في أساطير الفينيقيين كان أدونيس يموت في كل شتاء ويعود مع كل ربيع. لم يكن موته نهاية، بل عبوراً مؤقتاً بين زمنين: زمن القحط وزمن الخصب. أدونيس، الذي طعنه خنزير بري أثناء رحلة صيد، مات بين ذراعي أفروديت وهي تبكي، فاختلط دمه بدموعها وتحول إلى زهرة شقائق النعمان.
اليوم، في الساحل السوري، لا يموت أدونيس وحده؛ فالأمهات والزوجات يمتن حين يُقتل أبناؤهن وأزواجهن، والمنازل تُهجَر حين تفرغ من أصحابها. ومع ذلك، لا تبدو هناك نهاية واضحة، لأن النساء اللواتي خرجن من المجازر حملن موتاً مضاعفاً ومتكرراً مع كل ذكرى لما حدث.
تقول نور، التي قُتل زوجها وشقيقه في بانياس: "الدم في بيتنا كان واصل للسقف. غدير ما كان من الفلول، ولا كان يعرف أنه رح يموت بس لأنه علوي". بينما تقول زينة، التي هربت مع طفلتها: "كانت بنتي تهدأ فقط لما تسمع الأذان، لأن القتل كان يوقف عند الإفطار". وبين هاتين الجملتين يتكوّن مشهد المجزرة كما عاشه من نجوا منها.
لا يتناول هذا التقرير مجازر الساحل بوصفها واقعة انتهت، بل كجرحٍ مفتوح بعد مرور عام. عبر شهادات لنساء فقدن أزواجهن وأطفالهن وبيوتهن، وعبر تقارير حقوقية حاولت تثبيت ما حدث في مواجهة النسيان، نحاول الاقتراب من جواب سؤال واحد: ماذا يبقى من الحياة حين تمر المجزرة؟ ومن يملك أحقّية سردها؟
ما الذي حدث في الساحل السوري؟
مجازر آذار/ مارس 2025 في الساحل السوري لم تكن حدثاً عشوائياً، بل جاءت بعد أسابيع من تصعيد أمني وعسكري في مناطق عدة، شهدت حركة متزايدة لما سمي "فلول" النظام القديم ومن تبعها على الأرض. حيث تحركت مجموعات مسلحة كانت تنشط سابقاً ضمن أطر قوة النظام أو مرتبطة به، واستغلت الفراغ الأمني بعد تغيّر خطوط الحرب.
في الأسابيع التي سبقت 7 آذار/ مارس، انتشرت أنباء عن تنسيق بين هذه المجموعات المسلّحة في المناطق الساحلية، مع تقارير عن انتشار لقطع طرق وتحركات غير معلنة في قرى وبلدات ريف بانياس والدالية وغيرهما. ومن خلال هذه التحركات يبدو أنّ العملية الأمنية التي تصاعدت في اليومين الأولين من آذار حوّلت التوترات المحلية إلى موجة عنف أوسع، استهدفت المدنيين بوصفهم جزءاً من بيئات قبلت بتلكَ التحركات، أو لم يكن لها قدرة على مقاومة دخول هذه الفصائل إلى أحيائهم.
تقول نور، التي قُتل زوجها وشقيقه في بانياس، إن المشهد داخل المنزل ما زال يلاحقها: "الدم في بيتنا كان واصل للسقف"... وتضيف أن زوجها غدير لم يكن مقاتلاً ولا من "الفلول"، ولم يتخيّل أنه سيُقتل فقط لأنه علوي
في يومي 6 و7 من نفس الشهر، تزامن هذا التصعيد مع دخول مجموعات مسلحة إلى أحياء في بانياس، أبرزها حي القصور، حيث بدأت عمليات قتل ميدانية داخل المنازل، وأبلغ شهود عن طلقات تطلق داخل البيوت، وعن عمليات تفتيش واعتقالات غير مبررة. بحسب التقارير، لم يشهد الحدث في حي القصور وريف بانياس توازناً بين أطراف متحاربة بأسلحة متكافئة، بل كانت التحركات بحق المدنيين مكثفة ودون اشتباك عسكري واضح، مما يشير إلى أنّ الضحايا كانوا في كثير من الحالات ضحايا قتل عشوائي طائفي بحت .
كما تُظهر التقارير أن الانتهاكات بحق المدنيين قد سبقت زمن المجازر في الساحل السوري، تخللتها اعتقالات تعسفية، مداهمات أمنية، قتل على الهوية، تهجير من المنازل، فمنذ سقوط نظام الأسد بتاريخ 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024 تم تسريح عشرات الآلاف من الموظفين، إنهاء عقود بشكل جماعي لأبناء الطائفة العلوية، بالإضافة إلى فصل واعتقال آلاف العناصر من الجيش والشرطة ممن كانوا يخدمون في مؤسسات النظام السابق، وهذا أدى إلى ازدياد الفقر والبطالة واللجوء لقطف ورق الغار وغيرها من وسائل العيش البدائية، كل ذلك أدى لحرمان أسر بأكملها من مصدر دخلها.
"كنا نضطر نخلع أبواب البيوت لنشيل الجثث"
تقول علا محمد (اسم مستعار)، وهي مسعفة متطوعة دخلت حي القصور صباح ذلك اليوم، إن الفصائل منعت دخول فرق الإسعاف في البداية، قبل أن يُسمح لهم بالدخول حصرياً إلى هذا الحي، "كانت التعليمات واضحة مسموح النا ندخل لحي القصور فقط، وممنوع نتحرك خارجه".
عند مدخل الحي، صادفت علا، امرأة تقف مع ابنتها من ذوي الإعاقة أمام محل يُعرف باسم "علاء الدين". سألوها إن كانت بحاجة لإسعاف، فأجابت: "قتلولي ولادي الثلاثة وزوجي… الجثث لساتها في الطابق الخامس".
تضيف : "كان في جثة رابعة عند مدخل البناء. لففنا الجثث بأكياس خاصة، ووضعنا عليها أرقام للتسليم".
لاحقاً اكتشفت أن إحدى الجثث التي استلمتها لم تصل إلى أي مشفى، ولا تعرف العائلة حتى اليوم أين دُفنت. تقول: "هذه لم تكن حالة واحدة. لاحظنا وجود جثث مفقودة في أكثر من موقع".
بسبب امتلاء المشافي، حينها، نُقلت الجثث إلى صالة مفروشات داخل الحي، جرى استخدامها كمكان تجميع مؤقت. تقول: "كنا نكدّس الجثث فوق بعضها بعد تغليفها وترقيمها… كثير من البيوت كانت مغلقة. كنا نضطر إلى خلع الأبواب لإخراج الجثث".
بحسب شهادتها، فُرض عليهم منع كامل للتصوير أو استخدام الهواتف، ولم يكن يُسمح لهم بالتحرك دون مرافقة من عناصر الأمن العام، كما أوضحت أنه كان يوجد فصيل مسلح متمركز فوق مكان تجميع الجثث.
تقول: "في أحد أسطح البيوت، وبينما كنا نحمل الجثث، لاحظنا أن أحد الأشخاص ما زال يتنفس، أقذناه في اللحظة الأخيرة. هذا المشهد وحده جعلني أتمسك بفكرة أننا رغم كل شيء بشع حولينا، رأينا أمل حين أنقذنا حياة".
وتصف معظم البيوت التي دخلتها أنها احتوت على جثث لعائلات كاملة: "خمسة أو ستة أفراد في البيت الواحد. الجثث فوق بعضها، والدم على السلالم. لم نكن نعرف العدد في البداية من كثرة ما رأينا".في إحدى الحالات، تقول إنها عثرت على جثة فتاة تظهر عليها بوضوح آثار الاغتصاب ثم القتل مع التنكيل والتمثيل بجسدها.
تروي زينة كيف هربت مع طفلتها أثناء الهجوم، تقول: "كانت بنتي تهدا بس لما تسمع الأذان"، لأن الطفلة لاحظت أن ساعات الإفطار كانت الأوقات الوحيدة التي يتوقف فيها القتال.
في اليوم الأول فقط، رفعت الفرق ما بين 80 إلى 85 جثة من حي القصور، وفق تقديرها، واستمرت عمليات نقل الجثث أربعة أيام، اقتصرت كلها على هذا الحي دون السماح لهم بدخول الريف المحيط. ومع تعذّر النقل إلى المشافي، فُتحت مقابر جماعية على شكل خنادق طويلة.
