قبل ثلاثة عقود، أي منذ انتخابه مرشداً أعلى للجمهورية الإسلامية عام 1989، خلفاً للخميني، واسم علي خامنئي محاط بالغموض والقوة. الرجل يُعدّ المرجعية السياسية والدينية العليا، وصاحب الكلمة الفصل في ملفات الدفاع والسياسة والبرنامج النووي والعلاقات الخارجية، وصانع وكلاء إيران في المنطقة وأعدائها كذلك.
تُجمع الدراسات على أنّ فهم سياسات إيران الإقليمية والدولية يجب أن يمرّ عبر فهم شخصية خامنئي وتكوينه الفكري ومساره السياسي، وهو تكوين يبدو لمن يتتبّع قصة حياته وكأنّه صُنع منذ البداية لهذا الدور.
طفولة فقيرة
وُلد علي جواد حسيني خامنئي، في 8 أيلول/ سبتمبر من العام 1939، في مدينة مشهد شمال شرقي إيران، لعائلة متواضعة الحال، تعود أصولها إلى بيئات علمية شيعية في إيران والعراق.
كان والده رجل دين، مما وفّر له تعليماً دينياً مبكراً. أما والدته، فكان لها دور أساسي في تنشئته وتعريفه بالأدب الفارسي وحفظ القرآن، كما قال في مذكّراته التي تحدّث فيها عن الظروف المالية الصعبة التي عاشها مع أسرته في منزل صغير في أحد أحياء مشهد الفقيرة.
وُلد علي جواد حسيني خامنئي في مشهد عام 1939 في عائلة فقيرة، لأب هو رجل دين وأم حفظته القرآن والأدب الفارسي، وبين الكُتّاب والحوزة تشكل وعيه الديني والسياسي، وصولاً إلى الثورة الإسلامية، حيث ساعد في بناء خلايا تنظيمية سرية
بدأ خامنئي تعليمه في الكتّاب، ثمّ انتقل إلى الحوزة قبل أن يجمع بين التعليم الديني والتعليم النظامي وصولاً إلى الشهادة الثانوية. وفي أواخر الخمسينيات، سافر إلى النجف، حيث تتلمذ على يد عدد من العلماء الشيعة أبرزهم محسن الحكيم وأبو القاسم الخوئي، ليستقرّ بعدها لفترة في قم، ويتعرّف من قرب إلى روح الله الخميني، ويتأثر بأفكاره السياسية والفقهية، الأمر الذي كان له دور حاسم في بلورة رؤيته لدور رجل الدين في الحكم.
"الثائر" في حكم الشاه
منذ أوائل الستينيات، انخرط خامنئي في النشاط المعارض لنظام الشاه محمد رضا بهلوي، وتعرّض للاعتقال مرات عدة من قبل جهاز "السافاك"، كما خضع للنفي الداخلي بسبب خطبه وأنشطته السياسية، ما أعطاه مصداقيةً داخل التيار الثوري.
عند اندلاع الثورة الإيرانية أواخر السبعينيات، كان خامنئي من بين الشخصيات التي ساهمت في تعبئة الشارع الديني، وساعد في بناء خلايا تنظيمية بين طلّاب الحوزات. لكنّ اسمه برز بقوّة بعد انتصار الثورة عام 1979، وعودة الخميني إلى طهران، إذ دخل سريعاً في مفاصل مؤسسات الدولة الجديدة، وكان له دور كبير في ترسيخ مؤسسات النظام، بما في ذلك دعم تشكيل الحرس الثوري.
كان من أشد المعارضين لنظام الشاه، فتعرض للاعتقال والنفي داخلياً عدة مرات، وفي 1981 تعرّض لمحاولة اغتيال أصابته بشلل جزئي في يده اليمنى ما زاد من مصداقيته وعزّز صورته.
في الثمانينيات، وقع حدث أثّر كثيراً في شخصيته، حيث تعرّض لمحاولة اغتيال خطيرة أسفرت عن إصابته بشلل جزئي في يده اليمنى في حزيران/ يونيو 1981. لكن هذه الحادثة عززت أيضاً مكانته داخل النظام بوصفه من رجال الثورة الذين دفعوا ثمناً شخصياً. وفي تشرين الأول/ أكتوبر من العام نفسه، انتُخب رئيساً للجمهورية، ليشغل المنصب حتى عام 1989، والحديث هنا يدور عن فترة الحرب العراقية-الإيرانية، حيث لعب دوراً سياسياً في إدارة الدولة خلال ظروف أمنية واقتصادية معقّدة.
وصاحب "الكلمة الفصل" في الجمهورية الإسلامية
عقب وفاة الخميني، في حزيران/ يونيو 1989، انتخبه مجلس الخبراء مرشداً أعلى للجمهورية الإسلامية، مع الإشارة إلى أنّ انتخابه ترافق مع تعديل دستوري سمح بأنّ يتولّى المنصب "فقيه" لا يحمل مرتبة "مرجع تقليد" عليا، ما مهّد قانونياً لتثبيته في أعلى هرم السلطة. منذ ذلك الحين، أصبح خامنئي صاحب الكلمة النهائية في تعيين قادة الجيش والحرس الثوري، ورئيس السلطة القضائية، وأئمة الجمعة في المدن الكبرى، فضلاً عن كون الكلمة الأخيرة في رسم السياسات العامة له.
بجانب نشاطه السياسي، عُرف خامنئي باهتمامه بالثقافة والأدب، وبتأليفه وترجمته عدداً من الكتب في الفكر الإسلامي والسياسة الشرعية، بما في ذلك أعمال سيد قطب، إلى الفارسية، وهو يقدَّم في الخطاب الرسمي الإيراني باعتباره مرجعاً دينياً ومفكّراً سياسياً في آن واحد.
ظلّ موقف خامنئي ثابتاً في عدائه السياسي لواشنطن، خاصةً منذ قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين إثر أزمة احتجاز الرهائن عام 1979-1980، الحدث الذي رسّخ القطيعة العميقة والعداء بين الطرفين.
وعدو واشنطن وتل أبيب الأول
لطالما عدّ خامنئي السياسات الأمريكية تهديداً لسيادة إيران، خصوصاً في ما يتعلق بالعقوبات الاقتصادية والبرنامج النووي. وعلى الرغم من انخراط طهران في مفاوضات أدت إلى التوصّل إلى اتفاق 2015 النووي، إلا أنّ الخطاب الرسمي للمرشد بقي حذراً، ومتشدّداً، هو الذي ما انفكّ يذكّر الإيرانيين بعدم الثقة بواشنطن.
أما إقليمياً، فارتبط اسمه بتوسيع نفوذ إيران عبر شبكة تحالفات مع وكلاء وقوى سياسية ومسلّحة في لبنان والعراق وسوريا واليمن، ضمن رؤية إستراتيجية ترى أنّ أمن إيران يتحقق عبر عمق إقليمي متقدّم، وليس فقط عبر حدودها الوطنية.
موقف خامنئي تجاه واشنطن وتل أبيب ثابت، وله اليد الطولى في صناعة ودعم وكلاء إيران في المنطقة، وحتى مع توقيع الاتفاق النووي في 2015 ظل خطابه متشدداً، ومحذراً للإيرانيين من الثقة بواشنطن أو تجاهل تهديدات إسرائيل
هذا الخيار لخامنئي جعل طهران لاعباً أساسياً في معادلات الشرق الأوسط، وفي الوقت نفسه وضعها في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وحلفائها، وعلى رأسهم إسرائيل.
بعد أكثر من ثلاثة عقود في موقع المرشد الأعلى، أصبح خامنئي أكثر من مجرد شخصية محورية في النظام الإيراني، فهو الرمز الأكبر الحيّ لرؤية وكينونة الثورة الإيرانية نفسها، وصاحب التأثير الأوسع في توجيه مسارها التاريخي وطموحها الإقليمي والديني التوسعي. فهو القائد الأعلى الذي يوازن بين مؤسسات الدولة المختلفة، ويحتفظ بسلطات دستورية واسعة تجعله فوق السلطات التنفيذية والتشريعية. وبينما تتبدل الحكومات والرؤساء داخل إيران، يبقى موقعه ثابتاً، ما يمنحه استمراريةً نادرةً في نظام سياسي يشهد تحوّلات داخليةً ويتعرض لضغوط خارجية متلاحقة.
بهذا المعنى، لا يمكن قراءة سياسات إيران المعاصرة، سواء في ما يتعلق بملفها النووي أو حضورها الإقليمي أو علاقتها المتوترة مع الولايات المتحدة، من دون التوقف عند شخصية خامنئي وخياراته. فهو ليس مجرد رجل دين تولّى منصباً دستورياً، بل مهندس مرحلة كاملة من تاريخ الجمهورية الإسلامية والمنطقة، وصاحب الدور الحاسم في تحويلها من نظام ثوري ناشئ إلى دولة ذات مشروع إقليمي واضح المعالم.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
