أطفال "الحشومة"... الغوص في القصص "المُظلمة" لضحايا العنف الجنسي في المغرب

الأربعاء 5 مايو 202111:37 ص

"كان يقوم بذلك الفعل". هكذا بدأت صفيّة بسرد وقائع ما حدث لها، غائصةً في أعماق جرح نفسي خلّفه اعتداء جنسي عليها امتدت آثاره لسنوات ولم تندمل بعد. طيف "الحاج" السبعيني الذي اعتدى عليها يرافقها حتى في مناماتها. أحياناً، يأتيها بلباس أبيض ناصع حاملاً سكيناً، وأحياناً أخرى ينتشلها والدها من أحضانه. هذا ما ترويه وهي تعيد تركيب أحلام وكوابيس مزعجة تزورها من حين إلى آخر.

صفية البالغة من العمر عشر سنوات هي ضحية عنف جنسي من طرف جارها الذي يكبرها بستين سنة. كان يغتصبها كلما سنحت له الفرصة بعد استدراجها إلى منزله، على بعد مترين فقط من بيت أسرتها، في أحد أزقة حيّ مديونة القروي، في العاصمة الاقتصادية للمغرب، الدار البيضاء.

"الوقار" الذي يُظهره "الحاج" السبعيني، القاطن بجوار أسرة صفية، لم يلفت انتباه أحد. لا أحد كان يعرف عن استدراجها إلى داخل بيته، عبر منحها الفواكه أو السكاكر أو النقود، كلما سنحت له الفرصة لذلك، ولا أحد كان يعرف أنه كان يهددها برميها من النافذة لو فكّرت في إخبار أحد عن هذه الممارسات.

تقول أم صفية: "الحاج كان يغتصب طفلتي، منذ كانت تبلغ من العمر سنتين، ولم نكتشف هذه الوقائع إلا عندما بدأت الطفلة تكبر وتطفو عليها آثار الاعتداء. أصبحت مُدرّستها ترتاب من تصرفاتها وتأخرها المستمر عن الالتحاق بالفصل، فكان ذلك المفتاح الوحيد لاكتشافي سلسلة الاعتداءات التي وقعت ضحيتها".

عوامل عدة جعلت صفية تقع فريسة بين أنياب المعتدي، منها موقع مكان سكنها في حي "مديونة" الذي يتوزع بين الأطراف الجنوبية للدار البيضاء، وبالضبط في زقاق شعبي بالكاد يبلغ عرضه مترين، بالإضافة إلى انشغال الجميع: فالأب موظف عام يخرج إلى العمل باكراً ولا يعود إلا في وقت متأخر من الليل، وشقيقها الأكبر سناً يظل هو الآخر منشغلاً في دوامة العمل، بينما تبقى الأم حاضنة رضيعها الصغير.

منزل الأسرة يتألف من طابقين ومساحته 50 متراً مربعاً، وغرفة الأب والأم في الطابق الأول وبيت الأطفال في الطابق السفلي، فيما صفية، الطفلة الوحيدة، تلعب غالباً مع صديقاتها أمام المنزل، ما سهّل على المعتدي استدراجها إلى بيته المكوَّن بنفس الهندسة المعمارية والمجاور لمنزل أسرة صفية، متلصصاً على حركتها من نافذة منزله الذي يقيم فيه وحده، ثم يستدرجها إلى داخله ويقتادها إلى غرفة نومه.

تتذكر صفية بيت المعتدي بكل تفاصيله الدقيقة. "أتذكر كل ما يوجد فيه. في الأسفل سجادة الصلاة، وفي البيت العلوي الذي يقتادني إليه لديه سرير كبير كالذي يوجد لدى والديّ".

بعد حديث المدرّسة عن تغيّر تصرفات الطفلة، تأكدت الوالدة أكثر مما حصل عندما عثرت في حوزتها على بعض النقود، "ولما استفسرت منها عنها قالت: أعطاها لي الحاج".

