الدراما الرمضانية والخطاب المباشر... عن أقصر الطرق لوعي المشاهد

الأحد 2 مايو 202101:24 م

على الرغم من كثافة وأهمية النتاج الدرامي المصري في السنوات والعقود الماضية والذي ارتبط في العموم بشهر رمضان، تضمّنت الكثير من تلك الأعمال قَدْراً لا يستهان به من المباشرة والنبرة الوعظية المتسرّبة داخل الجمل الحوارية.

يقودنا ذلك للتطرّق إلى ضرورة استعمال اللغة المباشرة في الأعمال الدرامية، والسؤال عن فرضية حدوث ذلك من باب التسهيل على المتلقي بمختلف طبقاته الاجتماعية في تسلّم الرسالة المقصودة، ما يدفع بسؤال أشمل: لماذا يظنّ المؤلف، أو الفريق القائم على العمل، أن المشاهدين أشخاص يحتاجون إلى التلقين، والاستماع للحوار أو الرسالة المقصودة داخله بطريقة واضحة ومفصّلة، دون أن يتصور أنهم قادرون على استيعابها عن طريق دمجها في مشاهد درامية؟


ملوك الجدعنة

يحكي المسلسل قصة معتادة عن سيرة حياة بعض المهمّشين من فئة "أولاد البلد". أيام غير مستقرة يحاولون فيها جاهدين الاهتمام بمصدر دخلهم، مع تقاطع مصائرهم بشخصيات من طبقات اجتماعية مختلفة.

انقسمت الآراء ما بين التصديق على وجود شخصيات الأبطال بكافة تفاصيلها في الحياة، وبين ما أخبرت عنه بعض آراء الفنانين ذاتهم، بضرورة الاهتمام بصورة المصري التي تصدّرها الشاشة للمشاهدين من مختلف الجنسيات.

لماذا يظنّ المؤلف، أو الفريق القائم على العمل، أن المشاهدين أشخاص يحتاجون إلى التلقين، والاستماع للحوار أو الرسالة المقصودة داخله بطريقة واضحة ومفصّلة، دون أن يتصور أنهم قادرون على استيعابها عن طريق دمجها في مشاهد درامية؟

أما عن صيغة المباشرة في "ملوك الجدعنة" فاهتمّت بوضع الحكم والأمثال الشعبية على لسان الأبطال، فبدى الأمر أحياناً في صورة توعية للمشاهد بالصبر على الأقدار، أو بالشكوى من الفقر مصيراً ومآلاً، وجاءت بعض حوارات المشاهد، وخاصة المتعلقة بالشجارات، مفتعلة، فالأبطال يصرّون على الحديث بجمل طويلة عن الشجاعة والعزّة، فبفرض جدية المشادة وغضب الأفراد، فلا وقت لتبادل عبارات التفخيم من باب "احنا راسنا عالية ومناخيرنا في السما"، ثم "والقرش بنجيبه بالشقا والتعب، احنا ملوك الجدعنة والقلب الميت ولا بنخاف ولا بنتهزّ".

الصورة هنا أو الدراما من وجهة نظر أصحابها ليست كافية لإيصال الفكرة، فلا تكفي مظاهر الفقر الظاهرة في المشاهد، ولكن لا بد دائماً من التأكيد على فكرة "احنا فقرا"، أو الدفع بجمل مكرّرة من باب زيادة التأكيد "الفقر مش عيب". ناهيك عن شخصية الراوي العليم، وهي إن كانت تظهر في الأعمال الأدبية بهدف رواية الحكاية بحياد مطلق، تظهر في المسلسل ذات الشخصية ممثلة في الدرويش، الذي يجوب الحارة ويتدخل في المواقف الملتبسة، موضحاً وجهة نظر ما أو دافعاً بأمل من باب "ولا بد من يوم معلوم"، أو "الحق لازم هيبان"، وكأن القائمين على العمل غير واثقين في أن الرسالة واضحة بما يكفي، فيصرّون على تأكيدها، أو من وجهة نظر تحليلية، فالعين دائماً على المشاهد الهدف، خاصة أولئك الذين يهتمون بالجمل البراقة، ويسعون لتقليد الأبطال في طريقة الحديث وحتى الأزياء.

تأتي المباشرة هنا بهدف جذب المشاهدين، لا بهدف فرض الأفكار. سلعة أشبه بالوجبات السريعة، تصنع نجاحاً قصير المدى. عمل لا يتذكره الناس في الموسم التالي، ولكنه كافٍ لرفع نسب المشاهدة.


القاهرة كابول

في مسلسل "القاهرة كابول" وإن كنا لا نتجاهل تمكّن الممثلين من تقمص الشخصيات وأدائها على نحو أفضل من المطلوب، فتلك الشخصيات بمختلف اتجاهاتها، اجتماعية كانت، ثقافية أو سياسية، تبدو كلعبة ناطقة أحياناً، تُخبر عن الأفكار بصيغة مباشرة.

وتطوّرت المشاهد من مباريات تمثيلية وحوارية يمكن فيها التعرّف لعقل الشخصية ومقارنتها بالأخرى، حتى صارت تبدو كالمحاضرات الطويلة. فبينما كان مشهد التقاء الأصدقاء القدامى عظيماً وقادراً على إبراز شخصية كل منهم عبر الحكايات وتبادل وجهات النظر، تسرّبت بعض الجمل فاقدة السلاسة، والتي بدت حشواً: "فيه اللي ربّه الفلوس، وفيه اللي ربّه الفن، وفيه اللي ربه الطاغوت، وفيه اللي ربّه ربنا"، جملة يمكن فهم محتواها من سياق المشهد، لكنها غاية المؤلف الذي أراد في كل مرة تأكيد المعنى وتوضيحه كما دروس البلاغة القديمة في المدارس.

الخطاب المباشر يأتي بهدف جذب المشاهدين، لا بهدف فرض الأفكار.

يتفق الناقد محمود عبد الشكور حين سؤاله عن النقطة السابقة، ويضيف في حديثه لرصيف22: "تكمن المشكلة الأساسية في رأيي في نقطة أبعد من احتمالية ورود الحوار على لسان الشخصيات. ما يزعجني له علاقة أيضاً بالسيناريو، فهناك مشاهد طويلة ومستمرة تعتمد على الحوار المباشر، بينما كان يمكن تفكيكها إلى مشاهد درامية قصيرة".


فخ الكليشيه

ظهرت شخصية نبيل الحلفاوي في "القاهرة كابول" بصورة نمطية للغاية للرجل المُسنّ الذي وصل إلى الحكمة، فقرر أن يملأ عقول من حوله بها حتى تفيض، وبالغ المؤلف حتى فقد غرضه معناه، فبينما أراد تمجيد مصر في النص، مصراً على أن المجاعة لم تصل إليها يوماً دوناً عن سائر البلاد، أغفل عن الحقيقة التاريخية المعروفة بالشدّة المستنصرية، التاريخ الذي لا ينفي وصول المجاعة إلى مصر، وهو أمر لا يشين ليتم تجاهله أو تكذيبه.

تكمن المشكلة في أصل الهدف من العمل، فمتى تتدخّل الرغبة في كون العمل توجيهياً من اللحظة الأولى تضطرب الرؤية. في المباريات التمثيلية، وربما الحوارية، يمكننا ملاحظة أن الكفة لا تتوازن فيما يتعلق بفضح الحقائق أو رسم صور الشخصيات على حالها، فالعمل هنا يرمي لكشف ترّهات التطرّف الديني، وتسليط الضوء على ظلاميات العقول المتحجرة التي تتخذ الدين خلفية تتيح تأويله من وجهة نظر قاصرة ووحيدة، لكنه لا يتوجّه بنفس القدر ناحية كشف مشاكل الأطراف الأخرى المعادية، فتبدو الأطراف الأخرى ملائكة في مقابله، ردود أفعالهم مبرّرة وتقع تحت بند الدفاع عن النفس، "الغاية تبرر الوسيلة" مبدأ ينفيه العمل ويعاديه من الجهة المتطرفة ولكنه يؤيده لدى الآخرين.

بذلك تظهر صورة رجل الأمن، خالد الصاوي، في شكل متفهّم عقلاني، يحارب بالمنطق، وسيلته الإقناع، يحابي ويطمئن ويخبر عن نواياه بمباشرة. في مشهد مباشر آخر موجّه بشكل كامل، يتواجه الضابط مع أخيه الأصغر ويخبره أنه يعلم عنه كل ما يفعله، وأنه يراقب تصرفاته بدافع من خوفه، والسلطة، وإن كانت سلطة الحب، تمنحه الحق في مراقبته خوفاً عليه. تظهر هنا بوضوح فكرة "الأخ الأكبر" التي تحدث عنها جورج أورويل: الأخ الأكبر يراقبك! لكن الأخ الأصغر ينهار تأثراً من الاهتمام، ويوافق على الحماية المفروضة واعتباره إنساناً قاصراً، تقيه العين المراقبة الشرّ. رسالة مباشرة وموجهة بالاستسلام لدور الرقابة التي تمارسها السلطة على الأفراد "اللي مش عارفين مصلحتهم"، فالأستاذ يعرف أكثر.

غلبت المباشرة على الدراما التليفزيونية منذ غاب الكاتب والمخرج 'الفنان'، لهذا يُغرق الكاتب عمله في المباشرة متوهماً أنه بذلك يوصل رسالته، فيبدو عمله كمقال تلفزيوني

وفي مقارنة بائسة مع مسلسل "العائلة"، يمكننا أن ندرك الفرق، الذي جعل من "العائلة" مسلسلاً اجتماعياً، يتطرق إلى التطرف باعتباره مشكلة أساسية، لكنها جزء من حياة طويلة بها مشكلات لا تقل أهمية، بينما في "القاهرة كابول"، فالهدف سياسي جداً، على الرغم من وجود الدراما العائلية التي تم حشوها وتسطيحها بدرجة جعلتها هشّة، يمكن حذفها تماماً دون أن تضرّ بسياق العمل، مع لمحات من الصوفية والعدمية المطلقة التي تتميز بها كتابات عبد الرحيم كمال، وجاءت هنا في غير محلّها أو بغير تأصيل، فبدت مقحمة.

أما دكتور حاتم حافظ، الأستاذ المساعد بأكاديمية الفنون، ورئيس تحرير مجلة "فنون"، فيحلل الأمر لرصيف22 من جهة فنية، ارتباطاً بالعلاقة بين المشاهد والفنان: "غلبت المباشرة على الدراما التليفزيونية منذ غاب الكاتب والمخرج 'الفنان'، لهذا يُغرق الكاتب عمله في المباشرة متوهماً أنه بذلك يوصل رسالته، فيبدو عمله كمقال تلفزيوني. هذا الفقر في الخيال ليس السبب الوحيد لكن أيضاً غياب المنتج والمخرج المثقف. لدينا مخرجون تقنيون لكنهم يفتقرون للثقافة، لهذا يلحّون على الكتاب سرد أفكار الأعمال الفنية بوهم أنها لن تصل إلا لو قيلت بشكل مباشر".

ووفق حافظ، فإن أزمة المباشرة تم الانتباه لها منذ العام الماضي تقريباً بسبب مسلسل "الاختيار"، لكن لا يمكن استخدام "الاختيار" كمثال مناسب، لا لأنه يخلو من المباشرة ولكن لأنه عمل موجّه بالأساس، ويضيف: "مع هذا ففي ظني أن الجزء الثاني تدارك هذا العيب إلى حد بعيد، فمثلاً حين احتاج الكاتب هاني سرحان الإشارة لكتب سيد قطب ودورها في التأسيس للإرهاب وفق رؤية المسلسل، وضعها ضمن محاضرة تدريب قصيرة على لسان محمد مبروك، مسؤول ملف الإخوان، وفي نفس الوقت استخدم المشهد درامياً بحضور بعض الضباط المنتمين للجماعة، وهذا مثال جيد لحسن استخدام الدراما في تمرير الأفكار دون الوقوع في فخ المباشرة، على عكس الحوارات المباشرة في مسلسلات أخرى يفترض أنها غير موجّهة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard