"حزب الله" والهزل الانتحاري

رأي نحن والحقوق الأساسية

الاثنين 2 مارس 20266 دقائق للقراءة

حين أصدر "حزب الله" بيانه في اليوم الأوّل للغارات الإسرائيلية - الأمريكية على إيران ورد الأخيرة بفتح جبهات في كُل الشرق الأوسط تقريباً، اعتقد اللبنانيون أن الحزب أخذ أخيراً بعين الاعتبار مصلحة لبنان وشعبه في التعاطي مع التطورات الإقليمية الكبيرة التي تحصل، وأنّه نتيجة لكُل ما حصل في العامين الماضيين، منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، صارت معادلة الدخول في مواجهة مع إسرائيل أكثر تعقيداً نتيجة لظروف عدّة، أوّلها وأهمّها ما تعرضت له البنية العسكرية لـ "حزب الله" من ضربات أضعفتها كثيراً.

كان الاعتقاد أن هذا الضعف والواقع الجديد وتعب اللبنانيين وأهالي الجنوب والضاحية الجنوبية والبقاع على وجه التحديد، أي بيئة "حزب الله"، ستجعل الأخير يعلن الحياد التام عن أي صراع يحصل. كان أيضاً الاعتقاد، بغض النظر عن الناس والبلاد، أن الحزب لن يدخل إلى حرب جديدة وهو منهك بهذا الشكل، وإذا فعل، فهو قد قرر الذهاب إلى الهاوية برجليه.

قدّم "حزب الله" لإسرائيل خدمة كانت تنتظرها بفارغ الصبر. هي حشدت عشرات آلاف الجنود على حدودها مع لبنان وانتظرت أن تأتيها الحجة. وها قد أتت… فهل اعتقد "حزب الله" أن ساعة النهاية قد اقتربت فقرر أن يستدعيها بسرعة ولا ينتظرها؟

كان الاعتقاد، أيضاً، أن "حزب الله" في مثل هذه الظروف، ونظراً إلى كُل ما مرّ به، قد يكون عاد إلى لبنانيته على ما يقول كُثر أو ما كان يدعوه إليه كُثر طوال السنوات الماضية. وأياً يكن من ارتباط له بإيران، فلا بد من أن يتوقف في لحظة ما ويتأنّى قليلاً ويحسب مصالحه أولاً، ولا نتحدث هنا أيضاً عن حسابات الناس والبيئة والبلاد، بل حساباته هو ككيان سياسي خسر ذراعه العسكرية ولا يزال يحتفظ بهيكله وببنيته التنظيمية بالحد الأدنى، والأهم، أنه لا يزال لديه قاعدة جماهيرية كبيرة تُعطيه الشرعية السياسية/الحزبية.

كُل هذا كان ظنّاً أقرب منه إلى أمل ضئيل بأن ثمّة من تعلّم الدرس. لكن، الواقع عكس ذلك تماماً. قرّر "حزب الله" أن يُطلق صواريخ "هزلية"، "ثأراً لاغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي". وبهذا يكون قد قال للبنانيين جميعاً، ولبيئته قبل أي طرف آخر، أن ارتباطه بإيران ولاية الفقيه هي فوق كُل شيء. حتى فوق دمائهم.

غالباً ما يحاول المرء أن يضع نفسه مكان صاحب الفعل ليفهم كيف كان يُفكر عندما أتى بفعله. هذه الطريقة تفتح الباب لفهم أعمق لما يجري. لكن هذا لا ينطبق ولا ينفع في سياق ما حصل اليوم. لا القصف مفهوم ولا التوقيت ولا الشكل. فهل اعتقد "حزب الله" أن ساعة النهاية قد اقتربت فقرر أن يستدعيها بسرعة ولا ينتظرها؟ حتى في أسوأ الحال، ما جرى خارج كُل منطق.

أبعد من ذلك، قدم "حزب الله" لإسرائيل خدمة كانت تنتظرها بفارغ الصبر. هي حشدت عشرات آلاف الجنود على حدودها مع لبنان وانتظرت أن تأتيها الحجة. وها قد أتت. طبعاً بنيامين نتنياهو لا يحتاج إلى عذر، لكنّه كان يتحاشى رد الفعل الدولي ويعمل تحت الإيقاع الأمريكي. الآن، لم يعد بحاجة إلى أي شيء. هو لن يهدأ قبل أن يفتك بلبنان ككُل. ومن يعتقد أن فقط التعامل مع "حزب الله" هو المطلوب، فهو واهم ويمضي في بروباغندا "السلام" الذي يحمله نتنياهو لشعوب المنطقة، ويتناسى كُل الحديث عن إسرائيل الكبرى التي يُذكرنا فيها كُل قيادات إسرائيل وصولاً إلى السفير الأمريكي في تل أبيب.

بكُل الأحوال، ماذا فعل "حزب الله"؟ بمُجرّد رؤية الحكومة اللبنانية تجتمع لتُقرر بموافقة وزراء حركة أمل على حظر النشاط العسكري لـ "حزب الله" وتنفيذ نزع السلاح على كامل الأراضي اللبنانية والطلب من القوى الأمنية والعسكرية استخدام ما يُمكن لتطبيق القرار، يعني أن الحزب عزل نفسه حتى ضمن بيئته. سنوات من الحشد والتجييش والوهم، انتهت أو تقريباً على وشك الانتهاء، ببضعة صواريخ "هزلية" لم تحدث أي ضرر في إسرائيل.

القرار الحكومي، بغض النظر عن إمكان تطبيقه من عدمه، بهذا الشكل وهذا التوقيت، هو رد فعل وليس فعلاً. كانت الخطة التي وضعها الجيش اللبناني أقلّ حدة، وكانت الحكومة والقوى السياسية التي تضمها لا يزال بعضها متهيّباً من "سحب السلاح" ولو أنه مسلّم أن هذا السلاح انتهى مفعوله. بعض القوى كانت لا تزال تتهيّب المجاهرة لأن على المقلب الآخر مجموعة من المجرمين الذين يستعدون للانقضاض على لبنان بأي شكل، وكانوا يعتقدون أن الحد الأدنى من القوّة قد يكون مفيداً. لكنّ الواضح أن فعل "حزب الله" وضع كُل شيء في مكان آخر. باتت المعادلة، الهروب من الانتحار أهم من كُل شي. وبات التفاوض المدني مع إسرائيل أمراً عادياً، أو مفروض، لمحاولة التقليل من رد الفعل. ثم نعود للسؤال نفسه؛ أيدرك حزب الله ماذا فعل؟

بلاد مهزومة في كُل شيء. اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً. بلاد مقسومة أخلاقياً وطائفياً مناطقياً. بلاد تنتظر اليوم الأسوأ، فيما ما لا يقل عن ربع سكانها نزحوا أو ينزحوا في هذه اللحظات للهروب من جنون آت إليهم، من جنون استدعاه سريعاً "حزب الله"، ثأراً للوليّ الفقيه

اللافت أيضاً أن وزراء "حزب الله" في الحكومة لم ينسحبوا! هم نفسهم كانوا ينسحبون على أبسط من قرار كهذا بكثير. في السنوات الماضية كانوا يُعطلون حكومة وبلاداً من أجل تعيين أو وزير أو حليف يريد كرسياً أو حصةً. اليوم، لم ينسحبوا من جلسة اتُخذ فيها القرار بإنهائهم ككيان عسكري. وهذا يطرح الكثير من الأسئلة حول واقع الحزب ومن يمسك زمام القرار.

بلاد مهزومة في كُل شيء. اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً. بلاد مقسومة أخلاقياً وطائفياً مناطقياً. بلاد تنتظر اليوم الأسوأ، فيما ما لا يقل عن ربع سكانها نزحوا أو ينزحون في هذه اللحظات للهروب من جنون آت إليهم، من جنون استدعاه سريعاً "حزب الله"، ثأراً للوليّ الفقيه. وهذا ليس خطاباً أو تهويلاً أو مبالغة، هذا واقع. هذا ما استدعاه "حزب الله" على اللبنانيين. نملة قررت أن تنكش وكراً من الدبابير.

الآن، السؤال لم يعد فقط حول ما سيفعله بنا نتنياهو وكيف سنتلقّى الكارثة، ومن سيوقف الجنون الآتي. بل أيضاً ما الذي سيحصل داخلياً، وهل من عقلاء سيستطيعون أن يضبطوا الشارع الذي تمت تغذيته وشحنه بكُل أنواع الأحقاد على كُل جانب. قد يكون أيضاً السؤال اليوم، الأهم، موجهاً إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري، إذا ما كان سيبقى على حافة الهاوية أم قد، وسيكون قادراً، على الاضطلاع بدور في منع انتحار داخلي، بعد الخارجي؟


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard
Popup Image