جرعة مكثّفة هذا العام… التطبيع مع تعنيف المرأة وتحقيرها في دراما رمضان المصرية

الثلاثاء 4 مايو 202104:01 م

مشهد 1:

يدخل العمدة سعدون "عمرو عبد الجليل" واثنان من رجاله وكل واحد منهم يجر واحدة من زوجاته ليأمر بدفن اثنتين منهن وهما حيّتان، بينما يكتفي بتشويه الثالثة - وردة "رانيا يوسف"- بإعاقة دائمة في وجهها كعقوبة "مخففة" لأنه "يحبها".



كل هذا عقوبة تشويه سمعة زوجة العمدة الرابعة، مأمونة "ريهام حجاج"، في مسلسل "وكل ما نفترق"

مشهد 2:

يدخل مصطفى "حمزة العيلي" منزله وقد تأكد من خيانة زوجته ملك "تارا عماد" له، فتسأله عن سبب تبدل معاملته ليقوم بضربها ويتوعدها "من هنا لحد ما أشوف هعمل فيكي إيه هتفضلي هنا مرمية زي الكلبة"، عوضاً عن تطليقها مثلاً. مسلسل "ضد الكسر".



مشهد 3: (نتحفظ على نشره)

يحتال صبحي "عمرو عبد الجليل" على شقيقته ست الناس "سماء إبراهيم" محاولاً أخذ هاتفها وعندما ترفض يقتلها، ويقتل أيضاً أحفادها الثلاثة الذين يعيشون معها. عقب قتلهم تباعاً، سكب مادة حارقة على المنزل وأشعل النيران فيه.

هذه الجريمة في مسلسل "لحم غزال" حيكت كرد فعل من صبحي على امتلاك شقيقته دليل إدانة على "الراجل بتاعه" في جريمة قتل أخرى...

ربما لن تتسع السطور لعشرات مشاهد العنف ضد النساء التي اكتظت بها دراما رمضان المصرية هذا العام. الوارد أعلاه مجرد عينة ونتاج رصد لأيام فقط ولبعض الأعمال وليس جميعها. ويتوقع أن تزيد جرعة العنف ضد النساء خلال الحلقات الأخيرة التي تحتفظ عادةً بالقدر الأكبر من "الإثارة" أو لنقل "الفجاجة".

وفي حين أنه لا يمكن أن ننكر أن الموسم الرمضاني طالما خذل النساء وأهمل مناصرة قضاياهن، بل في كثير من الأحيان أضرهن عبر تمرير الأفكار النمطية المسيئة، يمكن القول إن دراما رمضان المصرية للعام 2021 قدّمت جرعةً مكثفة من التطبيع مع تعنيف المرأة وتحقيرها والتحريض ضدها.

في حين أنه لا يمكن أن ننكر أن الموسم الرمضاني طالما خذل النساء وأهمل مناصرة قضاياهن، يمكن القول إن دراما رمضان المصرية للعام 2021 قدّمت جرعةً مكثفة من التطبيع مع تعنيف المرأة وتحقيرها والتحريض ضدها

شاهدنا الأستاذ الجامعي، حميد "هاني سلامة" في "بين السما والأرض"، يضرب زوجته لتسببها في "إحراجه" أمام إحدى طالباته، والمهندس، حازم "محمد ممدوح" في "لعبة نيوتن"، يضرب زوجته ويسُبها ويهددها بالقتل - "يا بنت الكلب… يا فاجرة… هقتلك… هجيبك تحت رجلي…". صُور العنف ضد المرأة متفشية في كافة الطبقات وبكافة أشكاله؛ جسدياً ولفظياً ونفسياً ومادياً، إلخ.



ملامح عامة

أحد أخطر الأمور بشأن مشاهد العنف ضد النساء والحط من قدرهن في الأعمال الدرامية هذا العام تمثّل في تبرير العنف/ المعاملة المسيئة/ مراقبة المرأة والتحكم بها في كثير من الأحيان بأنها "عشان مصلحتها، عشان بحبها" و"بحاول أحافظ عليكي… عشان بحبك".

هنا، نتخطى فكرة التطبيع مع تعنيف النساء والمساهمة في ظهور المزيد من المعنفين إلى تربية الفتيات على تقبل مثل هذه الانتهاكات بل اعتبارها "دليل حب وغيرة".

في سياق متصل، كان ملحوظاً أن حملت أسماء بعض الأعمال هذه السنة تأكيداً مباشراً على "قلة حيلة النساء" وحاجتهن إلى الرجل مثل "اللي ملوش كبير" حيث زوجة معنفة، غزل "ياسمين عبد العزيز"، تلجأ إلى بلطجي، سيف "أحمد العوضي"، لتطليقها من زوجها المقتدر الذي يغرق أهلها بالأموال ويهابونه ويرفضون دعمها للخلاص منه.

كان هناك أيضاً مسلسل "ضل راجل" حيث يظهر البطل/ الأب، جلال "ياسر جلال"، وهو يكافح لاسترجاع حق ابنته، شهد "رنا رئيس"، التي غُرر بها وحملت من زواج عرفي تهرب الشريك فيه من مسؤوليته، ليس من منطلق أبوة وإنما "رجولة".

استُغلت موجة فضح المتحرشين وبعض أشهر قضاياها هذا العام وهو أمر متوقع ومقبول لكن غير المقبول هو أنها كانت في بعض الأحيان مجرد "ترند" أو "حشو".

بعكس مسلسل "الطاووس" الذي يحاكي "جريمة الفيرمونت"، شاهدنا في مسلسل "ملوك الجدعنة" كيف أن بطلي العمل، سريّة وسفينة "عمرو سعد ومصطفى شعبان"، بلطجيان يفضحان شخصية ترمز إلى المغتصب "أحمد بسام زكي" في إطار خلافاتهما مع والده.

الأخطر من التعامل مع الاغتصاب كأمر هامشي في العمل، يُثار فقط لإظهار "جدعنة" بطليه، كان تصوير الناجيات من الجريمة بأنهن متخاذلات عن استرجاع حقهن إذ يقوم والد المغتصب الثري برشوتهن/ الضغط عليهن ليظهرن في مشهد فج وهن ينفين التهمة عن المجرم في حضوره دون أي تأثر عاطفي وكأن التسامح مع الاغتصاب والمغتصب أمر ممكن.

"رومانسية" المعاملة المسيئة

تمرير الإهمال والحط من كرامة النساء تمّا تحت ستائر مختلفة مثل "التُقل" بمعنى رزانة الرجل وهي صفة محمودة لدى البعض، و"مبيعرفش يعبر"، و"طبيعته كدا استحمليه"...

إضفاء مسحة رومانسية على العلاقات المسيئة، وتصوير المرأة كائناً أحمق يستبدل معنفاً بآخر، واستغلال قضايا الاغتصاب والتحرش كعناصر هامشية لإبراز "رجولة" البطل… كيف كرّست دراما رمضان المصرية الأفكار الميسوجينية؟

زاد على ذلك إضفاء مسحة "رومانسية" على العلاقات المسيئة؛ في مسلسل "الاختيار 2"، نجد علاقة الضابط يوسف "أحمد مكي" وجارته عاليا "أسماء أبو اليزيد" التي استنزف مشاعرها ثلاث سنوات دون أن يعبر لها عن حبه. حين تقدم آخر لخطبتها، صارحها بحبه ثم تراجع وقرر الانفصال لأنه يخشى أن يُقتل في إحدى المداهمات ويتركها وحيدة! برغم ذلك، لام فكرة ارتباطها بآخر من بعده.

أيضاً، في مسلسل "اللي ملوش كبير"، تهرب غزل من زوجها المعنف عابد تيمور "خالد الصاوي" إلى كنف البلطجي سيف الذي يضربها ثم يفرض وصايته عليها لكنها تتقبل ذلك وتعده من قبيل "الرجولة" بعدما يتبادلان مشاعر الحب. علماً أن سيف نفسه معنف لزوجته أم أولاده.



أما في مسلسل "ملوك الجدعنة"، فنلاحظ علاقة "سريّة" مع جارته "فاتن" التي يهينها وتظل تلاحقه وتطلب منه الزواج مراراً مع مساندتها له في أزماته ولم يتقدم لخطبتها كذلك إلا عندما تقدم آخر لخطبتها وبطريقة استعلائية فجة.



عندما تعرضت فاتن لحيلة قذرة، تخلى عنها سريّة وأهانها واتهمها بأنها كانت دوماً "شمال" سيئة السمعة. علماً أنه قد تستأنف هذه العلاقة في نهاية العمل لأغراض درامية.

كوّنت مثل هذه المشاهد "الرومانسية" رأياً عاماً إيجابياً تجاه مثل هذه المعاملة المسيئة حيث تداولت فتيات هذه المشاهد بين هؤلاء الأفراد مع تمنيات بأن يحظين بمثلها في واقعهن على كل مساوئها.

فخ التناقض وقلب الأدوار

وقعت عدة أعمال في فخ التناقض إذ بينما كانت مزعومة لتجسيد معاناة المرأة خلقت موقفاً سلبياً أو منتقداً لها. في "لعبة نيوتن"، انقلب التعاطف مع هنا التي يقلل زوجها من شأنها باستمرار ويصب عقده الشخصية عليها إلى نفور منها وتصديق على اتهامات زوجها لها بالطيش والحماقة حين وافقت على الزواج من مؤنس كنوع من أنواع رد الجميل بعدما ساعدها على استعادة ابنها الرضيع.

في مسلسل "حرب أهلية"، ابتز الزوج المسيء يوسف "باسل خياط"، زوجته فريدة "أروى جودة" بمقاطع جنسية صورها لها في غرفة نومهما دون أن تدري، ليجبرها على الاستمرار معه. على بشاعة جريمته، كانت فريدة تملك عدة خيارات للخلاص منه عبر طلب المساعدة أو تبليغ الشرطة. عوضاً عن ذلك، أراد لها المؤلف الاستمرار في قبضة الزوج والتعرض للإذلال وهو يخونها في منزلهما وبحضورها لحبكته الدرامية.

الأخطر من تهميش الاغتصاب في "ملوك الجدعنة"، كان تصوير الناجيات من الجريمة كـ"متخاذلات" عن استرجاع حقهن بنفي التهمة عن المغتصب بالرشوة/ الضغط عليهن، في مشهد خلا من التأثر العاطفي وكأن التسامح مع الاغتصاب والمغتصب ممكن

وفي مسلسل "لعبة نيوتن"، تحولت الزوجة الأمريكية، سارة "آلاء سنان" الغاضبة من اهتمام زوجها بـ"امرأة أجنبية" إلى النقيض تماماً حيث تتقبل رغبته في الزواج بالأخرى لأن "دا حلال ربنا" بل ترجوها الموافقة على الزواج منه لأن "دا قضاء ربنا".



حتى في مسلسل "ضد الكسر"، ظهر البطل محمد فراج، كريم، يعاتب زوجته سلمى، نيللي كريم، باعتبارها السبب في خيانته لها ويتفضل عليها بأنه تجاوز مئات الفرص الأخرى لخيانتها في السابق. علماً أنه اتهم زوجته بالخيانة لوجود صديق شقيقتها في منزلهما.



وفي حين يمكن اعتبار مسلسلي "وكل ما نفترق" و"نسل الأغراب" محض خيال، كون العملين قائمين على تعظيم شخصية البطلة لأغراض إنتاجية؛ الأول لأن البطلة زوجة المنتج والثاني لأن البطلة زوجة المخرج المنتج، إلا أن العنف ضد النساء الأخريات في العمل ظل موجوداً بكثرة. كما في مشهد العمدة سعدون السالف الذكر.

تكريس الأفكار الميسوجينية

وقبل انتهاء الموسم الرمضاني، ليس توقع بعض النهايات صعباً إذ يسير بثبات نحو تأكيد ما اتضح منذ بداية عرض هذه الأعمال من اعتبار:

1- المرأة نقطة ضعف الرجل وسبب مآسي حياته وخرابها وتشويه سمعته، "ضل راجل" مثالاً.

2- مهما كان الرجل/ الزوج مسيئاً يظل البقاء معه أفضل من أي شخص آخر قد يكون مستغلاً. لوحظ في هذا الصدد كيف كانت خيارات الشخصية النسائية البطلة محصورة في عدة أعمال بين سيىء وأسوأ. كما في "لعبة نيوتن" حيث المفاضلة بين الزوج الأرعن والمعنّف، حازم، والمتحايل المتزمت والمتحكم، مؤنس، وكذا في "اللي ملوش كبير" حيث لا خيار سوى الزوج الثري المعنّف أو بلطجي معنف أيضاً.

برغم أن المؤلفين حصروا خيارات المرأة بشكل لا يمكن الإفلات منه ربما في هذه الأعمال، شكّل تناولهم إياها قناعة منتقدة وهجومية في كثير من الأحيان ضد هذه النساء لدى الجمهور تبعاً لتصرفاتهن التي وصفت بالاندفاعية والحمقاء.

3- النساء طائشات مندفعات، ناقصات عقل ودين، لا يُجدن التصرف في المواقف الصعبة ويحتجن إلى رجل دائماً لحل مشاكلهن (في لعبة نيوتن/ خلي بالك من زيزي/ ضل راجل/ اللي ملوش كبير).

4- تكريس فكرة "المرأة خطافة الرجالة" وأن الرجل الخائن "جبان وضعيف" يستسلم فقط للمرأة التي تلاحقه - مثل دور هشام "علي قاسم" في "خلي بالك من زيزي- وهو ما دعمته آراء متخصصة مع الأسف.

5- تهميش المرأة وحصرها في دور الشخصية الثانوية التي لا تفعل شيئاً إلا أن تدور في فلك البطل خاصة إذا كان رجلاً "مهماً" يُراد "تنجيمه" مثل الضابط. استمر ترسيخ فكرة "تصارع النساء على الرجل" في مسلسل "ضد الكسر" ثلاث سيدات يتصارعن على كريم. واثنتان في "خلي بالك من زيزي" خلف هشام.

6- المساهمة في بناء رأي عام يُحمّل المرأة وزر أي خطأ، مثلاً في لعبة نيوتن "حازم طلق هنا بسبب عنادها وتصرفاتها الطائشة" وليس لأنه مسيء…

7- الرضا بالقليل، ساهم تكرار نموذج الرجل المسيء في كافة الأعمال الرمضانية هذا العام إلى "تمجيد" شخصية هشام في "خلي بالك من زيزي" على الرغم من أنه خائن وسمح لشقيقه بمقاضاة زوجته ووقف صامتاً بينما كانت على وشك دخول السجن.



مبرر الإعجاب بهذه الشخصية هو أنه كان "مؤدباً" و"لم يمد إيده على مراته" و"منحها حقوقها حين طلقها"، على الرغم أن كل هذه أمور بديهية وحقوق لا جدال فيها، باتت مع الواقع الذي تعكسه الدراما "حالة نادرة".

8- تكريس فكرة أن جسد المرأة ليس ملكها، بل وحياتها ككل ليست خيارها. شخصية يوسف في "حرب أهلية" كرست هذا المفهوم بقوة حيث رفض أن تخضع عشيقته لإجهاض قائلاً إنه "مش بمزاجك"، ورفض أيضاً زواج شقيقته من شخص غير ثري، مخبراً إياها بأنه لن يسمح لها بتغيير المستقبل الذي رسمه لها منذ الصغر.



معاناة سنوية تتجدد

تعقيباً على صورة المرأة في دراما رمضان المصرية هذا العام، قالت انتصار السعيد، المحامية الحقوقية ورئيسة مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، لرصيف22: "بيقولوا الفن مرآة عاكسة للمجتمع، لكننا وكما كل عام نعاني من التركيز على تقديم النماذج السلبية للمرأة فقط، بينما ينبغي أن يكون هناك كود أخلاقي تناقش من خلاله القضايا الخطيرة، مثل العنف ضد النساء، التي تُعرض بسطحية شديدة".

"فكرة أنني أقعد 30 حلقة أشوف الست بيتمسح بيها الأرض وآجي في النهاية في مشهد ولا حلقتين أعمل العكس مش هيفيد أبداً".

انتقدت السعيد على نحو خاص "تصوير المرأة كسلعة تحت إطار شرعي ‘الزواج‘... مجرد شيء ليس له قيمة ولا إحساس لإرضاء بطل العمل". وهي تشير بذلك إلى تصرف الزوجة الأمريكية في لعبة نيوتن.

واستنكرت بشدة هذا الشق من "ملوك الجدعنة" الذي صور أجساد الناجيات من الاغتصاب بأنها سلعة تُباع وتشترى، والزعم على لسان قاضي المغتصب أنه يمكن بسهولة التخلص من هذا الاتهام "بالقانون" بالرشوة والضغط. رأت في ذلك تكريس لـ"قهر النساء والعنف والإكراه المعنويين ضدهن".

وعلى الرغم من الإشادة بـ"لعبة نيوتن"، حتى من بعض النسويات والحقوقيات، قالت المحامية السعيد إنه سار على نفس خط تكريس صورة المرأة الطائشة التي تتورط في المشكلات بسبب أفعالها وليس من ضغط الآخرين وأخطائهم مثلاً.

في النهاية، ينبغي التأكيد على أنه ليس من المقبول تمرير كل هذه الرسائل المسيئة والمحرضة والعنيفة بحق النساء تحت ذريعة أنه سيتم تصويب هذه السلوكيات في النهاية. قالت السعيد في هذا السياق: "فكرة أنني أقعد 30 حلقة أشوف الست بيتمسح بيها الأرض وآجي في النهاية في مشهد ولا حلقتين أعمل العكس مش هيفيد أبداً".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard