الشامتون بقصف الخليج لم يغنّوا معنا

الشامتون بقصف الخليج لم يغنّوا معنا "بلاد العرب أوطاني"

مدونة نحن والحرية

الأربعاء 4 مارس 20267 دقائق للقراءة


بالأمس، دخلت في نقاش عصيب مع صديقة أعربت عن سعادتها بقصف النظام الإيراني لدول الخليج العربي. فاجأتني الراحة في التعبير عن التشفي، راحة الضمير تجاه الخراب، وصدمني أكثر الاختزال العنيف للخليج في معطيين: الثراء، والولاء للولايات المتحدة الأمريكية.

قالت إن ما يقصف هي القواعد العسكرية والسفارات الأمريكية فقط، وقلت إن الكلام غير دقيق، ثم إنني لا أعرف نظاماً عربياً واحداً اليوم يعادي الولايات المتحدة الأمريكية، فهل نقصف كل المصالح والسفارات الأمريكية في البلاد العربية؟ قالت: لمَ لا؟ قلت: هذا انتحار، وفي النهاية اتهمتني بالـ"تشبيح للخليج".

شبيحة للخليج… فليكن

"التشبيح" للخليج، هي تهمة تعني أن شخصاً ما -أنا في هذه الحالة- يبث رسائل بالتملق العلني منعدم الكرامة في مواقع التواصل الاجتماعي للحصول على المال من مصادر غير معروفة بعد أو محددة، لكنها يقيناً خليجية، على أمل أن ترى إحدى هذه الجهات -أي جهة بالمطلق- من دول مجلس التعاون الخليجي دفاعي المستميت عنها، ثم تعرض علي حوالة بنكية بآلاف الريالات أو الدراهم مقابل ولائي.

هذا مع العلم أن التشبيح للإمارات يتطلب شروطاً مختلفة عن التشبيح للسعودية وعن التشبيح لقطر، نظراً إلى اختلاف السياسات وتضارب المصالح الإقليمية بينهم، لكن هذا لا ينفي أن هناك تهمة جامعة اسمها "التشبيح للخليج". بينما لم يتم توثيق العثور على شبيحة للكويت وعُمان والبحرين من العلماء حتى اليوم.

أنا من الجيل الذي تربّى على أغنية "بلاد العرب أوطاني" وآمن بها، كل هذه البلاد وطن لي، ولي حصة في كل واحدة منها، ولكل واحدة منها حصة فيّ. فحب البلاد فعل بسيط، غريزي، كالحب الذي نحمله للأم والأب، هو لا يحتاج إلى جهد ولا تفسير، والدفاع عنها أيضاً غريزي

ومع إدراك الفرق، عانى أهل غزة سابقاً من نفس الفكرة، فكرة فصلهم عن ألمهم ومصادرة حقهم في الوجع، حين احتفل الآلاف بينما القذائف تسقط فوق رؤوسهم، بما سمي "النصر على إسرائيل"! ووزعت حلويات في شوارع عربية بينما الصواريخ تدك منازلهم، وبينما هم يعيشون الذعر اللانهائي، حينها تم تخوين من اعترض منهم على "الحرب العبثية"، واتهامه باللا وطنية.

فغالباً ما يجد من يقفون ضد العنف والقصف والحرب من يتهمهم بالخيانة، والانهزامية، والتقاعس، ودعم الإمبريالية، وكسر الروح المعنوية، والاصطفاف مع العدو - أياً يكن هذا العدو-، وشق الصفوف، إلخ.

التهم كثيرة، لكن تهمة التشبيح للخليج جديدة نسبياً في هذا السياق!

بلاد العرب أوطاني… حتى آخر يوم

أنا من الجيل الذي تربّى على أغنية "بلاد العرب أوطاني" وآمن بها، وصدقها، ولا يزال.
حاولت السياسة كثيراً إقناعنا بعدم واقعية الجملة، وأحياناً بسخافتها، وربما بخطورتها، ولم تنجح. ما زالت كل هذه البلاد أوطاني. ولو كان لي أن أتخلص من هذه القناعة، لكانت الحروب والثورات والانقسامات في العقد الأخير كفيلة بذلك، لكن شيئاً لم يغير من مفهومي عن البلاد، والعرب، والأوطان.
ما زلت مؤمنة أن كل هذه البلاد وطن لي، ولي حصة في كل واحدة منها، ولكل واحدة منها حصة فيّ. فحب البلاد فعل بسيط، غريزي، كالحب الذي نحمله للأم والأب، هو لا يحتاج إلى جهد ولا تفسير، والدفاع عنها أيضاً غريزي، كالدفاع عن عائلاتنا.

غالباً ما يجد من يقفون ضد الحرب من يتهمهم بالخيانة، والانهزامية، والتقاعس، ودعم الإمبريالية، وكسر الروح المعنوية، والاصطفاف مع العدو - أياً يكن هذا العدو-، وشق الصفوف، إلخ.

كتب الشاعر السوري الجميل فخري البارودي ما لحنه الأخوان اللبنانيان محمد وأحمد فليفل:
بلادُ العُرب أوطاني منَ الشّامِ لبغدان
ومن نجدٍ إلى يَمَنٍ إلى مِصرَ فتطوانِ
فلا حدٌّ يباعدُنا ولا دينٌ يفرّقنا
لسان الضَّادِ يجمعُنا بغسَّانٍ وعدنانِ

من هنا، أذتني حملات الشماتة التي قرأتها بعد القصف الذي نال دول الخليج العربي. وأنها كتبت باللغة العربية، وأنها تجاهلت أن ما يقصف هي أرض عربية، ويسكنها مدنيون بغض النظر عما إذا كانوا مواطنين أو مغتربين، وبغض النظر إن كان ما يقصف هي مناطق عسكرية أم لا.

أنا من مواليد الكويت، البلد التي سأحبها حتى النهاية، وأنا من المعارضين لكل سياسات قطر في المنطقة، ولي أصدقاء أحبهم وأخاف عليهم في البحرين والسعودية والإمارات وقطر، ولدي خصوم هناك أيضاً كما تفرض العلاقات الطبيعية. ومثلهم لدي في إيران أصدقاء جمعني معهم الشعر وحلم الحرية، وأحمل لهم من الأمنيات الطيبة بالسلام ما أحمله للجميع، من الخليج لفلسطين ولبنان وسوريا واليمن والعراق.

لكن قبل كل هذا وبعده، لا أريد أن أرى بلداً واحداً يدخل حرباً جديدة بعد اليوم، ولا أماً تحتضن طفلها وهما يرتجفان، ولا أباً يغطي أذن طفلته من صوت الصاروخ، فكيف إذا كان هذا البلد عربياً، وأحبه.

هل بات من الصعب فعلاً أن نفهم موقف من هم ضد الحرب والقصف، وهل بات تبرير الصواريخ سهلاً إلى هذا الحد؟ هل بات على كل واحد منا الاختيار بين "الفرح" للصواريخ التي تسقط في إيران أو الصواريخ التي تسقط في الخليج؟ مثلما خُيّرنا في الاصطفاف السوري سابقاً، إذا لم تكن مع النظام فأنت مع داعش.

كلها صواريخ. وكلهم مدنيون. وكلها حرب. وكله خوف.

الخليج الذي نحب

هناك ما هو أكثر بكثير من مجرد الثراء، والولاء للولايات المتحدة الأمريكية في الخليج، ثقافة مذهلة واحتفاء حقيقي بالشعر والفنون واللغة، احتضان لملايين العاملين من البلاد العربية وأكبر رقم حوالات في العالم. بلاد تمكنت من تحقيق نقلة نوعية في التعليم والصحة في أقل من نصف قرن، والانتقال من الاقتصاد الريعي والاعتماد الكلي على النفط لتنويع مصادر الدخل، بنية تحتية حديثة مذهلة شُيّدت في زمن قياسي، وشعوب عربية جميلة نعرفها وتعرفنا، ونحبها وتحبنا، رغم محاولة البعض -بسذاجة أو سوء نية- اختزالهم في صورة نمطية ذات بعد واحد.

وفيه كما في كل بلاد الأرض، نجد من يعاني من الفقر، أو البطالة، ونجد عائلات تسدّد قروضاً، وشباب يبحثون عن فرصة، وموظفون ينتظرون نهاية الشهر. قد لا يكون ما سبق وفق بؤس شديد أو ضمن نسب مخيفة، وهذه ليست تهمة، فالرفاه ليس جريمة، بل إنجاز يحسب للدول! ولنكن أكثر دقّة: دول الخليج ليست كتلة واحدة متطابقة. سياساتها تختلف، وأولوياتها تتباين، وصراعاتها الداخلية والإقليمية معروفة، بعضها حادّ وبعضها هادئ. بينها تنافس، وبينها خلافات، وبينها محاولات دائمة لإعادة التموضع. من السذاجة أن نختصرها في صورة واحدة، ومن الظلم أن نعمّم عليها حكماً واحداً.

في الخليج، ثقافة مذهلة واحتفاء حقيقي بالفنون واللغة، بلاد تمكنت من تحقيق نقلة نوعية في التعليم والصحة، والانتقال من الاقتصاد الريعي والاعتماد الكلي على النفط لتنويع مصادر الدخل، بنية تحتية حديثة شيدت في زمن قياسي، وشعوب جميلة نعرفها وتعرفنا، ونحبها وتحبنا

فهل يدرك الشامتون -ولو من باب المصلحة لا الإنسانية- ماذا يمكن أن يعني أن يضعف الخليج اقتصادياً على كلّ المنطقة العربية؟ وهل يظنّون أن هذا الضعف، حتى إن لم يبلغ حدّ الانهيار، سيبقى محصوراً داخل حدوده، أم أنه مسألة تمسّ المنطقة بأسرها؟

أعرف تعقيدات السياسة، وأستطيع أن أكتب فيها مطولاً ولا أريد، فالرد على فعل غير سياسي كالتشفي لا يكون بتفكيكه بلغة سياسية. ورغم أن هذه الفئة لا تمثل إلا نفسها، لكنها خطرة على الشعور العام، على فرحة شعوب في كأس العالم بتأهل واحد منها فقط، وعلى فخرها بفوز فرد واحد فقط بجائزة نوبل وعلى تعاطفها المشترك تجاه قصص بعضها البعض.

خطورة الشماتة أنها تؤسس للانقسامات وتزرع بذورها، فهكذا بدأ شرخ حرب الخليج مع الكويتيين، حين شعروا أنهم وحدهم وأن ألمهم لا يهم أحداً، وهكذا نقصي شعوباً كاملة عن همنا المشترك.

لو غنّوا "بلاد العرب أوطاني" لكانوا قد أدركوا أن القصيدة ليست مجرد نصّ تعليمي، بل عهد يتكرر في الأزمنة العسيرة. وأن النبل العربي الذي قرأنا عنه في الكتب ليس في انتظار سقوط آخر، بل في مدّ اليد حين تحتاجها مدينة عربية. ولو بكلمة، ولو بأمنية طيبة، أو تعبير عن مشاركة الخوف وأمنيات السلامة للناس والبلاد. مع العلم أنني لم أعمل في الخليج، وليس لدي مصلحة هناك، لكنها بلاد أحبها جداً، وأستمتع بثقافتها، بلاد أتمنى لها ولأهلها السلامة من كل شر، أو حرب تجر إليها.




رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard
Popup Image