تختم شهادتها بالقول إن ما رأته غيّر علاقتها بكل شيء، "رمضان صار يذكرني بالجثث، فقدت شعوري بالانتماء، صح مهمتي أني كون قوية حتى أساعد الناس، لكن العجز والقهر صار أكبر من أنه طاقتي تتحمل ".
"الله أكبر يعني توقف القتل" شهادة ناجية عادت إلى بيتها
تعيش زينة (اسم مستعار)، وهي شابة من حي القصور في بانياس وأم لطفلة وكانت حاملاً خلال الأحداث، واحدة من أكثر التجارب قسوة في آذار/ مارس 2025. تقول إنّ التعب دفعها قبل أيام من المجزرة إلى الذهاب لمنزل أهلها في قرية قريبة، فيما عاد زوجها إلى بانياس بعد أن أوصلها.
"نزلنا على السوق، اشترينا اغراض، هونيك ما كان في شي يوحي بأنه في شي كبير هالقد ح يصير ".
في ليلة 7 آذار، بدأت تسمع مع عائلتها أصوات القصف وإطلاق النار من اتجاه المدينة، "في البداية ظنناها متل الاشتباكات السابقة، لكن الأصوات فجأة صارت كثيفة ومن كل الجهات".
في ذلك اليوم، وصلهم خبر مقتل عدد من أقاربهم وجيرانهم، فيما بدأت القذائف تسقط قرب منزل أهلها مما دفعهم إلى الهرب مع الأطفال إلى الأحراش. وفي صباح اليوم التالي، وصل شقيقها وزوجته بعد أن تمكنا من الفرار من بانياس، و نصحوهم بالتوجه إلى القدموس بعيداً عن تقدم الفصائل. وبعد يومين، قرروا التفرق "ليبقى على الأقل واحد منا حياً ليحكي اللي صار". بحسب شهادتها
بعد يومين أو ثلاثة، أُبلغوا بأن الأوضاع هدأت، فعادوا إلى بانياس عبر طرق التفافية أطول بالمسافة لكن أكثر أماناً، "قال لنا الجيران إن الأمن العام موجود ويسجل السرقات لأن أغلب البيوت تعرّضت للتعفيش".
وعند دخولها بيتها، وجدت أن معظم محتوياته قد سُرقت "الكهربائيات، المفروشات، البطانيات، جرار الغاز، البطاريات، حتى الملابس والذهب كلو راح"
تشير زينة إلى أن جيرانها من الطائفة السنية ساعدوهم، وأبلغوهم بضرورة العودة لأن الأمن انتشر ويجب عليهم الحضور لتفقد منزلهم و تسجيل السرقات. "كانوا واقفين معنا، وقالوا لنا تعالوا عليكم الأمان، تعالوا وسجلوا المسروقات".
لكن الأثر الأعمق كان في طفلتها الصغيرة، وتضيف زينة: "كانت المجازر في رمضان. لاحظت أنه القتل كان يتوقف في وقت الإفطار. لما تسمع بنتي صوت الأذان وتكبيرات الله أكبر كانت تهدا فوراً… وحتى اليوم إذا خافت بنتي أضع لها القرآن وأقول لها: الآن لا يوجد قتل فتطمن".
وتختم رسالتها برفض التعميم الطائفي وتقول: "إذا بقي الحقد والثأر بين السوريين، فلن تُبنى هذه البلد. نحن بحاجة إلى رحمتنا على بعض".
“نادوه بالاسم ثم قتلوه” شهادة زوجة فقدت زوجها وأخاه
تقول نور الابراهيم، زوجة غدير ياسين الدعبول (قُتل في مجازر الساحل، إنها كانت في منزل أهلها في قرية اللَّزو مساء 6 من ذلك الشهر، فيما عاد زوجها إلى بيتهم في حي القصور بمدينة بانياس. "كان كل شيء يبدو طبيعي. لم نكن أبداً نتوقع مجزرة" تقول.
مع اشتداد أصوات الرصاص ليلاً حاولت إقناعه عبر الاتصال الهاتفي بالالتحاق بها لضيعة أهلها "الزللو".
تقول: "قلت له تعال لعندي دخيلة خايفة عليك، بس كان يطمني ويقول: أنا ما عملت شي وما معي سلاح".
تشير زينة إلى أن جيرانها من الطائفة السنية ساعدوهم، وأبلغوهم بضرورة العودة لأن الأمن انتشر ويجب عليهم الحضور لتفقد منزلهم و تسجيل السرقات. "كانوا واقفين معنا، وقالوا لنا تعالوا عليكم الأمان، تعالوا وسجلوا المسروقات"
استمر تواصلها معه حتى نحو الثانية والنصف ليلًا عبر الإنترنت بسبب انقطاع الشبكة الهاتفية لاحقاً. لكن بعد تلك الساعة، انقطع الاتصال بينهم، "اتصلت اول مرة ما رد، مرة تانية فصل الخط بوجهي وبعدين صار خطه خارج التغطية".
تواصلت مع الجيران عالماسنجر للاطمئنان عليه، إلى أن جاءها الرد: "خلعنا الباب… زوجك وجارك مقتولين".
بحسب ما نقل لها الجيران، قُتل زوجها في غرفة النوم، فيما قُتل الجار في غرفة الجلوس. وأثناء بكاء شقيق زوجها على شقيقه المقتول عاد المسلحون على صوته وقتلوه أيضاً داخل المبنى نفسه.
"نادوه بالاسم؛ يا غدير دعبول وينك؟ كانوا بيعرفوا أنه في البيت". وتضيف أن المسلحين أخذوا سيارات زوجها، سيارة العمل والسيارة الخاصة، ولم يسرقوا أثاث البيت. وعندما وصلت بعد نحو أسبوع إلى المنزل، كان المشهد صادم:
"البرادي، الحيطان، الأرض… كل شي كان مليان دم. لما شفت البيت أغمي عليّ ما تحمل عقلي اللي شفته".
خلال الأيام التي تلت مقتله، دفن الهلال الأحمر زوجها وشقيقه والجار في مقابر جماعية، بحسب ما أُبلغت به العائلة. "لم أودع غدير، آخر مرة شفته كانت لما وصلني على بيت أهلي".
نور، وهي أم لتوأم، تقول إن حياتها تغيّرت بالكامل بعد تلك الليلة: "أنا المسؤولة عن طفلين. أُعطي دروس خصوصية في البيت حتى أؤمّن مصروفهم".
وترفض أي ربط لزوجها بأي نشاط مسلح: "زوجي ما كان إلو علاقة بأي شي. ما كان معه سلاح. كان يشتغل بسوق الهال ، نحنا عيلة عايشين على قدنا… ليش غدير؟ شو ذنبه؟ السيارات والمال أخدوهم، ليش قتلوه وحرموني أنا وولادي منه".
كيف يتحول الألم إلى رقم، وما الذي يضيع حين يحدث ذلك؟
حين تُذكر المجازر في البيانات الرسمية أو في نشرات الأخبار، غالباً ما تُختزل بجملة واحدة: "قُتل عددٌ من المدنيين". الرقم يبدو دقيقاً لكنه يخفي أكثر مما يكشف. خلف كل رقم اسم وبيت وحياة لم تعد كما كانت. تحويل الألم إلى رقم يسهّل تداوله، لكنه يجرّده من معناه الإنساني، ويجعل من الفقد يبدو وكأنه حدث إحصائي لا بأنه تجربة معيشة.
في حالة زينة، لا يختصر الرقم ما فقدته فعلًا. لم تفقد شخصاً بعينه، لكنها فقدت بيتها كما عرفته، وطفولة ابنتها كما كان يفترض أن تكون، وإحساسها بأنّ الليل وقت للنوم لا وقت للاختباء. حين عادت إلى منزلها في حي القصور بعد أيام من النزوح، لم تجد فيه شيئًا مما تركته؛ الأثاث، البطانيات، الملابس، الذهب. لكن ما لم يُسرق كان أثقل من ذلك كله.
هذا النوع من الخسارة لا يظهر في الأرقام. فلا يُكتب في التقارير مثلاً أن طفلة تعلّمت الخوف قبل أن تتعلم القراءة، أو أن أماً صارت تطمئن ابنتها بالقرآن لا لأنها تريد تعليمها الدين، بل فقط لأنها تريد إقناعها بأنّ العالم أصبح آمن ولو لبضعِ دقائق فقط. حين يتحول الألم إلى رقم، يضيع ذاك كله؛ التفاصيل الصغيرة التي تصنع الكارثة الحقيقية، والمعنى الأخلاقي لما حدث، وحق الضحايا في أن يُرووا بوصفهم بشراً لا عداداً.
ماذا تقول المنظمات الحقوقية؟
تقاطعت شهادات الناجين من حي القصور مع ما وثقته منظمات حقوقية محلية ودولية حول أحداث آذار/مارس 2025 في الساحل السوري. فبحسب تقارير صادرة عن المرصد السوري لحقوق الإنسان، طالت الهجمات أحياء في بانياس وريفها الجنوبي ترافقت مع عمليات قتل داخل منازل المدنيين، إضافة إلى حالات اختفاء جثث وعدم تسليمها لعائلات الضحايا.
بالنسبة لعلا، لم تكن المجزرة مجرد حدث عابر في مسار حرب طويل، بل هي نقطة إضافية كسرت بداخلها ما تبقّى من يقينها بفكرة تحقق العدالة في سوريا.
من جهتها، قالت منظمة العفو الدولية إن ما جرى يثير "مخاوف جدية من ارتكاب جرائم حرب"، مشيرة إلى أن استهداف المدنيين على أساس الانتماء المناطقي أو الطائفي، ووقوع عمليات قتل دون محاكمة، يشكل انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني، وطالبت بفتح تحقيق مستقل وشفاف.
أما هيومن رايتس ووتش، أكدت أنّ نمط الانتهاكات الموثقة، بما فيها الإعدامات الميدانية والنهب الواسع لمنازل المدنيين، يشير إلى غياب إجراءات حماية السكان خلال العمليات، معتبرة أن منع التوثيق أو التضييق على فرق الإسعاف يفاقم من خطورة الانتهاكات ويعيق حق الضحايا في العدالة.
وتجتمع هذه المنظمات كافةً على أنّ غياب آلية محاسبة فعالة حتى يومنا هذا سيترك الضحايا في مواجهة مفتوحة مع الألم والانتظار. ورغم مرور عام كامل على المجازر، تشير تقارير أحدث صادرة خلال عام 2026 إلى استمرار نمط الانتهاكات بحق المدنيين في مناطق الساحل، وإن بدرجات أقل من حيث الكثافة. وتُظهر هذه التقارير أن غياب المساءلة عن مجزرة الساحل فتح الباب أمام ممارسات لاحقة، شملت اعتقالات تعسفية، ومداهمات على أساس الهوية، وتضييقاً أمنياً على سكان المنطقة، مما يعكس أن الجرح لم يُغلق وأنّ شروط العدالة لم تتوفر بعد
كيف أثرت المجزرة على الناس بعد عام؟
لا يبدو أثرها محصور في عدد القتلى أو البيوت المهدّمة، بل في ما تغيّر داخل الناس أنفسهم. الخوف لم ينتهِ بانتهاء إطلاق النار لكنه بقي في الأجساد والعقول واللغة اليومي. كثيرون ممن نجوا لا يعيشون اليوم كما كانوا قبلها، بل يحملون المجزرة معهم في تفاصيل حياتهم الصغيرة؛ في النوم المتقطع، في الحذر من الأصوات العالية ليلاً، في إعادة تعريفهم الشخصي للأماكن الآمنة.
بالنسبة لعلا، لم تكن المجزرة بمثابة حدث عابر في مسار حرب طويل، بل هي نقطة إضافية كسرت بداخلها ما تبقّى من يقينها بالعالم. تقول إنها بعد أربعة عشر عاماً من العمل تطوعاً ضمن منظمة إنسانية في ظروف الحرب، وبعد ما رأته في الساحل تحديداً شعرت بأنها ابتعدت أكثر وأكثر عن فكرة وجود العدالة حقاً في سوريا. لم تعد قادرة على تفسير ما يحدث بوصفه صراع بين أطراف، بل بوصفه مأساة يُدفع فيها السوريون إلى قتل بعضهم بعضاً، بينما هناك طرف ثالث غير مرئي للضحايا يستفيد من هذا النزيف المفتوح لليوم.
علا، لا تبرر القتل لكن بصفتها المهنية هي تعتبر شاهدة يومية عليه. تقول إنّ حمل الأشلاء، ومحاولة إسعاف من كانوا بين الحياة والموت، وسماع قصص العائلات التي أُبيدت كاملةً، ترك فيها أثراً لا يزول بانتهاء المهمة. فكونها مسعفة لم يكن يعني أنها خارج دائرة الخطر، بل هي داخلها دائماً. كانت تعمل وهي مدركة أنّ حياتها مهددة في أيّ لحظة، وأنّ وجودها في مكان الموت ذاته قد يجعلها هدفاً مثلها مثل الآخرين.
تضيف أنّ ما حدث في الساحل لم يكن استثناءً عن مسارٍ طويل من العنف في كافة أرجاء سوريا، لكنه عمّق لديها الإحساس بأنّ المظلومية أصبحت جداً عامية، وأنّ كل طرف يرى نفسه محقاً أكثر، بينما الثمن يُدفع من أجساد المدنيين. "حرام السوريين يقتلوا بعض"، تقول، لكنها هذه المرة لا تقولها كشعار سياسي، بل كخلاصة تجربة جسدية ونفسية قاسية.
بذاك المعنى الذي أوضحته لنا علا، لم تؤثر المجزرة فقط على من فقدوا أبناءهم أو بيوتهم، بل أيضاً على من حاولوا إنقاذهم. بعد عام، يظهر الأثر في تآكل الإيمان بالمعنى، وفي الشعور بأنّ العدالة بعيدة، وفي انكسار فكرة أن العمل الإنساني قادر وحده على مواجهة هذا الكم من الموت. المجزرة لم تنتهِ في يومها، بل هي ما زالت لليوم مستمرة في حياة من عاشوها، كلٌ بطريقته.
بين رواية الضحايا وخطاب السياسة من يملك الحبكة؟
لا تتشابه رواية الناجين عمّا جرى في الساحل مع اللغة التي يُدار بها الحدث سياسياً. في شهادات علا، زينة، ونور، لا تظهر المجزرة بوصفها عملية أو تجاوزات بل بوصفها "تجربة جسدية مباشرة"، جثث تُنقل من بيوت مغلقة، طفلة تهدأ فقط حين تسمع الأذان، وزوج يُنادى باسمه ثم يُقتل في غرفة نومه. هذه السرديات لا تبحث عن تبرير، ولا تصوغ ما جرى بلغة المواقف، بل بلغة الخسارة.
في المقابل، يميل الخطاب السياسي إلى تجريد الحدث من أفراده، وإعادة صياغته ضمن معادلات أوسع؛ استقرار مقابل فوضى، أمن مقابل فلتان، طرف مقابل طرف. في هذا الخطاب، تتحول المجزرة إلى بند ضمن أزمة، ويصبح الضحايا جزءاً من سردية عامة لا مكان فيها للأسماء ولا للغرف التي امتلأت دماً، ولا للأطفال الذين تعلّموا الخوف قبل الكلمات.
شهادة نور تقول إن زوجها نُودي باسمه قبل أن يُقتل، لكنها أيضاً لا تجد في الخطاب العام من يعترف بأن القتل كان استهدافاً مباشراً لشخص بعينه. وشهادة زينة لا تتحدث عن نزاع، بل عن ابنة تربط بين الأذان وتوقف الموت. شهادة علا لا تشرح خلفيات سياسية، بل تحكي عن أشلاء، وعن إحساس بأن السوريين يُدفعون لقتل بعضهم بعضاً باسم قضايا لا تشبه وجوه الضحايا.
الفارق بين السرديات السابقة ليس لغوياً فقط، بل أخلاقي. فسرد الناجين يقول: "هذا ما حدث لنا"، بينما يقول السرد السياسي: "هذا ما جرى في البلد".
نصل هنا إلى فكرة مهمة بأنه لا تكمن أزمة العدالة فقط في غياب التحقيقات، بل في هيمنة رواية لا ترى في الشهادات إلا تفصيلاً، بينما يرى الناجون في قصصهم الحقيقة كلها. السؤال لم يعد فقط؛ من سيُحاسَب؟ بل أيضاً؛ أيُ رواية ستُعتمد؟ رواية من حُملت جثته، أم رواية من أدار الملف؟
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
