من

من "11 سبتمبر" إلى سقوط المرشد… اللعبة انتهت

رأي نحن والتطرف

الأحد 1 مارس 20269 دقائق للقراءة

اتكأت إستراتيجية الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة الأمريكية على دراسات الطاقة الصادرة في بداية العقد الأوّل من الألفية، والتي تؤكد أنّ عصر النفط انتهى في ظلّ تطور أدوات استخراج الطاقة من الصخر الزيتي بشكل اقتصادي ومجدٍ. رافقت ذلك تطمينات شهدها عالم الطاقة الخضراء التي كانت في صلب أجندة التيار الليبرالي الصاعد بكلّ قوّة في حينه، والذي دفع أنصاره بكل ما أمكنهم إلى التوسع في مجالات الطاقة البديلة.

انهيار قيمة الشرق الأوسط الإستراتيجية

صارت حزم التمويل والمساعدات الأمريكية ومعها المساعدات القادمة من أوروبا الغربية لدول العالم الثالث، مشروطةً بمراعاة قضايا البيئة والتغير المناخي، وتالياً استخدام مصادر طاقة خضراء.

هذا التغيّر الذي يظهر بشكل مسالم وبسيط في إستراتيجية الطاقة، انعكس بشكل جوهري على كلّ تفاصيل حياتنا، وقَلَب موازين العالم، وجعل صانع القرار الأمريكي يحسم قضايا العالم من منظور جديد.

تغيّر في إستراتيجيات الطاقة هوى بأسهم الدول العربية سياسياً، وتحديداً الدول النفطية، ونقلها من مقعد الشريك لكونها مستودع النفط العالمي إلى مجرد ورقة تفاوض جغرافي على الخريطة في عهد الليبراليين الجدد.

هكذا وبعد أن بلغ تواجد القوات الأميركية ذورته في بلاد الرافدين عام 2007، بانتشار 170 ألف جندي، بقي نحو 50 ألفاً منهم حتى صيف عام 2010 في ظل ظروف أمنية متدهورة وصراعات سياسية واجتماعية وضعت البلاد على شفير الحرب الأهلية الطائفية في ظل توسع عمل المليشيات الطائفية وتصاعد انتشار القاعدة وتسليم السلطة في البلاد لرجل إيران؛ نوري المالكي.

وبذلك كانت الرافعة الأولى للنظرية قد أُنجزت، ومع كل جندي أمريكي يغادر كان الحرس الثوري الإيراني يستبدله بأحد عناصره أو بالأدوات التابعة له، فصعد نجم "فيلق القدس" وتنظيم كتائب حزب الله فرع العراق بعد لبنان، وعصائب أهل الحق وهيئة الحشد الشعبي وسرايا طليعة الخرساني. وهكذا قُدّم العراق لإيران على طبق من ذهب.

مع كل جندي أمريكي يغادر كان الحرس الثوري الإيراني يستبدله بأحد عناصره أو أدواته، فصعد نجم "فيلق القدس" و"كتائب حزب الله" فرع العراق، و"عصائب أهل الحق" و"الحشد الشعبي" و"سرايا طليعة الخرساني". وقُدّم العراق لإيران على طبق من ذهب

هذا التغير في المنظور أشبه بدفع حجر دومينو صغير في أقصى مغرب الأرض وعينه على سلسلة سقوط سيُسمع صداها في مشرقها. الحديث هنا عن التفرغ لمواجهة الصين، بحسب تصريحات الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما في حينها، والتي يقول فيها: "إنّ عقوداً طويلةً من الحضور الفاعل في المنطقة تشتت الانتباه فيها عن التركيز على الصين والولايات المتحدة منذ أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001، أنفقت خلالها أمريكا ما يعادل 15% من ناتجها المحلي الإجمالي أو ما يعادل أكثر من ثلاثة تريليونات دولار".

التوسّع في نظريات الفراغ

كانت فكرة تبدّل معايير الطاقة العالمية التي دفع بها الديمقراطيون بحاجة إلى مزيد من التفنيد والحجج والبراهين الداعمة لرفعها لمستوى النظرية وتحويلها إلى خطة إجرائية قابلة للتنفيذ في دولة تدير العالم على قاعدة البترو دولار!

الأمر معقّد جداً ولكن كان لأوباما وخطاباته وروافعه الإعلامية أثر السحر على جمهوره، بحيث نجح في نقل فكرة الانسحاب الأمريكي من الخارج وترك ساحات الدول التي اجتاحها الجيش الأمريكي دون قيد أو شرط، وفي دول نفطية مهمة مثل العراق.

عندما أيقن صدّام حتمية النهاية قام بضرب إسرائيل لمحو صورة العدوان على الكويت من خلال ورقة فلسطين السحرية، بالطريقة ذاتها تناضل إيران لنقل الصراع إلى خارج حدودها.

هكذا وبعد أن بلغ تواجد القوات الأميركية ذورته في بلاد الرافدين عام 2007، بانتشار 170 ألف جندي، بقي نحو 50 ألفاً منهم حتى صيف عام 2010 في ظل ظروف أمنية متدهورة وصراعات سياسية واجتماعية وضعت البلاد على شفير الحرب الأهلية الطائفية في ظل توسع عمل المليشيات الطائفية وتصاعد انتشار القاعدة وتسليم السلطة في البلاد لرجل إيران؛ نوري المالكي.

وبذلك كانت الرافعة الأولى للنظرية قد أُنجزت، ومع كل جندي أمريكي يغادر كان الحرس الثوري الإيراني يستبدله بأحد عناصره أو بالأدوات التابعة له، فصعد نجم "فيلق القدس" وتنظيم كتائب حزب الله فرع العراق بعد لبنان، وعصائب أهل الحق وهيئة الحشد الشعبي وسرايا طليعة الخرساني. وهكذا قُدّم العراق لإيران على طبق من ذهب.

الخلطة السحرية

نعلم جميعنا كيف سقط ضبّاط حزب البعث العراقي من بروجهم العاجية التي شيّدوها بالحديد والنار، واستفاقوا على انهيار نظامهم الفاشي بشكل متسارع ومذلّ. انهيار بدأ بإسقاط تمثال المهيب الركن النحاسي في وسط بغداد، ولم ينتهِ بتعليق زعاماتهم على أعواد المشانق. مشاهد دموية كانت مغرقةً بالقهر والإحباط لفلول هذا المعسكر المتشرذم، فبتنا أمام كائنات مشبعة بأيدولوجيا القومية العربية التي تمّت تغذيتهم بها على مدار أعوام هيمنتهم على مفاصل التعليم والثقافة، وهم فئة مسلّحة ومدرّبة وتملك تمويلاً مالياً كبيراً من المقدرات المنهوبة التي ظفروا بها قبل انهيار هرم سلطتهم. فلول هذه الفئة بكل هذه المعطيات والإمكانيات يعانون من الانكسار والمطاردة والتشظي، وعلى خطّ موازٍ كان الهاربون من كهوف تورا بورا يعبرون إيران بمباركة الباسيج إلى العراق ليتشكل موطن جديد لتنظيم القاعدة الإرهابي في شمال العراق ووسطه.

خلطة ساحرة، خلاصة المقهورين من أيديولوجيا الإرهاب في أفغانستان وإلى يمينهم نمر البعث الجريح. وبما أنّ الطرف الأول بُني على قاعدة التشيّع السياسي فكان نتاج تلاقح فلول البعث السنّي مع تنظيم القاعدة السنّية ولادة مسخ داعش. وعليه تمّ نصب خيمة السيرك العراقي الكبيرة.

وفي خطّ موازٍ، كان ركن النظرية الثاني يقوم على فرضية تقول إنّ العالم المتحضر في صراع لا نهاية له مع تنظيمات الإسلام السياسي المتطرفة بسبب إمعان واشنطن ومن خلفها حلف الناتو بدعم الحكومات الاستبدادية في العالم العربي. وبهذا انطلقت مبادئ خطة الشرق الأوسط الجديد القائمة على وقف دعم الأنظمة الديكتاتورية في المنطقة بصفتها أنظمةً معيقةً للديمقراطية، ومراجعة سياسة أمريكا الداعمة لكثير من الأنظمة العربية، ودعم تطلعات الشعوب إلى الحرية. مبادئ نظرياً كانت مثاليةً وتتماهى مع تطلعات الشعوب في أي مكان في العالم وليس في العالم العربي وحده.

من الحجّاج إلى أبي العباس السفّاح

في تفاصيل الأحداث، تم قتل كل طموح الشعوب البائسة في المنطقة عملياً في اللحظة التي تم اختيار الشركاء والحلفاء فيها لنقل الأفكار إلى أرض الواقع. فقد تمّ ّاستثناء تركيا وإيران وإسرائيل من المساس ضمن خطة المشروع، ليرتقوا إلى رتبة الشركاء وتهبط باقي القطاعات البشرية إلى مستوى الحظائر ويمنح تنظيم الإخوان دور نابليون في "مزرعة الحيوان" الأوسطية الجديدة.

في ظلّ معطيات المشهد الإيراني البائس، من الواضح أنّ "اللعبة انتهت" ونجحت إسرائيل في التمهيد لاستكمال رؤية اليمين الصهيوني القائمة على تحويل المنطقة إلى كانتونات طائفية وإثنية تكون فيها إسرائيل بعمقها الديني هي القوة الحقيقية الفاعلة

غرقت المنطقة في بحر الدماء، وتصاعدت مفاهيم الانقسام والطائفية، وصارت لكلّ كلمة حافات حادّة تبرز بحسب عرق وطائفة من يستخدمها. عملت إيران على تعزيز لغة أبي العباس السفاح واستدعت نموذجه باقتدار، فيما انهمكت إسطنبول باستدعاء أرطغرل عبر بوابة الحجاج المبعوث من دمشق هذه المرة، لا من بغداد، وترك باقي الأعراق لإسرائيل.

بدأت إعادة تشكيل المنطقة من زوايا الوهم والموت. وفي اللحظة التي اعتقدت إيران فيها بأنها أكبر من شريك، تمّ حسم القرار بعودتها إلى حدودها الطبيعية وراء العراق بعد أن أنجزت دورها الدموي باقتدار.

عندما أيقن صدّام قبل أكثر من ثلاثين سنةً حتمية النهاية في حرب الخليج الثانية (1991)، قام بضرب إسرائيل بصواريخ "سكود"، ليظهر في حينها كعمل بطولي ضد العدو الصهيوني المتغطرس. كانت عملية تحمل في باطنها بعداً آخر لم يدركه الجمهور في حينه، يرمي إلى تغيير التركيز عن احتلال دولة عربية لدولة عربية ومحو صورة العدوان على الكويت من خلال ورقة فلسطين السحرية. بالطريقة ذاتها تناضل إيران لنقل الصراع إلى خارج حدودها من خلال إظهار نفسها كمقاوم لإسرائيل ومعادٍ لمشاريع الولايات المتحدة في المنطقة، ويبرز ذلك من خلال رشقات الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تحاول إظهارها كجزء من دفاعها عن الأمة.

ولكن الوقت لم يسعفها لتمسح دماء ضحايا قمع المظاهرات في إيران ذاتها، ولا مئات آلاف اليتامى والمشرّدين الذين خلّفهم قاسم سليماني وميليشيات الحرس الثوري في سوريا والعراق ولبنان واليمن وليبيا وسيناء. إرث طويل من الدم.

وبالحديث عن التجربة العراقية، يتداعى للذاكرة مشهد آخر سفير وممثل دائم للعراق في الأمم المتحدة في عهد نظام البعث الدكتور محمد الدوري، وهو يغادر مكسوراً ومطأطئ الرأس مبنى الأمم المتحدة في ربيع 2003، عقب سقوط بغداد، مردّداً أمام الكاميرات: "The game is over".

وفي ظلّ معطيات المشهد الإيراني البائس، من الواضح أنّ "اللعبة انتهت" ونجحت إسرائيل في التخلص من الشريك الأول تمهيداً لاستكمال رؤية اليمين الصهيوني المتطرف التي تلخّصها مقالة الأرض الموعودة للصحافي الإسرائيلي في "جيروزاليم بوست"، عوديد إينون، والقائمة على تحويل المنطقة إلى كانتونات طائفية وإثنية تكون فيها إسرائيل بعمقها الديني هي القوة الحقيقية الفاعلة في هذا المحيط المتشظي، وهو ما يجعل هذه الدولة الصهيونية العنصرية المرجعية الأخلاقية والشرعية لهذه الوحدات المتشكّلة على شاكلتها بعد عملية تفكيك دول الشرق الأوسط.




رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard
Popup Image