تقول الأم، وهي توزّع نظراتها من وراء الخمار، إنه بعد تأكدها من الاعتداء على ابنتها، لم تجد سبيلاً إلى إخبار زوجها، خشية بطشه من جهة، وخشيةً من بيئة "الحشومة" من جهة ثانية، فالأسرة محافظة، ما جعل أزمة الصغيرة تتعمق شيئاً فشيئاً في غفلة من الجميع، وتفقد التركيز داخل الفصل الدراسي، وصارت تصرفاتها تتغيّر مع أمها وصارت العزلة تلازمها.

تفاقم تأثير الأزمة على الطفلة هو ما دفع الأم أخيراً إلى البوح للأب بالسر، بعد مدة من التردد، ومنذ تلك اللحظة باتت الانتكاسة سيدة الموقف في منزلهما وباتت علب الأدوية تملأ أرجاء البيت. تقول الأم: "تغيّرت حياتي كلياً واستفحلت أمراض زوجي من السكري والقلب وضغط الدم، وزادت المعاناة بسبب التنقل بين المحاكم ودوائر الشرطة، فبعد اكتشافنا للواقعة توجهنا لتقديم شكوى، وتم الاستماع إلينا بشكل جماعي، وبعدها حوّلونا أمام وكيل الملك، مروراً بقاضي التحقيق، قبل الدخول في جلسات استغرقت نحو شهر إلى أن نطق القاضي بالحكم النهائي بسجن المعتدي خمس سنوات".

لم تكد الأمور تسلك المسار أعلاه حتى تفاجأت الأسرة بخبر إطلاق سراح الجاني، ولم يكن قد قضى من عقوبته السجنية سوى أقل من سنتين، بفعل صدور قرار تخفيف الاكتظاظ في السجون، نتيجة مخاوف من تسلل فيروس "كورونا" إليها، فالمتهم من الأشخاص الطاعنين في السن.

جرى ذلك "بدون مراعاة ظروف ابنتي التي تعيش وسط دوامة من الكوابيس والعقد النفسية وأصبحت تميل إلى الحيوانات الأليفة أكثر من أي شيء آخر"، تقول الأم وتضيف: "أمراض ابنتي ستستفحل أكثر".

قصة الحيوانات الأليفة التي ذكرتها الأم أضحت هاجساً مخيفاً لدى الأب أيضاً. منذ الاعتداء الجنسي عليها، أضحت الطفلة لصيقة بصوص دجاج يلاحقها في كل أرجاء البيت، وتميل إليه بشدة أكثر من غيره، وأصبح مؤنسها الوحيد. حتى صديقاتها لم تعد تجالسهن بسبب تعرضها للتنمر من قبل زملائها في الفصل الدراسي.

تغيّر الكثير في الطفلة. كانت تحلم بأن تصبح مدرّسة، إلا أنها اليوم تحلم بأن تصبح قاضية، ربما لتستعيد شيئاً من كبرياء طفولتها الذي حطمه السبعيني، والاقتصاص من المعتدين على الأطفال. "أريد أن أكون قاضية لأحكم بالعدل"، تقول

تلقي الطفلة باللوم على والدتها. تقول لها: "لقد دمّرتِ حياتي منذ إخبارك لوالدي بما تعرّضت له". هذا ما تقوله الأم، وهي تسرد تفاصيل سلوكيات غريبة باتت تظهر على طفلتها.

تغيّر الكثير فيها. كانت تحلم بأن تصبح مدرّسة، إلا أنها اليوم تحلم بأن تصبح قاضية، ربما لتستعيد شيئاً من كبرياء طفولتها الذي حطمه السبعيني، والاقتصاص من المعتدين على الأطفال. "أريد أن أكون قاضية لأحكم بالعدل"، تقول.

رغم أن صفية تعرّضت للاعتداء الجنسي، واغتُصبت مراراً وهُدّدت وجرى خلع ملابسها وتلمّس مناطقها الحميمة، فإنها لم تحصل سوى مرتين على استشارة نفسية، أولاهما بعيد اكتشاف الأسرة ما حدث، حين أُخذت عند طبيب أطفال في "المركز الطبي الجامعي ابن رشد" في الدار البيضاء في 28 تشرين الأول/ أكتوبر 2018، وثانيتهما في الرابع من كانون الثاني/ يناير 2019، عندما زارت نفس الطبيب، قبل أن تنقطع عن متابعة العلاج.

الطبيب المتابع لحالتها لم يدوّن في الدفتر الخاص به أية ملاحظات حول مدى نجاح الجلسات من عدمها، أو طبيعة معاناة الطفلة أو قابليتها للعلاج. يخلو ما دوّنه من أية تفاصيل سوى تاريخ المقابلتين.

تقول الأسرة متوسطة الدخل، والتي يعيلها شخص واحد هو الأب، إن من أسباب هذا الانقطاع وجود عامل المسافة بين منطقة سكنها والمستشفى الجامعي للأطفال، والذي يبعد عنهم 20 كيلومتراً، ثم غياب التوجيه والتوعية حول أهمية الطب النفسي، ناهيك عن التكلفة المرتفعة في القطاع الخاص، إذ يبلغ سعر الجلسة الواحدة بين300 درهم (نحو 30 دولاراً) و500 درهم (نحو 50 دولاراً)، كما تغيب المراكز الطبية الحكومية المتخصصة في المتابعة النفسية على مستوى التجمعات السكنية.

حسب آخر الأرقام التي أصدرتها وزارة الصحة حول المراكز الطبية المتخصصة في الطب النفسي، عام 2017، لم تعمل الوزارة سوى على توظيف خمسة أطباء مختصين في الطب النفسي للأطفال. وهؤلاء يعيَّنون غالباً في المستشفيات الرئيسية للمدن، مثل "المركز الطبي الجامعي ابن رشد"، والذي يستقبل نحو 500 طفل ومراهق شهرياً، ما يحرم ضحايا العنف الجنسي القاطنين في هامش المدن من فرصة العلاج النفسي والمتابعة الدورية، كحالة صفية.

جلستا الاستماع النفسي للطفلة صفية كانتا "روتينيتين" فقط، بحسب الأب، "فمجمل الأسئلة في الجلسة كانت تدور حول التوجيه وإسداء النصائح والتوصيات وتوخي الحذر مستقبلاً".

يمكنك مشاهدة نسخة مصوّرة من هذا التقرير:

هذه الطريقة ينتقدها الدكتور نور الدين دحمان، أخصائي نفسي في طب الأطفال في طنجة. يقول إن "الاستماع إلى الطفل يجب أن يمر بمراحل عديدة، فالأطفال الذين يتعرضون لاعتداءات مطوّلة يتعرضون لشخصية تدميرية، ويصعب كثيراً مساعدتهم بطريقة ناجحة، كما أن تجربة المختصين ضعيفة، فهناك اختصاص داخل اختصاص، ويجب أن تكون هناك طواقم خاصة لهذا الغرض".

محامي صفية يوسف غريب، وهو أيضاً محامي جمعية "ماتقيش (لا تلمس) ولادي لحماية الطفولة"، يعتبر بدوره أن غياب المتابعة النفسية لـ"أطفال الحشومة" بات يطرق بشدة الضمير الوطني والعالمي.

و"الحشومة" بالمحكية المغربية تعني "العيب" أو "العار"، ويُقصد بـ"أطفال الحشومة" الأطفال الذين تعرضوا لاعتداءات جنسية في المغرب ولا يستطيعون البوح بالأمر لأن أسرهم تعتبر أن الحديث عمّا ارتُكب بحقهم هو "حشومة"، أي عيب، فيقعون ضحيةً لهذا المفهوم، ويعانون بصمت.

ويضيف غريب: "نصطدم بعدد من العائلات التي يتعرض أبناؤها للعنف الجنسي دون عرضهم على طبيب نفسي بعد الحادثة، ولا بد من تدخل الدولة لبناء مراكز خاصة تتضمن طواقم طبية وأخصائيين نفسيين".

ضحية اعتداء من عمّه

قصة صفية لا تختلف كثيراً عن قصة "أمير"، ذي السنوات الست، والقاطن في جنوب أكادير، وبالضبط في منطقة آيت عميرة التي تبعد عن المدينة 54 كيلومتراً، وهو ضحية اعتداء جنسي من أقربائه، وتسببت الظروف المزرية التي تعيش فيها والدته، وطلاقها من أبيه، في تعميق أزمته النفسية.

تعرّض "أمير" لعنف جنسي، وظلّ حبيس منطق "الحشومة" طيلة أشهر. قصته تتشابك مع قصة صفية من حيث اكتشاف الأم للواقعة بعد مرور مدة غير قصيرة على وقوع الاعتداء، وبعد ظهور سلوكيات غريبة صادرة عنه، حسب قول والدته.

"كانا يقومان بذلك ‘الفعل’ باستعمال هذا السيروم وكنت أصرخ، وحينما ينتهي عمي نور الدين، يبدأ عمي الآخر. أريد القبض عليهما لقتلهما"

تحكي سعيدة، والدة أمير: "لم أكتشف واقعة الاعتداء سوى حين زرت شقيقتي، فما أن عاين أمير قارورة ‘سيروم’ (محلول) تُستعمل لفتح الشهية كانت موضوعة فوق التلفاز، حتى توجه إليها بإصبعه بالكثير من الدهشة قائلاً: "ماما ماما، إنه السيروم الذي أشربه عند عمي". كان ذلك مفتاحاً لكشف تعرّض الطفل للاعتداء الجنسي بشكل مستمر حين كان عند والده في قرية "جمعة السحيم" في نواحي مدينة آسفي وسط المغرب.

تعليق الطفل العفوي قاد الأم لاكتشاف تعرّضه لاعتداء جنسي بعد إعطائه دواءً منوّماً على شكل محلول (سيروم). ضغطت على طفلها، فحكى لها فصول ما تعرّض له وأخبرها أن عمّه وابن عمّه كانا يعتديان عليه بشكل مستمر، ما تسبب له بالتهابات في مخرجه.

وروت الوالدة أن المعتدييْن كانا يستدرجانه إلى الجبل أثناء رعي الغنم، ويغتصبانه، ويلجآن تارة إلى إعطائه منوّماً لتفادي صراخه، وتارة أخرى يكون الأمر عن طيب خاطر، بفعل التكرار الذي أصبح يألفه الطفل شيئاً فشيئاً، حتى أضحى يلبّي رغباتهما حين ينفردان به.

يقول أمير: "كانا يقومان بذلك ‘الفعل’ باستعمال هذا السيروم وكنت أصرخ، وحينما ينتهي عمي نور الدين، يبدأ عمي الآخر (في إشارة منه إلى ابن عمّه مصطفى). أريد القبض عليهما لقتلهما". هذا مجمل ما استطاع أمير البوح به.

تروي سعيدة البالغة من العمر 31 سنة أنها لاحظت قبل ذلك تغيرات في تصرفات طفلها مثل سرعة دخوله إلى الحمام كلما شعر بضرورة قضاء حاجته، ثم ضبطه برفقة شقيقه الأصغر وهما عاريين ويشرعان في تمثيل ممارسة الجنس، ما صدمها وقلب حياتها رأساً على عقب.

يقطن أمير اليوم رفقة أمه المطلقة من أبيه في حي هامشي في آيت عميرة، مع شقيقه البالغ من العمر خمس سنوات. يزيد الفقر من معاناتهم المادية، وتتعمّق أزمتهم يوماً بعد يوم، بفعل هذا الاعتداء الجنسي.

بيتهم بالكاد تجد فيه مكاناً للجلوس، فقد لجأت الأم إلى بيع معظم الأثاث نتيجة أزمة مالية خانقة، ولم يتبقَّ لهم سوى بعض الأفرشة وبعض مستلزمات المطبخ.

وتقول سعيدة التي لا يفارقها الحزن والبكاء إن خروجها من المنزل للتوجه إلى العمل أضحى يثير الخوف في نفسها من تكرار الاعتداء على طفلها، ما دفعها إلى عرض منزلها للبيع وكتابة رقمها الهاتفي على جدرانه أملاً في أن تجد مَن يشتريه، حتى تتمكّن من دفع تكاليف المحامين والقبض على المعتدين على ابنها، ومتابعته نفسياً وإكمال دراسة طفليها. "كنت أنتظر منه مستقبلاً واعداً لإنقاذي من هذه الوضعية المزرية التي أعيشها، فإذا بي أتفاجأ بتدمير مستقبله ومستقبلي أيضاً. أصبح التفكك يلازمنا"، تقول.

عينا أمير باتتا تشككان في كل رجل يلتقيه، حتى أن أبناء الجيران الشباب باتوا يشكّلون كابوساً له ولأمه، من معاودة التربص به والاعتداء عليه، وسط مجتمع ينظر قسم منه إلى ضحايا العنف الجنسي بكثير من الشفقة ويدفع آخرين إلى استسهال استغلاله مرة ثانية، خاصةً أن الحي الذي يقطنانه يُصنَّف ضمن المناطق المحفوفة بالمخاطر، في جهة سوس ماسة.

قصة الطفل أمير، وصلت إلى القضاء مطلع حزيران/ يونيو 2020، بعد تسعة أشهر من الاعتداء عليه في تشرين الأول/ أكتوبر 2019. تقدّمت الأم بشكوى إلى النيابة العامة سردت فيها تفاصيل واقعة العنف الجنسي ضد طفلها، وعبّرت فيها عن أملها بالقبض على المعتدين.

ترفض الطفلة أن تعاود الحديث عن سيناريو ما وقع لها بالضبط في الفراش مع والدها، كما ترفض حتى نعته بـ"بابا" أو حتى تسميته كنكرة. صارت تحب العزلة ولا تفارق والدتها. أحياناً تسأل صديقاتها في القرية: "هل والدك يمارس معك ذلك الفعل؟"

لم يُعرض أمير سوى مرة واحدة على المتابعة النفسية في عيادة خاصة، بسبب ظروف الأم المادية المزرية، كما أن أقرب مركز حكومي للأطفال يوجد في مستشفى الحسن الثاني، شرق أكادير، ويبعد عن آيت عميرة حوالي 41 كيلومتراً.

مئات قصص الاعتداء الجنسي على الأطفال تقع في جهة سوس ماسة. يؤكد تقرير تفصيلي لجمعية "نحمي ولدي" لحقوق الطفل، المؤازرة حقوقياً لأمير، أن "ظاهرة الاعتداءات الجنسية على الأطفال تتنامى بشكل كبير ومخيف، وتبيّن أن عدد الحالات التي تصدّر فيها الأقرباء لائحة المعتدين بلغت 30 في المئة من مجمل النسبة المئوية" التي أحصتها.

وعلى أساس 168 شكوى بوقوع اعتداء جنسي استقبلتها الجمعية منذ بداية نشاطها، في جهة سوس ماسة، ظهر أن الإناث أكثر عرضة للاعتداء الجنسي من الذكور، إذ كانت نسبتهنّ 60% من المجمل.

كما ظهر أن 2% من الاعتداءات ارتُكبت بحق أطفال عمرهم بين ستة أشهر وسنة ونصف، 20% بحق أطفال بين سنتين وست سنوات، 40% بحق أطفال بين سبع و12 سنة، و38% بحق أطفال بين 13 و18 سنة.

وكشفت دراسة أشرفت عليها لجنة ضمت ممثلين عن وزارة العدل والحريات ووزارة الصحة والإدارة العامة للأمن الوطني والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، أن بين سنتي 2010 و2012، صُنّفت 26% من إجمالي حالات العنف المسجلة في المغرب في خانة العنف الجنسي.

وبحسب التقرير نفسه، سُجلت لدى الدوائر الأمنية، بين سنتي 2007 و2012، 11599 حالة عنف جنسي بحق قاصرين، بينهم 16% تعرضوا للعنف داخل الأوساط الأسرية، و67% تعرضوا للعنف خارج المنزل.

وفي التقرير الذي تصدره وزارة العدل سنوياً ويتضمّن إحصاءات رسمية تستند إلى ما تسجّله المحاكم، تظهر 2403 حالة عنف جنسي ضد الأطفال عام 2017.

"طفولة جريحة"

من القصص التي تابعتها جمعية "نحمي ولدي"، في سياق عملها على قضايا العنف الجنسي في سوس ماسة، قصة شاب اسمه عزيز، يعيش في مدينة أكادير ويبلغ حالياً من العمر 31 سنة.

يجرّ عزيز وراءه طفولة جريحة. يسرد وقائع ما تعرّض له ويقول: "حين كنت طفلاً في الـ14 من عمري، وكجميع الأطفال المهووسين باللعب واللهو، كنت ألعب في حديقة مجاورة لحينا، حين باغتني ثلاثة أشخاص في مقتبل العمر، ووضعوا سكيناً على عنقي، واقتادوني باتجاه غابة خارج المدينة، وظلوا يمارسون عليّ الجنس بكل أنواعه، حتى ساعات الليل، دون شفقة ولا رحمة".

يواصل عزيز الحديث: "بعد أن اعتدوا عليّ، تركوني في الخلاء، وقطعت مسافة طويلة حتى عثرت على الطريق المؤدّي إلى منزلي، إلا أني لما توجهت إلى المنزل، لم يعرني والدي أي اهتمام، فبعد أن أخبرته بما جرى معي، توجه في الصباح إلى عمله كالعادة وكأن شيئاً لم يقع"، ويضيف: "لم أذهب إلى الأمن لطلب معاقبة المعتدين، ولم أُعرض على الطب النفسي لعلاجي من الصدمة النفسية".

ويتابع: "دخلت في حالة اكتئاب حادة، وأصبحت لا أخرج من بيتي"، ما جعل والدته تعرضه على الفقهاء، ظناً منها أنه مسحور ولما تدهورت حالته النفسية، طرده والده من المنزل، وتشرد في شوارع المدينة، وتعرض خلال تشرّده لاعتداء جنسي ثانٍ تسبب له في جرح غائر بواسطة السكين في وجهه لمّا حاول مقاومة المعتدين.

صار الشاب يعيش في عزلة تامة عن الجميع. لا يجالس أحداً وينزوي في بيت شقيقته، و"حتى في العمل يرفضون قبولي، لوجود آثار جرح غائر بالسكين في وجهي. في بعض الأحيان أفكر في الانتحار أو الانتقام من الأشخاص الذين اغتصبوني، وقد لمحت مؤخراً اثنين منهم، يعملان في محل لتصليح السيارات".

بالعودة إلى تقرير جمعية نحمي ولدي، فإن "هيمنة منطق حشومة’ و‘عيب’ و‘عار’ يخلق شرخاً في العلاقة بين الأطفال وأسرهم"، وهذا أحد أسباب ظاهرة العنف الجنسي تجاه الأطفال، بجانب أسباب أخرى هي الفقر (60% من الأطفال الذين تعرضوا للاعتداء الجنسي من الطبقة الفقيرة)، التفكك الأسري، فتح وسائل التواصل الاجتماعي باباً للتغرير بضحايا، غياب الحماية والمراقبة داخل وخارج المؤسسات العمومية وشبه العمومية، وضعف القوانين التجريمية للاعتداءات الجنسية ضد الأطفال.

ولا يوجد أي قانون في المغرب يلزم الأسر بعرض أطفالها ضحايا الاعتداء الجنسي على الطب النفسي العمومي، باستثناء ظهير 30 أبريل 1959 (قانون صادر بأمر ملكي) الخاص بالصحة النفسية، والذي لم يطله أي تغيير منذ إقراره، رغم تعاقب 30 وزيراً على حقيبة الصحة.

وأشار تقرير للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، وهو منظمة حكومية، إلى "تقادم الإطار القانوني الوطني المرتبط بوضعية الطب النفسي إلى حد عدم ملاءمته للواقع الحالي"، كما رصد "غياب تكفل خاص وحماية لفئات الأطفال". كان ذلك عام 2012. الآن، تقادم الإطار أكثر، ما يتطلّب البحث عن صيغ جديدة لقوانين تواكب الأطفال ضحايا الاعتداءات الجنسية.

"الجريمة الكبرى"

الطفلة خولة (13 سنة)، من قرية شراقة التي تبعد حوالي 27 كيلومتراً عن مدينة طنجة، شمال المغرب، لم تتعرّض فقط لاعتداء جنسي بل لـ"زنا المحارم"، أي "اعتداء ضد الأصول"، بحسب تعبير القانون، فالمعتدي في حالتها ليس سوى الأب.

"أكره والدي ولا أطيق رؤيته مدى الحياة، ولا أريد أن يخرج أصلاً من السجن". هذا كل ما استطاعت خولة أن تقوله عن والدها الذي اعتدى عليها جنسياً مرات كثيرة، وعاشرها معاشرة الأزواج. تجهش بالبكاء وهي تعيد تذكّر شريط العنف الجنسي الذي تحاول نسيانه بالرسومات الهندسية وفن الديكور المنزلي، إذ تحلم بأن تصير مهندسة.

هذه "الجريمة الكبرى والخبيثة"، بحسب وصف والدة خولة، أدخلت حياة الأسرة في نفق مظلم، فالأب يتواجد وراء القضبان بعد شكوى رفعتها الأم وأسرتها ضده إثر اكتشاف واقعة الاعتداء.

طلبت الأم الطلاق، وهي تعيش مع والدتها بمعية صغارها وتقتسم معهم الغرف. تقول الأم إنها رغم تعرضها طيلة 14 سنة من الزواج لكافة أنواع الضرب والتنكيل على يد زوجها، إلا أن ذلك لم يجعلها تفكر يوماً في طلب الطلاق وتشريد أسرتها. ولكن "الجريمة الكبرى" فرضت ذلك.

اكتشفت قبل يوم واحد من حلول شهر رمضان سنة 2018 حادثة الاعتداء على فلذة كبدها، على فراشها الزوجية. اكتشفت أن زوجها مارس الجنس مع ابنتهما ثلاث مرات بشكل متتابع سطحياً.

كانت الطفلة قد أخبرتها سابقاً بما تتعرض له لكنها لم تصدّقها. وفي أحد الأيام، توجهت لزيارة والدها الذي يقطن على مقربة منها، وحوالي الساعة الثانية بعد الظهر، و"أثناء عودتي على بغتة إلى المنزل، وجدت خولة تستعد للمغادرة إلى المدرسة، مصدومة، وأزرار قميصها غير مرتبة كما هو معتاد قبل الخروج إلى الفصل، ولما استفسرت منها عن هذا المشهد، أشارت بإصبعها إلى غرفة النوم بكثير من الذهول، ومن شدة الصدمة أُصبت بالحيرة، وحبست أنفاسي، ودخلت إلى الغرفة، ونظرت في عينيه، فلاحظت شيئاً غير طبيعي، فتوجهت إلى المطبخ، كأن شيئاً لم يحدث".

وتضيف الأم: "حاولت بعد ذلك استكشاف ما جرى دون إثارة انتباهه. عثرت على منشفة في غرفة النوم عليها سائل لزج، وكان ذلك القشة التي قصمت ظهر البعير". في اليوم التالي توجهَت إلى بيت أسرتها، وبعدها قامت بتقديم شكوى لدى النيابة العامة.

مباشرة بعد استدعاء الأب وخولة لإجراء مقابلة بينهما لدى الدرك الملكي، انهار الوالد واعترف بما جرى، ليتم تقديمه إلى المحكمة حيث دخل الملف أطواراً أخرى.

قابلَت خولة والدها أمام القاضي مرتين ولكنها لم تستطع النظر في عينيه جراء ما خلّفه فيها من آلام ومعاناة وجرح يصعب نسيانه. تعاني الطفلة من أزمة نفسية. ما تعرّضت له يلازمها في كل حين. ترفض أن تعاود الحديث عن سيناريو ما وقع لها بالضبط في الفراش مع والدها، كما ترفض حتى نعته بـ"بابا" أو حتى تسميته كنكرة. صارت تحب العزلة ولا تفارق والدتها، وتدخل في لحظات من التوتر وعدم التركيز، وتوزّع النظرات بنوع من الشك والريبة على كل الغرباء، إلى درجة قول الأم إنها أصبحت أحياناً تسأل صديقاتها في القرية: "هل والدك يمارس معك ذلك الفعل؟".

لم تُعرض خولة على أي طبيب أخصائي رغم مرور أكثر من سنتين على اكتشاف الاعتداء عليها، بسبب الظروف المادية وبُعد المراكز المختصة وغياب الموجّه، ما زاد من تعميق أزمتها النفسية. تأثّرت دراستها بشكل سلبي. تجد صعوبة في التركيز داخل الفصل في السنة السابعة إعدادي، وبسبب ترددها على مقر الدرك الملكي والمحكمة، رسبت وأعادت السنة الدراسية الماضية.

استمر إخضاع الطفلة لتحقيقات مطولاً، لاستكشاف معالم "الجريمة الكبرى" وأُجريت مقابلة بينها وبين الأب وطُلب منها تقديم أوصاف جسدية له. استغرقت هذه التحقيقات نحو سبعة أشهر، وفي شهر حزيران/ يونيو 2019 صدر الحكم على الوالد بخمس سنوات حبساً.

تعمل الأم في شركة للنسيج وتحاول براتبها الشهري الزهيد الذي لا تتجاوز 2800 درهم (حوالي 280 دولاراً) دفع مستحقات المدرسة ومستلزمات أطفالها. لم تتلقَّ أية مساعدة أو توجيه من الجهات الحكومية بعد الحكم على الوالد.

تتوجس من مرحلة ما بعد خروج الأب من السجن، وتتساءل كيف سيتصرف معها ومع أبنائها بعد أن تطلقت منه بأمر من المحكمة وبرغبة منها. أما خولة، فتتأثر بكل محيطها وبنظرة الأسرة والمجتمع إليها، منذ شيوع خبر الاعتداء عليها من طرف مَن يُفترض أن يكون أقرب المقربين منها.

ساهم ضعف الطب النفسي في التأثير بشكل سلبي وخطير على كل الضحايا. وكل واحد ممّن رووا قصصهم لنا يفكر في الانتقام بطريقته من المعتدين، بسبب إفلاتهم من العقاب أو تراخي الأحكام عليهم أو خروجهم المبكر من السجن. منهم مَن يريد قتل المعتدي ومنهم مَن يريد أن يصير قاضياً ليحكم بـ"العدل"، وليستعيد شيئاً من كبرياء طفولته.

فقد الأطفال ابتسامتهم البريئة. لا يستطيعون الحديث عمّا يعانون منه. ينعتون المعتدين عليهم بـ"فاعلين لداكشي"، أي يقومون بذلك الفعل الجنسي، دون قدرتهم على تسميته، ويُمنع عليهم معاودة الحديث عمّا جرى، ويبقى"النسيان" هو السبيل الوحيد في نظر الأسر.

لم ينصّ القانون الجنائي المغربي على عبارة "الاعتداءات الجنسية على الأطفال" أو "الاستغلال الجنسي للأطفال". يقتصر على ذكر عبارة "هتك العرض" أو "محاولة هتك العرض"، ويرد مصطلح "الاغتصاب" فقط إذا كانت الضحية أنثى.

"لم نستطع التتبع النفسي لدى الطبيب، بحكم سعر الجلسات، فوالدي لا يستطيع الدفع في كل مرة"، تقول الطفلة صفية. تكاليف أخرى كثيرة تُفرض على الأسر وترهق كاهلها، منها تكاليف استخراج الشهادة الطبية، والتنقلات إلى مراكز الأمن والمحاكم، وأتعاب المحامين، ومصاريف الملفات...

تلقى هذه الأعباء على الأسر الفقيرة في ظل غياب وسيط حكومي، فوزارة التضامن والتنمية الاجتماعية والأسرة، الوصيّة بشكل مباشر على ملفات هؤلاء الأطفال اجتماعياً، تغيب عن المشهد، بإجماع شهادات الأسر والمحامين والحقوقيين.

طلبنا من الوزارة التعليق لكنها تجاهلت الطلب. نفس الأمر جرى مع وزارة الصحة بخصوص الشق المرتبط بـ"ضعف" الطب النفسي: تسلم مكتب الضبط في مقرها في العاصمة الرباط الطلب، غير أنه لم يرد.

للاستماع إلى نسخة مختصرة من هذا التقرير:

*أنجز  هذا التحقيق بدعم من مؤسسة  "كانديد".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard