لماذا نحبّ يحيى الفخراني؟

الثلاثاء 7 أبريل 202003:44 م

لا نحتاج إلى دراسات ورؤى تحليلية تعدد أسباب حب المصريين للممثل الكبير يحيى الفخراني، وإن أردنا أن ندخل إلى عالمه فلن تكون شخصياته فقط هي أدواتنا إلى فهم أسرار محبته وتفضيله، لكنها وسامته.. نعم وسامته ستكون مدخلاً يفرض أولوياته. فهل يحيى الفخراني يتمتع بأي "معايير للوسامة العالمية"؟ إجابتنا ستكون لا، إذا نحّينا عينيه الملونتين... فهو صاحب أنف إفريقي مفلطح، جسد متهدل من السمنة وشعر خشن مجعد، لكنه باقتدار يحمل معايير الوسامة التي يتمناها المصريون، إنها معايير وسامة مستترة وظاهرة في آن.

فنحن المصريين، رجالاً ونساء، نحب بدانة "الفخراني"، نرى فيها نقصاً يكملنا ويمنحنا قدراً من الأحكام الكاذبة التي نصدقها من أننا نتسم بالرشاقة والخفة، بعكس ما نرغب فيه من ثقافة غذائية تعتمد على وفرة ما يغذي المعدة، لتعويض ما نقص من نصيب الفرد فينا من الحرية.

وربما نحب فيه صورة الجد الأنيق الذي نتمناه لأبنائنا: أرستقراطي باشاواتي تمثله قسمات "الفخراني" باقتدار.

ونحن المصريين نحب يحيى الفخراني لأنه ملوّن العينين، فنحن لا نفضل الأبيض والأسود، نميل إلى الملامح الغريبة عنا، خاصة إذا ما أوتينا وجهاً كوجهه الأحمر، في ظل غلبة ملامح السُّمرة في أجيالنا المتعاقبة بفعل الشمس والوراثة، وربما نحب فيه صورة الجد الأنيق الذي نتمناه لأبنائنا: أرستقراطي باشاواتي تمثله قسمات "الفخراني" باقتدار.

نحن المصريين نحب يحيى الفخراني لأنه كان محايداً قدر الإمكان، تماماً مثلنا. لم يُحسب على فصيل سياسي، لم يتحزَّب أصلاً، لم يذب إلا في شخصياته الدرامية. صحيح أنه أحياناً مال قليلاً إلى ما يمكن أن أسميه "الدولجي الحيادي" بشُكره الحكومة على جهودها من باب الموضوعية، لكن حتى في هذه نحبه من باب أحكامنا التي تستبعد كل ما هو سيئ في الرجل الكبير، وتلصق الذنوب فقط بمن حوله من حاشية ملوثة.

تحليل بنية وشكل "الفخراني" قد لا يكون الأدق في تناول أسرار تركيبة واحد من أهم ممثلي الدراما العربية، الذي صعد نجمه بشكل حقيقي في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، ولكنه علامة فارقة في ظني للوقوف على أسباب تجذر بعض الممثلين في نفوس المصريين دون غيرهم.

نحن المصريين نحب يحيى الفخراني لأنه كان محايداً قدر الإمكان، تماماً مثلنا. لم يُحسب على فصيل سياسي، لم يتحزَّب أصلاً، لم يذب إلا في شخصياته الدرامية

خيراُ فعلت الأقدار

لقد صادف يحيى الفخراني حظه العظيم في أداء شخصية "سليم البدري"، رجل الأعمال الأرستقراطي في مسلسل ليالي الحلمية، الذي كتب فيه أسامة أنور عكاشة تاريخ مصر والمصريين في نصف قرن، وكانت شخصية "سليم"، الممتدة على مدار أربعة أجزاء من الليالي، تمثّل نصف الأعمدة الخرسانية للبناء الدرامي للعمل، وقد احتملت شخصية سليم البدري أو شخصية الفخراني –لا فرق- مسؤولية واحد من أهم الأعمال الدرامية العربية، إن لم يكن أهمها، وتكاد المسافة بين الشخصية ومؤديها تنعدم في مخيلة الجمهور، فما إن يظهر الفخراني لا نتذكر إلا وجه سليم البدري، والعكس.

ومن المعروف أن الفنان محمود يس كان هو المرشح الأصلي للعب دور "سليم البدري" في ليالي الحلمية، على أن يكون الفخراني في دور العمدة "سليمان غانم"، وتم تغيير محل إقامة "الفخراني" في العمل ليسكن في دور الباشا سليم، لتجد في وجه الفخراني المستدير هذا بكل دسائسه ومغامراته وذكائه حالة من الهيبة والمحبة، حتى محبة الشر فيه، تلك المحبة انسحبت على تاريخ الممثل المؤدي للشخصية، لتتقبله في شخصيات أعمال أخرى رغم أنه كان بعيدا عنها فنياً وعمرياً.

فهل تصدق أو تقبل مثلاً أن يؤدي يحيى الفخراني الشخصية الرئيسية في مسلسل زيزينيا، "بشر عامر عبد الظاهر"، والذي يمثل شاباً مغامراً نتاج تزاوج الحضارة المصرية الشعبية والحضارة الإيطالية الوافدة على مدينة متعددة الثقافات، رغم أن الفخراني كان قد بلغ من العمر 52 عاماً وقت إنتاج الجزء الأول من المسلسل عام 1997؟ بالتأكيد منطقك العقلي لن يقبل أن يكون "الفخراني" هو البطل المناسب عمرياً للعب هذه الشخصية، لكنك في الواقع ستعاند هذا المنطق وتدعم اختيار "الفخراني" لهذه البطولة، بل ولا تتخيل أن يظهر أي ترشيح آخر مكانه.

لم يكن ليحيى الفخراني نصيب كبير من السينما، أدوار معدودة ومحدودة، جيدة نعم... منتشرة لا... رغم أن مشاهدة عمل سينمائي واحد قام فيه بدور البطولة مثل "خرج ولم يعد" يجعلك تتساءل: لماذا لم يكمل كممثل سينمائي وتعمّد إغراق ذاته في الدراما التليفزيونية؟

خطة هروب في الوقت المناسب

لم يكن ليحيى الفخراني نصيب كبير من السينما، أدوار معدودة ومحدودة، جيدة نعم... منتشرة لا... رغم أن مشاهدة عمل سينمائي واحد قام فيه بدور البطولة مثل "خرج ولم يعد" يجعلك تتساءل: لماذا لم يكمل كممثل سينمائي وتعمّد إغراق ذاته في الدراما التليفزيونية؟

في الحقيقة فإن "يحيى" فعل مثل "عطية" بطل فيلم "خرج ولم يعد"، ذلك الذي هرب من المدينة بكل تلوثها وقبحها مصادفة إلى براح الريف، قاده المشوار إلى تغيير مساره، فوجد الحب والدفء والحرية ولذة كل شيء، بعد أن فقد كل هذا في رحاب المدينة القاهرة المقسمة بين الوظيفة والصراع والغناء المشوه...

أفاق "يحيى" على ما أفاق عليه "عطية" في الوقت المناسب، عرف أن السينما ليست له، وأن جنته الحقيقية في التلفزيون. في البيوت لا في دور العرض ولعبة الدعاية والأفيشات، وربما أيقن أن صنعة ومهارة المخرج محمد خان في "خرج ولم يعد" هي التي طغت على كل أبطال العمل، حتى أولئك الذين فازوا بجوائز عن أدوارهم في الفيلم، مثله هو شخصياً، وحين رأى طيف الحقيقة التي تقول إنه لن يكون "شيئاً كبيراً" في عالم السينما، التي تتطلب معايير شكلية وأدائية معينة، يفتقدها هو أمام جمهور السينما المتعطش للبطل "الشجيع" الذي يضرب ويكسّر، أو يملك قصة صعود ما تجعله فارسهم المطلوب، قرر تحويل دفته بمهارة سياسي محنك، ووجد ضالته في ذهنية جمهور التلفزيون، المحافظ، الباحث عن التسلية المحدودة "وأخلاقيات" الأسر الكلاسيكية، ولولا أنه صادف حظاً سعيداً بوجود كتاب دراما تليفزيونية مميزين لانطفأ نجمه وصار ممثلاً عادياً، كآلاف ممن يمرون في حياتنا ولا نعرف أسماءهم، لكن الأقدار تختار بالتأكيد، وحس الانتخاب الطبيعي في عالم التمثيل يُبقي من يستحق بإمكانياته أن يعيش، وقد كان يحيى الفخراني ولا يزال من المستحقين أن يكون لهم درب مميز له طعم وشكل، في ظل عالم صار الشكل والطعم فيه عملة شديدة الندرة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard