"اسألني كيف حالي فعلاً"... محاولة لجعل العلاج النفسي في متناول الجميع

الأربعاء 19 مايو 202102:30 م

اسألني كيف حالي فعلاً.

Ask Me How I’m Really Doing.

هذا اسم منصة حديثة تسعى لمساعدة النفس. "كيف حالك"، سؤال نطرحه، ولكنه تقليدي في أغلب الأحيان، غير منتظر منه إجابة فعلية. 

كيف حالك فعلاً؟

كيف حال روحك؟

ما المشاعر التي ترافقك؟

هل تشعر بثقلٍ ما؟

هل تعمل على إزاحة أي شعور غير مرغوب فيه؟

ماذا تفعل لكي تساعد نفسك؟

كلها أسئلة ولّدها اسم المنصة. قد نكون في بعض الأحيان بحاجة إلى أن نخوض نقاشات مع أنفسنا أولاً، وأن نطرح أسئلة تجاهلنا أجوبتها أو تهرّبنا منها، ولكن مع كل مبادرة جديدة قد نتذكر إهمال بعضنا الاستماع لأصواتنا داخلية، وحقيقة أن هناك من هو قادر على فهمنا وانتشالنا من أزمات نفسية معيّنة نجهل التصرّف بغية تجاوزها.

تُعرّف المنصة عن نفسها بأنها مساحة لإطلاق حوارات عبر حسابها على إنستغرام، وطريقة لترشدك إلى معالج أو مختص نفسي بتعرفة منخفضة، إلى جانب أنها توفر مواد مجانية متاحة على الإنترنت، ومتعلقة بالصحة النفسية، وكذلك تسلط الضوء على مبادرات أخرى معنيّة بالموضوع ذاته.

تشير المنصة إلى أن الصحة النفسية "ليست رفاهية، وإنما أولوية". وتتيح لروّادها اللجوء إلى أخصائيين نفسيين، تراوح أسعار جلساتهم ما بين 25 و70 دولار أمريكي، للساعة الواحدة، بشكل افتراضي. أي يمكن لأي شخص أن يقابل المعالج الذي يريده أينما كان. كلّ ما عليه فعله أن يقرأ أكثر عن المعالج، واختصاصه بالتحديد وعدد سنوات خبرته، وهي معلومات متوفرة على المنصة نفسها، ويختار السعر الذي يمكن أن يدفعه من أجل العلاج، أو لمجرّد الحديث ولو لمرّة واحدة مع أخصائي نفسي.

تتيح المنصة لروّادها اللجوء إلى أخصائيين نفسيين، تراوح أسعار جلساتهم ما بين 25 و70 دولار أمريكي، للساعة الواحدة، بشكل افتراضي.

حتى الآن، تعاقدت "اسألني كيف حالي فعلاً" مع ثلاث منصات معنية بالصحة النفسية، توفر جلساتها عبر الإنترنت. اثنتان في الإمارات، حيث انطلقت المبادرة، وواحدة في لبنان، علماً أن أسعار المنصة اللبنانية (Counsela) على الموقع أقل من غيرها: 25 دولاراً في الساعة الواحدة لمن هو خارج لبنان، و20 دولاراً في الساعة لمن هو داخل البلاد.

يعاني من الاكتئاب أكثر من 350 مليون شخص عالمياً، 17.7% منهم عرب على الأقل. ولا يتلقى ما بين 76% و 85% من المصابين باضطرابات نفسية أي علاج في البلدان المنخفضة الدخل ومتوسطته. وكذلك يعاني ما بين 35% و 50% من المصابين باضطرابات نفسية من الأمر ذاته في البلدان المرتفعة الدخل، وفقاً لإحصاءات منظمة الصحة العالمية. 

كيف حالك فعلاً؟ كيف حال روحك؟ ما المشاعر التي ترافقك؟ هل تشعر بثقلٍ ما؟ هل تعمل على إزاحة أي شعور غير مرغوب فيه؟

علاج نفسي في متناول الجميع؟

في حوار مع رصيف22، تقول اللبنانية الكندية ديان فرح (34 عاماً) وهي مؤسسة المنصة إن الغاية منها إفساح المجال أمام الناس للتواصل بعضهم مع بعض بشكل حقيقي وواقعي بعيداً عن المحادثات اليومية النمطية المعتادة، بهدف تحفيزهم على المحادثة المفيدة، خاصةً في أيامنا الحاضرة إذ نرى الناس معزولين أكثر من أي وقت مضى. لذلك، كان مناسباً أن يصاغ السؤال بهذا الشكل ضمن اسم المنصة أو المبادرة.

وترى فرح أن ما يميّز المبادرة هو أن تكاليف الخدمات فيها جزء بسيط مما يتم دفعه عادةً عند اللجوء إلى العلاج النفسي، مما يجعل الحصول على مساعدة طويلة الأمد في متناول الجميع. ولفتت إلى أن إطلاق المنصة يعود إلى ما شهدته بيروت الصيف الماضي، مؤكدة أن انفجار المرفأ وما ولّده من حالة نفسية مزرية لدى كثيرين جعلها تشعر بالحاجة الفعلية للدعم النفسي الذي ترى أننا نفتقر إليه كثيراً في منطقتنا.

وتضيف: "الانفجار كان نقطة التحوّل التي دفعتني إلى المساهمة في مجتمعاتنا بطريقة واقعية. ويتألف الفريق من متطوعين ومدافعين عن الصحة العقلية والنفسية، لديهم شغف كبير بتحقيق نقلة نوعية في هذا المجال". 

وعن غلاء أو ارتفاع أسعار العلاج النفسي عادةً تقول: "في كثير من الحالات لا تدخل خدمات الصحة العقلية والنفسية ضمن التأمينات الصحية ولا تدعمها الهيئات الحكومية. لذلك، يقوم عدد كبير من المعالجين بإيجاد بدائل لسد الفجوة من خلال رفع أسعارهم. حتى الآن، لا تتمتع الصحة النفسية بأهمية الصحة البدنية ذاتها وبالتالي لا تستفيد من الأطر الموضوعة للصحة العامة". 

وما الذي يمكن أن يفعله من لا قدرة مالية له؟ جوابها: "نسعى باستمرار لإضافة المزيد من المعالجين الذين تكون أسعارهم في متناول الفئات كافة بهدف توفير المساعدة للجميع مهما ضعفت إمكاناتهم الماديّة. نشارك أيضاً الموارد المتاحة من أجل العلاج والدعم المجانيين في منطقتنا، ونحث الجميع على أن يسألوا في مجتمعاتهم المحلية عن هذه الموارد حيث غالباً ما يكون الاطلاع عليها غير متاح علناً".

وتلفت فرح إلى أنها عندما شرعت في البحث عن شركاء محتملين لإطلاق المبادرة، لم تكن تتوقع الكثير من الاستجابة أو الحفاوة، لكنها لاقت تجاوباً عند كثيرين بأن يكونوا جزءاً منها. وتضيف: "بذل البعض مجهوداً لافتاً بتعديل مواقعهم الإلكترونية، وتلقينا اهتماماً متزايداً من منصات أخرى منذ إطلاق المبادرة بالإضافة إلى اهتمام كبير من قبل معالجين مستقلين يرغبون في الانضمام إلى المنصة".

"كم تمنيت خلال فترة نموّي أن أحصل على منصة مشابهة، إذ لا يقتصر الأمر على التحدث إلى مختص نفسي على بعد كبسة زر افتراضياً فحسب، بل حيث يتلاشى أي شعور بالعار، وهو الشعور الذي كان ولا يزال بالنسبة للبعض، مرتبطاً بهذه الخدمة، وهي عقبة توازي إن لم تفُق العائق المالي"

"نفور أقل وفهم أكثر"

يتابع المنصة عبر أنستغرام نحو 3500 شخص. ويضم الحساب منشورات من شأنها خلق نقاشات، وأخرى لرفع المعنويات ونشر التوعية حول بعض النقاط الهامة مثل أن طلب المساعدة هو شيء عادي جداً، وأن شفاء النفس لا يكون في خطّ مستقيم، وأن لا مشكلة من البكاء إن كان سيشعرك براحة نفسية. ومن الأسئلة المطروحة: "متى كانت آخر مرة تحدثت فيها عن مشاعرك الفعلية؟". 

عن المحتوى الذي ينشر على أنستغرام، تقول إنه نتاج جلسات عصف ذهني حول أحداث حالية وأخرى عامّة قد يواجهها متابعون للحساب. وتضيف: "نأمل من خلاله خلق مساحة لتبادل الآراء والمحادثات لنشجعهم على المشاركة بشكل أكثر انفتاحاً. تساعد المشاركة الآخرين على الشعور بنفور أقل وفهم أكثر لعقباتهم".

وتعليقاً على سبب اعتماد اللغة الإنجليزية في المنشورات وعلى موقع المنصة، تقول: "ما زلنا فريقاً صغيراً بتمويل ذاتي ولكن هدفنا هو توفير المحتوى باللغتين الإنجليزية والعربية وهو ما نعمل حالياً على تحقيقه. المنصة للجميع وبالأخصّ لمن هو في العالم العربي". 

ما أسوأ ما يمكن أن يحدث؟

تعتبر فرح أن انخفاض عدد المتابعين الذكور أمر مقلق بعض الشيء. تقول: "أقل من 20% من متابعينا هم من الرجال وهذا قد يدل على شعور لديهم بأن التعبير عن المشاعر و/أو الصعوبات النفسية مرتبط بوصمة عار، وكأن التنمية الذاتية مقتصرة على النساء، وهو أمر غير صحيح على الإطلاق". 

وتشير إلى أنها كانت تتمنى أن يكون العلاج النفسي على بعد كبسة زرّ في مراهقتها. تقول: "كم تمنيت خلال فترة نموّي أن أحصل على منصة مشابهة، سهلة المنال والاستخدام، إذ لا يقتصر الأمر على التحدث إلى مختص نفسي على بعد كبسة زر افتراضياً فحسب، بل حيث يتلاشى أي شعور بالعار، وهو الشعور الذي كان ولا يزال بالنسبة للبعض، مرتبطاً بهذه الخدمة، وهي عقبة توازي إن لم تفُق العائق المالي". 

وتختم ديان فرح: "أشجعكم على محاولة التحدث إلى أحد الأخصائيين النفسيين إن كنتم بحاجة وشعرتم بأن هذا قد يساعدكم. الوصول إلى هذه الخدمة اليوم بات أسهل من أي وقت مضى، استفد من الموارد المتاحة لك. في نهاية المطاف، ما أسوأ ما يمكن أن يحدث؟ إن لم تشعر بالراحة، يمكنك التوقف على الفور. كسر الحاجز الأولي يمكن أن يفعل المعجزات".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard