"مارسنا الجنس الافتراضي لاكتشف صباحا أنها رجل"... شباب يمارسون الابتزاز الإلكتروني في المغرب

الاثنين 15 مارس 202104:03 م

"بدا الأمر عاديا في الوهلة الأولى. قالت إن اسمها بثينة، مطلقة وتسكن بمدينة الدار البيضاء. بعد يومين تقريبا من الدردشة عرضت عليَّ أن نستعمل الكاميرا فظَهَرت بلباس شفاف وأي رجل كان سيفكر أنها ترغب في جنس افتراضي وهو بالفعل ما قمنا به".

ما بدا لمحمد الشاب الإماراتي مغامرة عاطفية سيتحول إلى فخ، يقع فيه حتى المشاهير، حين سيكتشف أنه وقع ضحية عملية نصب بدأت بضغطة زر وانتهت بابتزاز مقابل مبالغ مالية ضخمة.

يروي محمد (35 سنة) لرصيف 22 أن القصة بدأت قبل سنتين تقريبا حين وافق على طلب صداقة فتاة شقراء قبل أن يكتشف أنها رجل. يتابع "ظننت أنني وجدت من أتسلى معها، إلا أنني استيقظت على رسالة من حساب بثينة تؤكد فيها أنها رجل. قال إنه سجل عملية استمنائي كاملة وحمل مقطع الفيديو على يوتيوب وأضحى جاهزا للنشر والإرسال إلى قائمة أصدقائي على فيسبوك في حال لم أحول له مبلغ 1000 دولار. نفذت ما طلبه مني لأنني كنت خائفا من الفضيحة، لكن الأمر لم ينته عند هذا الحد".

ظننت أنني وجدت من أتسلى معها، إلا أنني استيقظت على رسالة من حساب بثينة تؤكد فيها أنها رجل. قال إنه سجل عملية استمنائي كاملة وحمل مقطع الفيديو على يوتيوب

يضيف الشاب الإماراتي الذي أمطرنا بأسئلة كثيرة ليتأكد من هويتنا وعملنا في الصحافة وعدم انتحالنا هوية ليست لنا "بدأ يطلب مني مبلغا ماليا كل أسبوع تقريبا وأضحى الأمر مرهقا للأعصاب ولحسابي البنكي أيضا، فقررت أن أحظره من حسابي، لكنني فوجئت به يرسل رسالة لشقيقي وهنا تأكدت أن الحل هو أن أتقدم بشكوى لدى السلطات هنا بالإمارات والتي بدورها تواصلت مع السفارة الإماراتية في المغرب".

محمد ليس الوحيد الذي تعرض للنصب من شباب القاسم المشترك بينهم أنهم يعيشون في مدينة وادي زم (وسط المغرب). يقول "بعثَ بعدها رسالة إلى أخي يطلب منه أن نشتري له ساعة يدوية باهظة السعر وأن نرسلها إلى عنوان في مدينة مغربية تسمى وادي زم. هذا ما ساعد السفارة على التواصل مع الأمن المغربي وتحديد مكان النصاب والقبض عليه".

وادي "المبتزين"

تظل الكثير من الأسئلة قائمة حول هؤلاء النصابين وأسباب احترافهم للنصب باستعمال التكنولوجيا والتغرير بمن لا يتقنونها. نقرر زيارة مدينة وادي زم للتعرف على بعض الشباب ممن يعملون في النصب والابتزاز ونسألهم عن السبب وراء انتشار الظاهرة في المدينة المنجمية الغنية بمادة الفوسفات.

هنا تنتشر وكالات شركات تحويل الأموال الدولية رغم أن الفقر والبطالة منتشران والسبب هو التحويلات المالية للمهاجرين في أوروبا وانتشار ظاهرة النصب الإلكتروني والابتزاز في أوساط الشباب. البحث عن أحدهم احتاج منا اللجوء إلى وسيط يسهل عملية التواصل.

للإجابة عن أسئلتنا اشترط الشاب عدم كشف هويته مقابل مساعدتنا في فهم دوافع انتشار الظاهرة التي يقع في "فخها" المئات، كان آخر من كشفت قضيتهم في وسائل الإعلام المدرب الحالي لمنتخب السعودية ومدرب المغرب السابق هيرفي رونار.

لسنا أشرارا. نفعل ما نفعله لضمان دخل مادي. والدي متقاعد ووالدتي كانت عاملة منزلية.  صديق لي هو من علمني كيف اصطاد الضحايا

تخلف الشاب عن موعده معنا في المرة الأولى وجاء بعد دقائق عدة من التأخير في المرة الثانية. بدأ كلماته بحضور الوسيط الذي هو ناشط في منظمة مدنية تعمل إلى جانب السكان. دون تردد فرض قواعد اللعبة "أفضل أن تبقى هويتي سرية وانسي أنكِ رأيت وجهي يوما ما. أود أن أوضح لك أننا لسنا أشرارا ونفعل ما نفعله لضمان دخل مادي. والدي متقاعد ووالدتي كانت عاملة منزلية. قررت أن أحسّن وضع عائلتي باستغلال معرفتي في مجال التكنولوجيا. صديق لي هاجر إلى أوروبا هو من علمني كيف اصطاد الضحايا".

يضيف الشاب بصوت صارم لا مشاعر فيه في حديثه مع رصيف22 "في السنوات الماضية كنا نختار ضحايانا من دول الخليج، لأنهم شعوب محافظة ومقطع جنسي قادر أن يدمر حياة الشخص اجتماعيا، لذلك يدفعون أي مبلغ نطلبه منهم. لكننا في الآونة الأخيرة صرنا نخدع أثرياء مغاربة أيضا".

يكشف المبتز الافتراضي أنهم يلجؤون إلى التلاعب بالعنوان الافتراضي لحواسيبهم أو ما يسمى بالمعرف الرقمي IP.  بذلك يصعب على السلطات الأمنية الوصول إليهم في أغلب الأحيان أما "عملية تحويل الأموال فتتم غالبا عبر الوكالات المعروفة في حالة الضحية الساذج أو عبر حسابات بنكية خارج المغرب إذا ظن الضحية أنه أذكى منا".

ويتابع " كما ترون مدينة وادي زم مهمشة ولا توجد فرص عمل محترمة لمن يملكون شهادات. بعد التخرج تجد أمامك ثلاثة خيارات لا رابع لها إما أن تعمل لصالح "المكتب الشريف للفوسفاط" بفضل واسطة، أو تهاجر نحو مجهول أوروبا، أو تصنع مستقبلك هنا بواسطة عدة حواسيب وهواتف نقالة".

للنساء نصيب

تُعرَّف جريمة الابتزاز في القانون المغربي ـ"بجنحة الحصول على المال بالتهديد". ويعاقب القانون عبر الفصل 538 من القانون الجنائي بالسجن من سنة إلى خمس سنوات كلَّ من " حصل على مبلغ من المال، أو الأوراق المالية أو على توقيع (...) بواسطة التهديد بإفشاء أو نسبة أمور شائنة، سواء كان التهديد شفويا أو كتابيا".  

لكن القانون لا يثني الشباب في المدينة عن اللجوء إلى الابتزاز للحصول على المال. الظاهرة لم تعد مقتصرة على الرجال، بل للنساء نصيب منها.

أبحث عن رجال متزوجين ثم أضيفهم على فيسبوك، وبعدها أستدرجهم. تعليق ثم رسالة حب فمحادثة ساخنة بالكاميرا وتسجيل جنسي

نجحت سوسن (اسم مستعار) في ابتزاز العديد من الرجال في المغرب وخارجه. في حديث مع رصيف22 تشرح الشابة أنها دخلت هذا المجال بالصدفة.  تحكي لنا بداية كل شيء: "قبل ثلاث سنوات كنت أدردش مع رجل خليجي عبر فيسبوك ووعدني بالزواج لكنه اختفى فجأة. بحثت عن طريقة للتواصل معه ونجحت في الحصول على الرقم الهاتفي للمؤسسة التي كان يعمل فيها. هددته بإخبار زوجته وإدارة الشركة إذا لم يدفع لي ألف دولار. بالفعل نفذ ما طلبت منه".

تشرح لنا سوسن التي ترتدي عباية سوداء وتضع مكياجا على الطريقة الخليجية كيفية اصطياد الضحايا "أبدأ أولا بالبحث عن رجال متزوجين ثم أضيفهم على فيسبوك، وبعدها أبدأ في استدراجهم. تعليق ثم رسالة حب فمحادثة ساخنة بالكاميرا وتسجيل جنسي وبعدها يأتي التهديد. كلهم يدفعون المبالغ المالية ولا يقدمون شكاوى إلى السلطات بحسب علمي. بل إن أحدهم عرض علي في آخر المطاف أن نستمر في المحادثات الجنسية الافتراضية مقابل راتب شهري".

العديد من المشاهير يقعون ضحية عمليات النصب والابتزاز. وقضية هيرفي رونار ليست الأولى ولا الأخيرة، كل ما في الأمر أنها سربت لوسائل الإعلام

أصبحت الشابة خبيرة في التعامل مع الرجال، ووصل عدد ضحاياها إلى حوالي "خمسين رجلا ربما"، كما تقول وتضيف: "أحيانا أحصل على المبالغ في وكالات تحويل الأموال باستعمال أسماء صديقاتي مقابل نسبة ضئيلة من المبلغ أعطيها لهن لأن أعين السلطات مفتوحة ووصول مبالغ مالية كبيرة باسمي في كل مرة قد يجعلهم يشكون بي".

بالنسبة إلى الباحث القانوني وابن مدينة وادي زم أمين السعيد فإن الظاهرة فعلا منتشرة في المدينة، "لكن لا يمكننا إلصاق ظاهرة معينة بمدينة معينة"، مضيفا " أن المدينة لقبت سابقا بمدينة الشهداء ومدينة المقاومة وانطلقت منها شرارة معركة المغاربة ضد الاحتلال الفرنسي".

وقال السعيد في تصريح لرصيف 22 إنه في حالة لجوء الأجانب إلى سلطات بلدهم بعد تعرضهم للابتزاز من طرف مغاربة، فإن المصالح القنصلية تتصل بوزارة الخارجية المغربية وبعدها تتواصل الأخيرة مع وزارة العدل والحريات التي تحيل القضية على مصالح الأمن الوطني التي تباشر التحقيقات في القضية بهدف القبض على المشتبه بهم.

الضحايا: مشاهير ونساء أيضا!

في بداية شهر آذار/مارس 2021، أصدرت المحكمة الابتدائية بمدينة وادي زم، حكما في قضية الابتزاز الجنسي عبر الأنترنيت التي كان ضحيتها الفرنسي هيرفي رونار، المدرب السابق للمنتخب المغربي لكرة القدم والحالي للمنتخب السعودي. وقضت بالسجن النافذ لمدة 30 شهرا، وغرامة مالية قدرها خمسة آلاف درهم (554 دولار)، وأداء تعويض حدد في خمسين ألف درهم للمدان الرئيسي في القضية وعمره 25 عاما. كما حكمت بالسجن النافذ لثلاثة أشهر، وغرامة مالية قدرها خمسة آلاف درهم، وأداء تعويض حدد في خمسين ألف درهم (5545 دولارا) للمدان الثاني في القضية الذي يبلغ 27 سنة.

وحسب ناشط مدني في المنطقة طلب عدم ذكر اسمه، فليست المرة الأولى التي يقع فيها مشاهير أجانب ومغاربة في فخ هذه العصابات التي يتكون غالبيتها من الشباب. "العديد من الأسماء المعروفة يقعون ضحية عمليات النصب والابتزاز. وقضية هيرفي رونار ليست الأولى ولا الأخيرة، كل ما في الأمر أنها سربت لوسائل الإعلام".

وأوضح المتحدث ذاته لرصيف 22 أن شابا يحترف النصب والابتزاز منذ سنوات، اعترف له قبل مدة قصيرة أنه نجح في ابتزاز فنان مغربي شاب وحصل منه على مبلغ 10 مليون سنتيم (11 ألف دولار تقريبا) لكن "خوف المغني من الفضيحة جعله لا يجرؤ على تقديم شكوى للأمن".

ضحايا عمليات النصب ليسوا من الرجال دوما. بل حتى النساء يقعن أحيانا ضحية للابتزاز.

بالنسبة إلى الشابة السعودية ليلى (29 سنة) فإن عملية النصب عليها تمت بطريقة مختلفة "أضِفْتُ  في نيسان/أبريل الفارط إلى مجموعة على فيسبوك تضم عددا قليلا من الفتيات وطلبت مني الأدمن المشاركة في النقاشات. بدأن بأسئلة عامة ثم شخصية وبعدها بدأن الحديث عن الأمور الجنسية. كان الأمر غريبا لكن الفضول جعلني أشارك معهن وذات يوم أطلقن تحديا عمن تملك "أكبر صدر" وبدأن نشر صورهن. وطلبن مني أن أشارك معهن في التحدي".

تردف الشابة في تصريح لرصيف 22 "التقطت الصورة دون إظهار وجهي وترددت كثيرا قبل إرسالها لكنني فعلت ذلك وهذا كان أكبر خطأ ارتكبته في حياتي. لأن الأدمن بعثت لي رسالة في الخاص تخبرني أن إجاباتي عن الأسئلة الجنسية وصورة صدري تم جمعها في مقطع فيديو وسيتم نشره".

ترجت الشابة مديرة الصفحة ألا تفعل وتخيلت ما الذي قد يفعله بها شقيقي ووالدها إن علما بالأمر، لكنها كانت محظوظة. فقد تذكرت أن حسابها باسم مستعار ولا يتضمن معلوماتها الشخصية أو معارف مقربين لها. فقررت مواجهة مديرة الصفحة التي اكفت بالرد: "ستندمين" تقول ليلى: "منذ ذلك اليوم قررت أن أعتزل فيسبوك وأتبع نصيحة أمي حين كنت طفلة "لا تتحدثي مع الغرباء"".

المدينة المظلومة

يفسر الباحث في علم الإجرام رشيد المناصفي انتشار هذه الجرائم في مدينة وادي زم بعجز الحكومة المغربية على خلق فرص عمل لأبناء المنطقة. ويقول لنا إن ما يجعل عددا من الشباب "يلجؤون إلى هذا النوع من الجريمة واستغلال "كبت" البعض للحصول على مبالغ مالية" هو الأزمة الاقتصادية في المدينة.

ويضيف المناصفي الذي سبق أن زار المدينة، أن الأخيرة "مهمشة وخالية من أي أنشطة موجهة لفائدة الشباب. لا عمل ولا أمل ولا تتوفر على أبسط شروط العيش الكريم"، مشيرا وحسب بحث سبق أن أجراه أن هذه الجرائم بدأت تظهر في المغرب وتحديدا في مدينة وادي زم ابتداء من 2002، تزامنا مع تراجع نسبة لجوء شباب المنطقة إلى الهجرة السرية نحو أوروبا.

لكن الظاهرة لا تقتصر على المدينة بل توجد في مدن أخرى. الأرقام التي حصلت عليها رصيف22 من المديرية العامة للأمن الوطني تشير إلى تسجيل 384 قضية ابتزاز عبر الأنترنت خلال النصف الأول من سنة 2020 وقعت في مدن مختلفة، منها 61 عملية ابتزاز ذات طابع دولي تمت إحالتها على الشرطة الجنائية الدولية "إنتربول".  لكن الأرقام التي حصلنا عليها من مصادر في بعض سفارات دول خليجية بالمغرب تشير إلى أن الظاهرة أكثر انتشارا.

 كل ما نحتاجه هو صورة ومقطع فيديو لفتاة مثيرة ومحادثة ليلية واستفزاز للغرائز وتبدأ المغامرة

مصدر من سفارة دولة الإمارات بالرباط أكد لنا أن أزيد من 380 مواطن إماراتي قدموا شكاوى تتعلق بالابتزاز الإلكتروني من مغاربة. أما مصدر من داخل السفارة السعودية في الرباط فأكد أن ما يزيد عن 500 سعودي تعرض للابتزاز الإلكتروني خلال السنة الماضية.

وبرر المناصفي اختيار العصابات لضحايا أجانب وخاصة الخليجيين بالعامل المادي. إذ "يصعب الوصول إلى أثرياء المغرب افتراضيا الذين يحمون أنفسهم ".

وأشار الباحث إلى أن التعاون بين الدول فيما يتعلق بجريمة الابتزاز الإلكتروني يشترط وجود اتفاقيات قبلية "لكن في أغلب الأحيان وخاصة فيما يتعلق ببلدان الخليج فالوساطة تلعب دورا كبيرا في تسهيل عملية القبض على المبتز".

لكن لا القانون ولا الوساطات ستمنع الشباب من الإبحار في الشبكات الاجتماعية لإيقاع الضحايا. يقول الشاب من مدينة وادي زم الذي وافق على الحديث معنا: "ممارستنا لهذه الأفعال تجعلنا خبراء في علم النفس وردود الأفعال. فأنت تعلم من البداية ما إذا كان الضحية سيقبل دفع المال. الغريب أننا نعتمد دوما نفس الطريقة وتنجح في كل مرة. كل ما نحتاجه هو صورة ومقطع فيديو لفتاة مثيرة ومحادثة ليلية واستفزاز للغرائز وتبدأ المغامرة".

يختم حديثه: " أندم أحيانا، لكن حين أتذكر ما كانت تعانيه والدتي ووالدي أجد مبررا لأبدأ عملية جديدة.  لا أخاف السجن مادامت ادخرت بعض المال لـمواجهة نوائب الدهر".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard