إيران بلا مرشد… هل ستنهار الدولة؟

إيران بلا مرشد… هل ستنهار الدولة؟

رأي نحن والحقوق الأساسية

الثلاثاء 3 مارس 20269 دقائق للقراءة

حين زرت إيران للمرة الأولى في أواخر عهد الرئيس محمد خاتمي، كنت أحمل تصوراً صنعه الإعلام الخارجي وهو نظام ثيوقراطي مغلق، دكتاتورية دينية تنتهي عند رجل واحد، دولة هرمية تتجمع خيوطها كلها في يد معمم يجلس في طهران. كنت أتوقع صمتاً ثقيلاً، وخطاباً واحداً، ومدينة تخضع لإيقاع السلطة بلا تردد، لكن طهران نفسها بدأت تفكك هذا التصور منذ اللحظة الأولى.

نزلت في فندق صغير قرب ساحة ولي عصر تديره امرأة كبيرة في السن، الفندق نظيف على نحو لافت، بأثاث كلاسيكي بسيط وذوق رفيع، وهي صورة هدمت صورة التقشف المرتبطة بالدولة الدينية المرسومة في ذهني. خرجت صباحاً أمشي باتجاه جامعة طهران.

الشوارع بدت واسعة وممتدة، تصطف على جانبيها أشجار الدلب العتيقة التي يتجاوز عمر بعضها ثلاثة قرون، جذوعها الضخمة تحمل طبقات من الزمن، كأنها شاهدة على تحولات لا تنتهي. تذكرت بيتاً من الشعر للشاعر الإيراني سهراب سبهري "يجب أن نغسل أعيننا كل يوم كي نرى أشياء جديدة".

على الجدران رأيت جداريات الثورة وصور الشهداء، وإلى جوارها إعلانات حديثة لأزياء عصرية وأفلام جديدة وسيارات فارهة. هذا التداخل بين الثورة والاستهلاك، بين الرمزية الأيديولوجية والحياة اليومية، كان أول مفارقة أربكت الصورة المسبقة في ذهني.

اللقاء الأول

في لقائي الأول مع طلاب جامعة طهران، أدركت أنني أحمل تصوراً مبسطاً عن إيران برمتها. فحديث الطلاب المنفتح عن تحديد صلاحيات المرشد، وحدود السلطة، وفصل الصلاحيات، ومفهوم الرقابة المتبادلة بين المؤسسات، لا يظهر دولة خلف ستار حديد كما كنت أعتقد، بل ثمة محاولات سياسية لتبني تجربة المجلس الدستوري الفرنسي، وعن ضرورة تقييد تفسير مجلس صيانة الدستور لمبدأ الالتزام بالثورة. وهذا لا يعني أنها دولة تعيش رفاهية ديمقراطية مطلقة.

في زيارتي الأولى لطهران، في مجلس ضم اثنين من رجال الدين الشباب في مكتبة في شارع انقلاب، كنت أتوقع لغةً فقهية خالصة، مصطلحات أصولية واستشهادات بكتب التراث، لكنني فوجئت بأن حديثهم لم يبدأ من المتون القديمة إنما من ميشيل فوكو ويورغن هابرماس

في اليوم ذاته، وفي زيارة لي لمقر صحيفة إصلاحية قريبة من تيار جبهة "مشاركت"، حدثني صحافي عن الصراع مع مجلس صيانة الدستور الذي يفلتر المرشحين ويقصي كثيرين باسم عدم الالتزام بخط الثورة، وهي خطوة تنتهك الخيارات الديمقراطية بالكامل.

في المساء، في مجلسٍ ضم اثنين من رجال الدين الشباب في مكتبة في شارع انقلاب في طهران، كنت أتوقع لغةً فقهية خالصة، مصطلحات أصولية واستشهادات بكتب التراث، لكنني فوجئت بأن حديثهم لم يبدأ من المتون القديمة إنما من ميشيل فوكو ويورغن هابرماس، ومن إشكالية السلطة والمعرفة، ومن المجال العام ونظرية التواصل، ذلك أن تجديد الخطاب الديني يعود في زمن الثورة إلى مفكرين كبار مثل محسن كديور وعبد الكريم سروش ومحمد مجتهد شبستري لإعادة تأويل العلاقة بين النص والتاريخ، فلم يعد رجال الدين الشباب يتحدثون بلغة فقهية مغلقة، إنما بلغة فلسفية حديثة كأنهم يعيدون صياغة الفقه داخل أفق نظري جديد.

لم يكن النقاش يدور حول إسقاط النظام أو تقويضه، بل حول إعادة تعريفه من الداخل، حول كيفية ضبط السلطة، وتوسيع المجال العام، وتأويل ولاية الفقيه بما يسمح بقدر أكبر من المشاركة، كانوا يدركون حدود السقف، لكنهم يتحركون تحته بوعي نقدي واضح، فأدركت حينها أنني لا أقف أمام صمت مفروض انما أمام جدل حي يتنفس محكوم بإطار سياسي، لكنه ليس خالياً من الفكر.

في تلك الأيام بدأ يتشكل لدي فهم مختلف تماماً، ذلك أن اختزال إيران في دكتاتورية دينية لا يشرح الواقع، إنما يختزله اختزالاً مخلاً، فما رأيته لم يكن صوتاً واحداً يعلو فوق الجميع بل طبقات متراكبة: الثورة والحداثة، الفقه والفلسفة، الدولة والنقد، المؤسسة والسؤال، كانت طهران تقول لي بهدوء إن هذا البلد لا يقرأ من عنوان واحد ولا يفهم من صورة ثابتة، إنما من توتراته الداخلية، ومن تعدد لغاته، ومن قدرته على حمل التناقض دون أن ينهار.

غياب المرشد

الآن، وقد غاب المرشد، هل ستستيقظ إيران على فوضى؟ هذا هو السؤال الذي يتقدم سريعاً في التحليلات الإعلامية، لكن البحث في العمق الإيراني يقود إلى صورة أكثر تعقيداً.

الدولة في إيران ليست فتية قد تتفكك باغتيال أو انقلاب، إنما دولة عمرها ثلاثة آلاف عام، أي أنها إمبراطورية قديمة تتغير ببطء، وتعيد إنتاج مركزها كلما تبدلت الوجوه.

حين ندقق في البنية الفعلية للسلطة تظهر شبكة لا تشبه دولة الرجل الواحد. نعم في القمة كان إلى يومين يقف علي خامنئي، لكن تحته مؤسسات ذات ثقل مستقل، فهنالك الحرس الثوري الإسلامي الذي تحول من ميليشيا ثورية إلى قوة عسكرية–اقتصادية تدير قطاعات واسعة، ثم هنالك مجلس خبراء القيادة الذي يملك دستورياً صلاحية اختيار المرشد أو عزله، وهناك أيضاً مجلس تشخيص مصلحة النظام الذي يفصل في النزاعات بين البرلمان ومجلس صيانة الدستور، فضلاً عن الرئاسة والبرلمان والقضاء.

لهذا لن تستيقظ طهران على انهيار مفاجئ، بل ستدخل في مفاوضات داخلية بين تيارات فاعلة من الإصلاحيين الذين هم امتداد تيار محمد خاتمي والثورة الخضراء الذين يسعون إلى توسيع الهامش السياسي من داخل النظام، ومن المحافظين التقليديين المرتبطين بالحوزة في قم، الحريصين على استمرارية الإطار الفقهي، الثوريون العقائديون المرتبطون بالحرس الذين يرون في الصدام مع الغرب جزءاً من هوية النظام، وبين البراغماتيين الذين ارتبط اسمهم تاريخياً بأكبر هاشمي رفسنجاني، والذين يؤمنون بإدارة النفوذ عبر التفاوض والانفتاح المحسوب.

كثيرون ما زالوا يتصورون إيران بوصفها دولة الخميني كما كانت في الثمانينيات. لكن المقارنة بين روح الله الخميني وخامنئي تكشف فرقاً بنيوياً واضحاً، الخميني كان لحظة كاريزمية تأسيسية، أما خامنئي فهو مدير توازنات داخل هندسة مؤسساتية. لذلك، فإن فرضية الانهيار السريع تقوم على افتراضين غير دقيقين: أن الشرعية شخصية بالكامل، وأن إيران دولة بلا مؤسسات لكن الواقع يشير إلى شرعية موزعة بين العقيدة والثورة والمؤسسة، وإلى بنية تعرف كيف تعيد ترتيب نفسها.

ومع ذلك يجب القول إن غياب المرشد ليس حدثاً عابراً، إنما لحظة مفصلية قد تعيد رسم موازين القوى، ذلك أن السؤال الحقيقي لا يتعلق بانهيار النظام، إنما أي جناح في النظام سيعيد تعريف المركز؟

إعادة إنتاج المركز

لعل قراءة تاريخ إيران تمنح أجوبة شافية، فالدولة في إيران ليست فتية قد تتفكك باغتيال أو انقلاب، إنما دولة عمرها ثلاثة آلاف عام، أي أنها إمبراطورية قديمة تتغير ببطء، وتعيد إنتاج مركزها كلما تبدلت الوجوه.

ففي زمن الإمبراطورية الساسانية، تبلورت صورة الدولة المركزية ذات البيروقراطية المحكمة والسلطة المتعالية فوق الأقاليم. لم يكن الملك الساساني حاكماً فقط إنما رأس نظام إداري معقد يمتد عبر طبقات من القادة المحليين وجباة الضرائب والكهنة، وحين سقطت الدولة أمام الفتح الإسلامي لم يختف نموذج المركز إنما اندمج داخل أنظمة جديدة. وفي العصر الصفوي أعاد الشاه إسماعيل الصفوي تعريف هوية الدولة بجعل التشيع الإثني عشري إطاراً رسمياً للسلطة، هنا حدث تحول عميق وهو ربط الدين بالمركز السياسي، غير أن جوهر الدولة بقي وهو سلطة مركزية قوية تعيد تنظيم الأطراف من تبريز إلى أصفهان.

سؤال إيران بلا مرشد هو لحظة إعادة توزيع لا لحظة انهيار، إذ ستدخل النخبة في مفاوضات مغلقة، سيتحرك المحافظون لحماية الإطار، سيحاول البراغماتيون توسيع هامشهم، سيراقب الإصلاحيون الفرصة. لكن الدولة نفسها، بجهازها الإداري والأمني والتاريخي ستبقى

ثم جاءت القاجارية، وحاولت التكيف مع ضغط روسيا القيصرية وبريطانيا الإمبراطورية. لم تكن دولة حديثة بالمعنى الأوروبي، لكنها حافظت على تصور المجال الحيوي الإيراني. وعندما استلم رضا شاه بهلوي الحكم في عشرينيات القرن العشرين، لم يهدم المركز إنما أعاد صياغته باللغة القومية الحديثة، فقد بنى جيشاً نظامياً، وفرض الزي المدني، وركز السلطة في طهران. بعدها جاء ابنه محمد رضا بهلوي وعمّق مشروع الدولة القومية المركزية، مستنداً إلى جهاز أمني حديث هو "السافاك".

حين سقط الشاه في العام 1979 بقيادة روح الله الخميني، ظن كثيرون أن القطيعة كاملة، وأن الدولة انهارت. لكن ما حدث فعلياً كان انتقالاً في الشرعية لا في البنية، إذ استبدل التاج بالعمامة، وتحول الجيش الإمبراطوري إلى جيش رسمي موازٍ له الحرس الثوري الإسلامي. لقد تم استبدال اللغة القومية بلغة الثورة الإسلامية، لكن المركز بقي.

ثم جاء العام 1989، وقد توفي الخميني فاعتقد البعض أن الدولة ستدخل فراغاً تاريخياً، غير أن مجلس خبراء القيادة اختار علي خامنئي، وأعيد تثبيت التوازن. لم يكن خامنئي كاريزمياً كمن سبقه، لكنه أدخل النظام في مرحلة إدارة المؤسسات. توسع دور مجلس تشخيص مصلحة النظام، تعاظم نفوذ الحرس، وتداخلت البيروقراطية الثورية مع البيروقراطية التقليدية.

هذا الامتداد التاريخي يفسر لماذا يبدو غياب المرشد حدثاً غير كاف لإسقاط الدولة، لأن الدولة في إيران ليست شخصاً إنما شبكة ولاءات، هي جهاز إداري وعقيدة مؤسساتية، وتصور راسخ للمجال الحيوي يمتد من الخليج إلى القوقاز. حتى حين اختلفت اللغة من الفارسية الإمبراطورية إلى القومية البهلوية إلى الفقه السياسي ظل الهدف واحداً وهو حماية المركز وضبط الأطراف. وقد رأى هنري كوربان "Henry Corbin" أن إيران ليست مجرد دولة، بل أفق رمزي ممتد عبر التاريخ، حيث تتداخل السياسة مع المتخيل الديني، وهو تداخل يفسر قدرة هذا الكيان على تغيير لغته دون أن يفقد بنيته.

يجب القول إن غياب المرشد ليس حدثاً عابراً، إنما لحظة مفصلية قد تعيد رسم موازين القوى، ذلك أن السؤال الحقيقي لا يتعلق بانهيار النظام، إنما أي جناح في النظام سيعيد تعريف المركز؟

حين أتأمل اليوم سؤال إيران بلا مرشد أراه لحظة إعادة توزيع لا لحظة انهيار، إذ ستدخل النخبة في مفاوضات مغلقة، سيتحرك المحافظون لحماية الإطار، سيحاول البراغماتيون توسيع هامشهم، سيراقب الإصلاحيون الفرصة. لكن الدولة نفسها، بجهازها الإداري والأمني والتاريخي ستبقى.

إن الدول التي راكمت ثلاثة آلاف عام من الخبرة التاريخية لا تسقط على إيقاع حدث واحد إنما تمتص الصدمة، تعيد ضبط لغتها ثم تواصل المسير. إن إيران التي استبدلت التاج بالعمامة وخطاب القومية بخطاب الثورة، لم تتخلَّ عن بنيتها المركزية، بل أعادت تأطيرها ضمن شرعية مختلفة. ومن يختزلها في رجل واحد يقرأ الصفحة الأخيرة ويغفل الكتاب كله. فهي، كما صورها فردوسي في الشاهنامه، شجرة معمرة تعبر فوقها الرياح والعواصف لكنها تبقى راسخة في تربتها.




رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard
Popup Image