في تلك الفترة كنت الوحيدة القادرة على فهمه واستيعاب طريقة تفكيره وأهدافه وأحلامه، ما جعله يلجأ إلي في مشكلاته، ويستمع إلى آرائي بحرص واهتمام".

تعلمت علا أن لكل رجل مجموعة من المفاتيح، إذا فهمتها ستمتلكه هي، لا يمتلكها هو، وستحصل على "ولائه"، ومن ناحية أخرى تعلمت أيضاً في تلك الحرب الشرسة أن تستخدم جميع أسلحتها، بما فيها الأنثوية المعتمدة على إثارة العواطف، والجسد، والإيماءات.

"سلفتي عملت سحر"

ترى إذاً بعض زوجات الأبناء أن العلاقات في العائلات الممتدة هي حرب، والحرب بطبيعتها غير أخلاقية، الأكثر أخلاقية سيخسر، هل سمعتم من قبل عن جيش يدعم المبادئ والإنسانية والأخلاق وانتصر، على الأقل لم نسمع بذلك في منطقتنا العربية، المنكوبة بالحروب، والمتوهجة بالثورات الخاسرة.

هنا تعامل بعض زوجات الابن بنفاق، وموالاة فيها من التنازل ما فيها بغرض كسب مركز القوة في صفها، أهل الزوج، وإظهار نفسها بأنها الأفضل بين زوجات الأبناء، وهنا يبدأ أهل الزوج، بتلذذ سادي، المقارنة بين ما تقوم به واحدة دون الأخرى، وتبدو أكثرهن نفاقاً الأقرب لهم، لأنها تتقرب إليهم بالتعامل اليومي أو بجلب الهدايا أو باستجداء العطف.

هل يذكركم ذلك بما تقوم به أنظمتكم في بلادكم، أو برؤسائكم في العمل؟

ولا ينسى الرجال أننا في مجتمع يحرم بناته الكثير من الميزات، خاصة ما يتعلق بالسلطة والتمكين، تجلس العديد من النساء في بلادنا في البيت، محظورات من الحركة والسهر، ومغبون حقهن في فرص العمل.

هذا القهر قد لا يستوعبه عقل الكثير من الفتيات، فيملن إلى التصديق بقوة ساحرة، روحانية، مسيطرة.

تقتنع سميرة رأفت (54 عاماً) من غزة أن سلفتها، التي فضلها أهل زوجها عليها، بدون سبب منطقي يستوعبه عقلها، وبعد مرور عشر سنوات من المعاناة، قامت بعمل سحر يسمى "الجلب"، كي يحبوها دون غيرها.

أياً كان الخاسر والرابح في تلك المعارك العبثية، يبرز تساؤل عمن تبحث عن الحب، والأصالة، والصدق، والخصوصية، أن تختبر حياتها، وشخصيتها، بين المئات وربما الآلاف من الزوجات اللواتي يعشن في أسر ممتدة، في علاقات مسختها الصراعات، والنفاق، والكذب، وتسمية الأشياء بغير أسمائها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard