قراءة في حصاد الدراما الرمضانية المصرية لموسم 2021

الأربعاء 12 مايو 202106:30 م

موسم رمضاني آخر عامر بعدد ضخم من المسلسلات، وعدد ضخم مماثل من الملاحظات والتساؤلات المتعلقة به. لكن سنكتفي هنا بـ 10 منها فقط، هي الأكثر أهمية وتميزاً:


1- فشل مسلسلات الكوميديا

لم يسجل نجوم هذه النوعية نجاحاً يذكر هذا العام، سواء مع الأعمال التي تندرج تحت هذا التصنيف فقط، ومنها "فارس بلا جواز" للنجم مصطفى قمر أو "أحسن أب" للنجم علي ربيع، أو الأعمال التي تندرج تحت بند الدراما، وعلى رأسها "نجيب زاهي زركش" للنجم يحيى الفخراني.

هل السبب أن الكوميديا أصعب أنواع الكتابة عامة؟ أم أن الجمهور تشبّع بالمحاولات الفاشلة والمفلسة في السنوات الأخيرة، لدرجة جعلت النوعية نفسها سيئة السمعة؟ أم أنه متعلق بضعف محاولات هذا العام فقط؟ ربما شيء آخر، أو جميع ما سبق.

تخبرنا السنوات الأخيرة على أي حال، بأن تجارب الكوميديا في رمضان في تراجع مستمر، حتى مع نجم بوزن جماهيري أسطوري مثل عادل إمام.

فشل الكوميديا واكتساح العنف والعلاقات المشوهة وسمت دراما رمضان هذا الموسم.


2- اكتساح "الأكشن" والعنف

في المقابل سيطرت نوعية المغامرات والأكشن، وتصدرت مسلسلات مثل "الاختيار2"، "موسى"، "نسل الأغراب"، "ملوك الجدعنة"، الموسم الرمضاني من حيث الجماهيرية.

إذا وضعنا هذا بجوار أرقام إيرادات السينما المصرية في السنوات الأخيرة، واكتساح نفس النوعية لشباك التذاكر بأفلام مثل "ولاد رزق"، "الخلية"، "هروب اضطراري"، "كازابلانكا"، "حرب كرموز"، يصبح لدينا مؤشر واضح بأن شعبية هذه النوعية في ازدياد مستمر، وأن المسألة لا تتعلق بالمسلسلات فقط، أو بعام وموسم واحد.

مشهد أكشن من مسلسل موسى


3- الانتقام والسادية دافعان أساسيان

على ذكر الأكشن والعنف، فالملاحظ أن الدافع والمحرك الرئيسيين لكثير من شخصيات مسلسلات رمضان هذا الموسم كانا الانتقام والعنف، سواء كانت الشخصية ذكراً أو أنثى، وأياً كانت طبقتها الاجتماعية، وأن هناك نزعة من الإذلال والسادية في طريقة تنفيذ هذه المشاهد.

الانتقام من الأقارب؟ من الزوج/ الزوجة؟ من المنافسين في العمل؟ من الأصدقاء؟ كل أنواع الانتقام موجودة تقريباً، وبشكل يدفعنا للتساؤل: هل هو انعكاس لأن أغلب أفراد المجتمع يعانون من إحساس ما بالهزيمة والخديعة والقهر في علاقاتهم مع المحيطين، وبالتالي يرغبون في مشاهدة شخصيات وقصص تنتقم لنفسها وتذل خصومها؟

عينات من مشاهد الانتقام والعنف والسادية


4- علاقات مشوهة بين الجنسين

الملاحظ أيضاً أن أغلب الأعمال التي نجحت جماهيرياً، تتضمّن قصص زواج وعلاقات غرامية فاشلة. القائمة تطول وتتضمّن الاستغلال الجنسي أو المادي، ممارسة العنف ضد المرأة، الخيانة الزوجية من أحد الطرفين، تعنيف الزوجة باستمرار وابتزازها بمحتوى جنسي أو بعلاقاتها السابقة قبل الزواج، إذلال قبل أو بعد الطلاق... وغيرها من الحكايات.

هل من المبالغة أن نربط رواج هذا الخط جماهيرياً بنقاط موازية مثل الخطاب المتزايد على مواقع التواصل، الذي يروج لفكرة أن المرأة في مجتمعاتنا بالأساس ضحية، وأن الرجل الشرقي جانٍ وظالم؟ أو الخطاب المعاكس الذي يروج لفكرة أن "حواء" الزمن الحالي غير مخلصة، ولا تصلح لتأسيس أسرة وبيت وعلاقة زوجية سليمة؟

والسؤال الأهم، هل ناقشت الدراما الرمضانية هذه القضايا بوعي، أم أنها ابتذلتها بغرض الإثارة والتشويق فقط؟

عينات من مشاهد تعنيف للمرأة/شجار زوجي


5- نظرية "بس الصورة حلوة"

عاماً بعد عام، تزداد هذه النظرية انتشاراً، سواء على لسان صناع المسلسلات أو على لسان النقاد، وتصل الأمور أحياناً لنطاق مبالغات ومقارنات غريبة بإبداعات هوليوود والسينما العالمية.

إجمالاً لا يمكن إنكار وجود تحسّن بصري ملموس، لكن ما فائدة الصورة الحلوة إذا كان عماد مسلسلك نصاً رديئاً، والبطولة فيه لمعدومي الموهبة؟ ما جدوى الصورة الحلوة إذا كانت أبجديات الدراما غير متوفرة أصلاً؟

الدافع والمحرك الرئيسيين لكثير من شخصيات مسلسلات رمضان هذا الموسم كانا الانتقام والعنف، سواء كانت الشخصية ذكراً أو أنثى، وأياً كانت طبقتها الاجتماعية، وهناك نزعة من الإذلال والسادية في طريقة تنفيذ هذه المشاهد


6- كارت المجاملات

لم يحصل أمير كرارة على إشادة واسعة نقدياً عن دوره في مسلسل "نسل الأغراب" مقارنة بدوره في مسلسل "الاختيار"، وهو ما حدث أيضاً لزميله أحمد العوضي بطل مسلسل "اللي مالوش كبير".

يدفعنا هذا للتساؤل: هل السبب أن أداءهما تمثيلياً هذا العام كان أقل فعلاً؟ أم السبب هو أن "الاختيار" وفّر للاثنين كارت مجاملات وإشادة نقدية العام الماضي، بسبب موضوعه؟

أمير كرارة وأحمد العوضي في مشهد من الاختيار


7- تراجع النجوم القدامى

حتى فترة قريبة احتفظ يحيى الفخراني ويسرا بثقل خاص في الدراما الرمضانية، لكن يبدو أن الأمور تغيرت هذا العام، لأن كلاً من "نجيب زاهي زركش" و"حرب أهلية" خرجا من الموسم بدون نجاح يذكر.

هل السبب هو المسلسلات الضعيفة والمكرّرة التي قدمها الاثنان في السنوات الأخيرة؟ هل هو الكم الكبير الذي وصل للإفراط؟ هل أصبح المتفرج يتجاهل أصلاً متابعة أي جديد منهم؟ السنوات والمحاولات القادمة ستحسم الاجابة.


8- مطب "القاهرة كابول"

مسار هذا المسلسل كان مختلفاً جداً عن منافسيه. نال إشادة جماهيرية ونقدية موسعة في أول حلقتين أو ثلاثة، قبل أن يفقد هذه الإشادة تدريجياً، ويتحول لمحور سخرية ثابت في عالم مواقع التواصل، بسبب كمية مشاهد وعبارات الوعظ فيه.

هل ستصبح التجربة درساً مهماً لصناع المسلسلات، بخصوص نفور المتفرج من هذه التركيبة؟ لنأمل ذلك.

مشهد وعظ من القاهرة كابول


9- تطور في المنهج التسويقي

شهد العام تجارب تسويقية لافتة للنظر، مثل دمج النهايات في مسلسلي "الاختيار2" و"هجمة مرتدة"، تمهيداً لموسم ثالث من الاختيار في رمضان 2022.

يصعب تفسير الأمر كتطور عام، وقد يكون تفسيره الأدق هو الاهتمام الخاص التي تقدمه شركة "سينرجي"، لمسلسلات تستهدف ترويج مضمون سياسي واجتماعي محدد. لكن حتى مع دوافع من هذا النوع، قد يكون من الجيد أن تتحرك الأمور لمنهج منضبط في التخطيط، مقارنة بالفوضى والعشوائية المعتادة في صناعة الدراما الرمضانية.

مشهد الدمج بين (الاختيار 2 - هجمة مرتدة)

يجدر تشجيع أي محاولات لتغيير الدفة الى 15/14 حلقة فقط لكل مسلسل، وأن تصبح فترة العرض على الفضائيات مُقسمة على عملين طوال الشهر. بهذه الطريقة تنال الفضائيات ما تحتاجه ويطابق شروطها، وتنال الدراما الرمضانية وجمهورها فرصة للهروب من فخ الحلقات الثلاثين

10- فشل تجارب الـ 15 حلقة

قواعد الإنتاج والتسويق والإعلانات التي تشترط 30 حلقة في رمضان، كانت ولا تزال سبباً رئيسياً في ميل الدراما الرمضانية للمطّ والتطويل والحشو. وبدون الخروج من هذا الفخ ستظل المشكلة أزلية غالباً.

لهذه الأسباب يجدر تشجيع أي محاولات لتغيير الدفة إلى 15/14 حلقة فقط لكل مسلسل، كما كانت الدراما التليفزيونية عادة حتى أواخر الثمانينيات، وأن تصبح فترة العرض على الفضائيات مُقسمة على عملين طوال الشهر.

بهذه الطريقة تنال الفضائيات ما تحتاجه ويطابق شروطها حول مساحة زمنية وإعلانية ثابتة طوال الشهر، وتنال الدراما الرمضانية وجمهورها أيضاً، فرصة للهروب من فخ الحلقات الثلاثين.

لكن نجاح التغيير وتحوله لمنهج ثابت مستقبلاً، يتطلب أن تراكم تجارب مسلسلات الـ 14/15 حلقة، نجاحات جماهيرية عالية تتجاوز المسلسلات الأخرى، بشكل يغري الجهات الإنتاجية، وهو ما لم يتحقق للأسف مع تجربتين هذا العام هما "بين السما والأرض" و"كوفيد25".

هل ستتكرر التجربة بنجاح مستقبلاً؟ وهل سنهرب يوماً ما من فخ الـ 30 حلقة؟ لنأمل ذلك.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard