تخافون من التنمر؟ فريق "البعبع" السوري يقف له بالمرصاد

السبت 31 يوليو 202101:29 م

بلغة شبابية قريبة من الناس، وبعيدة عن التلقين، وأمثلة من الحياة الواقعية، قررت مجموعة من الشباب السوري تسليط الضوء على التنمر، ومخاطره، وآثاره المترتبة على الصحة النفسية، فهو تصرف يسبب أذى نفسياً لأشخاص كثر، خاصةً خلال فترات الحروب التي يكون فيها الناس أكثر هشاشة من الناحية النفسية.

بذلك، تأسست مبادرة "البعبع" منذ نحو عامين، واستطاعت شهراً بعد آخر، استقطاب آلاف المتابعين على مواقع التواصل، خاصةً من فئة الشباب، إذ ركز القائمون عليها على رفع الوعي، وأيضاً تمكين الأشخاص الذين مروا بتجارب مؤذية، من خلال تعريفهم بأدوات تساعد على مواجه التنمر، والتخفيف من آثاره السلبية على صحتهم النفسية، وهي قد لا تكون واضحة في البداية، لكنها يمكن أن تصل إلى الإدمان، أو الانتحار.


التنمر "بعبع" علينا ألا نخافه

"ما دفعنا إلى تأسيس البعبع، ازدياد حالات التنمر بشكل ملحوظ، خصوصاً بعد انتشار مواقع التواصل، التي تحول عدد منها في كثير من الأحيان إلى منصات للتنمر"، يقول مؤسس المبادرة غيث صندوق، وهو مهندس معلوماتية وناشط في المجتمع المدني، ويضيف في حديثه لرصيف22: "بشكل تلقائي، نتورط أحياناً في أفعال، وتعليقات، وممارسات، تُصنَّف على أنها تنمر. على تنوّع خلفياتنا الثقافيّة، وطبقاتنا الاجتماعية، وتقدمنا الدراسي، نحن ضحايا ومرتكبون".

"البعبع" مبادرة شبابية سورية تهدف لتسليط الضوء على التنمر وآثاره على الصحة النفسية، خاصة في فترات الحروب.

الهدف من المبادرة وفق حديث صندوق، هو "زرع ثقافة تقبل اختلاف الآخر، وعدم إلغائه، ومناهضة خطاب الكراهية، ونشر مفهوم التواصل اللا عنفي في المجتمع السوري، مع توضيح أهمية الاهتمام بالصحة النفسية بطرق ووسائل تفاعلية، ولغة شبابية".

أراد الشاب من خلال إطلاق تسمية "البعبع"، إيصال رسالة تخدم هدف مبادرته: "البعبع شخصية خيالية كان أهلنا يستخدمونها لإخافتنا عندما كنّا صغاراً، وعندما كبرنا عرفنا أنها وهم كبير لم نكن قادرين على التعامل معه. الأمر ذاته بالنسبة إلى التنمر، عندما يصبح لدينا الوعي الكافي حول ماهيّته، وأسباب حدوثه، وعندما نتمكن من آليات الدفاع الصحيحة ضده، سيعود هذا البعبع الذي يرعبنا إلى حجمه الطبيعي، صغيراً وخيالياً، وسنصبح قادرين على التصدي له".

مبادرة البعبع لمواجهة التنمر


للتنمر آثار لا يمكن إحصاؤها، تبدأ من الفرد لتصل إلى المجتمع ككل، حسب البحث الذي أجراه فريق الصحة النفسية في المبادرة وزود رصيف22 ببعض نتائجه: "من هذه الآثار، الخوف، والعزلة، والانطواء، وصعوبات بالغة في التركيز، بالإضافة إلى مشكلات عاطفية وسلوكيّة تصل إلى القلق والاكتئاب، وقد تدفع في بعض الحالات إلى تعاطي المخدرات، والإدمان عليها، والتفكير بالانتحار. أما على صعيد المجتمع، فالتنمر يُعد من المظاهر الخطيرة بسبب تحريضه على العنف، وإثارة الفتن والخلافات على صعيد الأفراد والجماعات".

وفي تقرير صادر عام 2019، أفادت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو"، بتعرّض الأطفال للعنف والتنمر في المدرسة في أنحاء العالم جميعها، وبأن الشبكات الاجتماعية مثل فيسبوك، وانستغرام، هي من أكثر المواقع التي ينتشر فيها التنمر عبر الإنترنت.


فريق متكامل

يتكون فريق البعبع من إداريين، ومصممين، وفريق صحة نفسية، وفريق تطوير محتوى، وفريق إبداع وتسويق رقمي، وفريق محتوى بصري. ويقدّم الفريق، لتحقيق أهدافه، مجموعة من الخدمات: محتوى الكتروني، وأنشطة تعاونية وإبداعية، ومساحات آمنة، حسب ما أوضح مدير المبادرة، وأضاف: "من خلال هذه الخدمات، نحاول رفع الوعي لدى المتلقين، بتعريفهم بمفاهيم التنمر، وخطاب الكراهية، والصحة النفسية، وطرح إحصائيات ومعلومات ذات صلة، كما نحاول تمكين الأشخاص الذين مروا، أو يمرون حالياً بتجربة التنمر، من خلال تعريفهم بأدوات تساعدهم على مواجهة ما يتعرضون له، ونقدم نصائح تساعد على التمتع بصحة نفسية جيدة".

يشارك الفريق أيضاً تجارب حقيقية من خلال الرسائل التي تصل إلى بريد الصفحة. "تصلنا يومياً عشرات الرسائل من أشخاص مروا بظرف حياتي معيّن أثر على قدرتهم على الاستمرار، أو ترك ندبة في نفوسهم. ويقدم فريق الصحة النفسية لهم خدمات الإسعاف النفسي الأولي البسيط"، يوضح صندوق.

"البعبع شخصية خيالية كان أهلنا يستخدمونها لإخافتنا، وعندما كبرنا عرفنا أنها وهم كبير. الأمر ذاته بالنسبة إلى التنمر، عندما يصبح لدينا الوعي الكافي حول ماهيّته وأسبابه، وآليات الدفاع ضده، سيعود هذا البعبع إلى حجمه الطبيعي، صغيراً وخيالياً"

لاقت المبادرة صدى واسعاً على مواقع التواصل، كما جذبت الكثيرين من الشباب والصبايا للتطوع في الفريق، ومنهم لينا محمد التي كان لديها اهتمام بموضوع التنمر مع انتشاره الكبير، وعدم حصوله على الإضاءة الكافية، وبالصحة النفسية المهملة في سوريا. بذلك تطوعت الفتاة مع البعبع، وهي اليوم مديرة المحتوى، والمنسقة.

تقول في لقاء مع رصيف22: "تصلنا قصص متنوعة من مشكلات تحتاج إلى معالج نفسي، ومنها ما يحتاج إلى أطباء، نحاول حل المشكلة، والحفاظ على السرية التامة مع فريق الصحة النفسية".


سرية في التواصل

لانا، اسم مستعار لشابة عشرينية تتابع مبادرة البعبع، وتعرضت للتنمر في سن المراهقة مما تسبب في تأزم نفسيتها لسنوات، الأمر الذي أثر على حياتها، وثقتها بنفسها، وحتى علاقتها بالمحيطين، كما تروي لرصيف22: "كنت في الثالثة عشرة عندما تعرضت لسخرية على شكلي، وطولي، وجسمي، وحتى لهجتي المختلفة نظراً إلى انتمائي إلى إحدى المناطق الريفية. كنت منبوذة حرفياً ممن هم حولي".

شكّل الأمر للانا معضلة نفسية، وما عادت قادرة على التعرف إلى أشخاص جدد خوفاً من ردود أفعالهم. بنبرة حزينة تكمل: "كان وجودي مرفوضاً ممن هم حولي، ففضلت أن أبقى وحيدة، وألا أقترب من أحد. وصلت إلى عمر الثامنة عشرة، ولم أستطع تجاوز الأمر، إلى أن قررت تغيير محيطي بالكامل، وغادرت سوريا".

أتلقى الدعم النفسي من خلال "البعبع"، فأشعر بأنني لست وحيدة، وأن هناك من يدعمني، ومن يعاني مثلي.

وعن دور المبادرة في دعم الأشخاص المتعرضين للتنمر تجيب: "لو كانت مثل هذه المبادرة موجودة في تلك الفترة، كنت استطعت تجاوز الكثير من الأشياء من دون عذاب نفسي. إلى الآن أتلقى الدعم النفسي من خلالها لتجاوز الندبة التي ولّدتها تلك الفترة. على الأقل سيشعر الشخص أنه ليس وحيداً، وأن هناك من يدعمه، ومن يعاني مثله"، وتنوّه إلى أهمية خدمة الإسعاف الأولي النفسية التي يتيحها فريق البعبع بسرية تامة، في التعامل مع من لا يريدون إظهار شخصياتهم، ولا يستطيعون التحدث بأسمائهم.


"هل تعرضت للتنمر؟"

أصدر فريق البعبع مؤخراً كتيباً عن التنمر بعنوان "هل تعرضت للتنمر؟"، يمكن من خلاله التعرّف أكثر على التنمّر، وتحديد أشكاله، وتبيان البيئات التي ينتشر فيها. يقول مدير الحملة: "نتشارك آليات التعامل مع المتنمّرين، وأفعالهم، ونوضح الفرق بين التنمر وبين الممارسات المشابهة، كما نمر على بعض نصوص القانون السوري التي تجرّم هذه الأفعال".

لم يذهب قانون العقوبات السوري بعيداً، لتجريم ممارسي الإساءة، مثل القدح والذم، والتي هي سلوكيات تنمر بطبيعة الحال، فتعرّف المادة 375 منه "الذم" بأنه نسبة أمر إلى شخص، ولو في معرض الشك والاستفهام، ينال من شرفه، أو كرامته، كما تعرّف المادة ذاتها القدح بأنه كل لفظة ازدراء، أو سباب، وكل تعبير، أو رسم، يشفان عن تحقير يُعد قدحاً، ولا يشترط في كلي الجرمين تسمية الشخص باسمه، وإنما تكفي الدلالة عليه. وتُفرض على مرتكبي الذم عقوبة السجن ثلاثة أشهر، أو غرامات مالية بسيطة للغاية.

يضيف صندوق في حديثه: "اقترحنا في الكتيب تحركات مفيدة للمهتمين بتخفيف ظاهرة التنمر. هو عمل مفتوح للتطوير، ولهذا تركنا صفحات فارغة في نهايته، ليسجل القراء خبراتهم، وملاحظاتهم، ومشاركتها مع فريق البعبع، فهذا العمل لن ينتهي بصفحات محدودة".

كتيب لمواجهة التنمر من فريق البعبع السوري


التنمر والحرب

التنمر موجود في سوريا، لكنه ازداد بصورة أكبر خلال الحرب، لأن الناس بمعظمهم يعيشون ضغوطاً نفسية كبيرة، كما توضح الأخصائية النفسية غالية عبد الرحمن لرصيف22: "أصبحت لدينا سلسلة عنف، فكلما تعرض الإنسان للعنف أكثر، يتشكل لديه غضب أكبر يظهره بالعنف مع شخص آخر، وفي المقابل تراجعت أولوية تقديم الخدمة النفسية، فأصبح الدعم النفسي رفاهية في بلد يعاني من حرب طويلة، والهمّ الأساسي فيه تأمين الاحتياجات الأساسية من طعام، وشراب، ولباس، ومسكن". وتشير تقديرات إلى أن عدد الأطباء النفسيين في سوريا اليوم لا يتجاوز السبعين، في حين تزداد الحاجة الماسة إليهم.

في سوريا أصبحت لدينا سلسلة عنف، فكلما تعرض الإنسان للعنف أكثر، يتشكل لديه غضب أكبر يظهره بالعنف مع شخص آخر، وفي المقابل تراجعت أولوية تقديم الخدمة النفسية، فأصبح الدعم النفسي رفاهية في بلد يعاني من حرب طويلة، والهمّ الأساسي فيه تأمين الاحتياجات الأساسية

وتنوه الأخصائية إلى أن الحرب فرضت حالات تنمر عديدة، "فحالات النزوح الداخلي جعلت التنمر يزداد، نتيجة الخلط بين الفئات الاجتماعية، والمناطق المختلفة، فمثلاً، كثيراً ما كان يُطلق على الأطفال الذين اضطرت عائلاتهم إلى العيش لفترات طويلة داخل مراكز إيواء موقتة، تعبير ‘أولاد مراكز الإيواء’. بالإضافة إلى ذلك، فإن النعرات الطائفية تحيا في زمن الحروب، خاصةً أن كل فئة منهم تحمّل الفئة الأخرى مسؤولية الخراب الذي حصل، فيتعرض الشخص لتنمر بسبب دينه، أو طائفته. كما أن هناك حالات تنمر كثيرة فُرضت على اللاجئين، وكثيراً ما يتحول التنمر إلى عنف جسدي تجاه الشخص، لكونه لاجئاً فحسب، وأحياناً يكون التنمر، خارج البلاد، موجهاً بصورة منظمة، وأكثر عنفاً".

وترى الأخصائية أن المبادرات المجتمعية مهمة في تقديم الدعم النفسي للناس، في بلد يعاني من نقص كبير في الخدمات النفسية: "هذه المبادرات ستحدث تغييراً، مهما كان الدعم الذي تقدمه بسيطاً، وهي أيضاً توضح للمتنمرين كمّ الأذى الذي يسببه انتقادهم، وأن الكلمة يمكن أن تحدث أذى نفسياً للغير، فالمتنمر هو نفسه يعاني من نقص يلقيه على الشخص الآخر".

ويختم غيث صندوق حديثه بالقول: "في كثير من الأحيان، نقع في فخوخ تبدأ بابتسامة، وتنتهي بشائعات تشعل حروباً افتراضية. كيف لا يحدث ذلك، والآلاف ممن تستهدفهم هذه الممارسات قد لا ينامون إلا وعيونهم تدمع، وثقتهم بأنفسهم تهتز، بينما هناك الملايين يتحولون إلى متنمرين بضغطة زر واحدة؟".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard