"ضربتها لأنها سألتني لماذا تتسول؟"... حكايات سورية عن الحرب والنزوح والقسوة

السبت 19 يونيو 202104:42 م

"كان عندي بيت، وكنت أشتري أغلى الملابس، ويا ويل اللي بيعلق بلساني"، تقول سعاد، مبررة رفضها لمساعدات الجيران وأهالي الحي، وقسوتها في تعاملها معهم.

تطرق سعاد بقوة على جارتها أم أحمد، تفتح، تحاول مهاجمتها، وتبدأ بالصياح: "نحن ما بحاجة طعامكم الزائد".

نزحت عائلة سعاد في عام 2014 من مدينة الباب شمال حلب إلى مدينة أريحا، ثم من أريحا إلى جسر الشغور غربي إدلب، لتستقر في مدينة اللاذقية في نهاية عام 2015.

القسوة

تعمل سعاد (42 عاماً) مع زوجها جاسم وأولادها الأربعة، في حراسة أحد الأبنية الفخمة في مدينة اللاذقية، وتبدو سعاد امرأة قوية، ترتدي سروالاً أسود مع سترة طويلة وحجاب أزرق اللون، تخشى أن تُلقي التحية عليها، خوفاً من لسانها السليط، وفي الوقت ذاته تستطيع أن تستنتج ما الذي يدور في ذهنها من أفكار ممزوجة بمشاعر الظلم والقهر والإحساس بالعجز والقسوة في آن واحد.

عامر مع أطفال يعملون في أكوام قمامة بريف اللاذقية، تصوير سهى كامل

ترفض سعاد أي صَدَقة من الأهالي والجيران، كما ترفض مساعدة السيدات في تنظيف المنازل، تقول: "كان عندي بيت، وكنت أشتري أغلى الملابس، ويا ويل اللي بيعلق بلساني".

يعود جاسم (55 عاماً) هو الآخر بذاكرته إلى عام 2014 عندما كانت مدينة الباب تحت سيطرة تنظيم داعش، يقول لرصيف22: "مرّة أخذوا مني علبة السجائر، رموها في برميل كبير مخصص لحرقها، ثم ضربوني لأنني أرتدي سروالاً يلامس الأرض، فالتنظيم يعتبر ملامسة السروال للأرض حراماً وعملاً من عند الشيطان".

"تغيّر والدي بعد مجيئنا، أصبح قاسياً، يضربني ويشتمني، ويصرخ في وجهي غاضباً: شو الله جابرني طعميك، روح اشتغل وطعمي حالك، لم أجد مكاناً أنام فيه، علّمني الشارع السرقة"

ويضيف: "هجَّرتنا الحرب ثلاث مرات، غفونا على أصوات الانفجارات، خسرنا رزقنا، خرجنا من منزلنا بملابسنا فقط، وبعد رحلة التهجير والنزوح، تحوّلنا إلى عائلة تعيش في غرفة واحدة لا تدخلها الشمس".

يحزن أولاد جاسم لأنهم بمعظم الأحيان لا يلعبون مع أولاد سكان البناء، فالصور النمطية عمن نزحوا خلال سنوات الحرب السورية تجعل من الصعب أحياناً اختلاط النازحين وأهالي المنطقة بعضهم ببعض. يقول جاسم: "بعض سكان البناء يعتقدون بان راحتنا كريهة فيمنعون أولادهم من اللعب مع أولادي، وآخرون يسخرون من لهجتنا الغريبة عن لهجتهم".

ويتساءل: "بعد كل هذه القساوة من الحرب والناس، هل يمكن أن يحتفظ الإنسان بقلبه الليّن؟". ويجيب بنفسه على تساؤله: "لا أدرى إن كنت قاسياً، لكن مرّة فوجئت بنفسي أضرب ابني الصغير حتى أدميته، وسقط مغمىً عليه على الأرض".

"الغاية تبرر الوسيلة"

تدخل دلال خلسةً إلى المطبخ، تضع القليل من السكر والقهوة والشاي في علبة صغيرة، تُسرع لتخبئتها في حقيبة يدها، ثم تعود لعملها في تنظيف منزل السيدة ليلى.

تعيش دلال (27 عاماً) في مدينة اللاذقية منذ العام 2015، جاءت بعد أن شاهدت مقتل والدها أمامها بقذيفة صاروخية في حيّ الكلاسة شرقي حلب، تقول لرصيف22: "أعمل لدى السيدة ليلى منذ أكثر من خمس سنوات، أنظّف المنزل، وأُلبي طلبات العائلة". 

عامر في أكوام قمامة مكبّ البصة في ريف اللاذقية، تصوير سهى كامل

لماذا تأخذين الطعام خلسة؟ تجيب: "الغاية تبرر الوسيلة، يسرفون في تناوله، بينما لا أملك سوى ثمن الخبز وبعض البطاطا والبندورة، الحرب زادتهم ثراءً، أما أنا فخسرت والدي ومنزلي في حلب، جئت إلى هنا ولم أجد عملاً سوى التنظيف، رغم أنني حاصلة على شهادة الثالث الثانوي الأدبي".

تشعر دلال بالسعادة كلما سمعت أخباراً عن موت أحد ما، تقول: "بعد رؤيتي لوالدي يموت أمام عينيّ تمنيتُ أن يعيش الجميع تجربتي، كنت كلما سمعت خبراً محزناً أفرح رغماً عني، لا أستطيع وصف هذه المشاعر، لكنها موجودة حقاً في داخلي".

هل جعلتك الحرب قاسية؟ ترد: "أعتقد ذلك، أحياناً تضايقني هذه القسوة، لكنها كبرت في داخلي، وانعكست على تصرفاتي، أذكر مرّةً طلب مني أحدهم أن أمارس الجنس معه، نظرت إليه بكل جرأة... لكنه رفض وقال: مين مفكرة حالك؟ ما بتسوي ليرتين".

السيدة ليلى طيّبة القلب، تعلم بموضوع الطعام، لكنها لا تتكلم، تقول دلال: "أظن أنها لا تسألني لأنني لا أسرق سوى الطعام، إنها امرأة كريمة، لكنني لست دلال الفتاة البريئة التي تعيش مع والدها في حلب، كل شيء تغيّر بعد الحرب".

"لست دلال الفتاة البريئة التي تعيش مع والدها في حلب".

تعيش دلال كغيرها من الفتيات اللواتي عاصرن ظروف الحرب، صراعات نفسية بين ما تربت عليه في الماضي وبين واقعها الحالي، فتسيطر الأنانية، وتفضيل الذات على الآخرين أحياناً، والتصرّف وفق الأهواء والمصالح الشخصية، ومواجهة العنف بالعنف، في ظل ظروف طاحنة أجبرتها على اختيار القسوة كحل وحيد للبقاء.

تعلق الخبيرة النفسية والاجتماعية هبة موسى لرصيف22: "للحروب آثار نفسية عديدة تتجلى في سلوك الفرد اليومي، نسميها في علم النفس "اضطراب ما بعد الصدمة"، تشمل الاكتئاب والقلق والعنف والتطرف في ردود الأفعال".

وتضيف موسى: "تظهر الآثار النفسية للحرب لدى الأشخاص الذين عايشوها بشكل مباشر، وتأثروا بالنزاعات المسلحة، كفقدان أحد أفراد الأسرة، أو النزوح القسري من المنزل، أو تعرض حياتهم للخطر، وشعورهم أنهم على حافة الموت".

وتتابع: "هذا ما حدث مع مئات العائلات السورية خلال الحرب، وهو يتطلب تكاتف الجهود لمساعدة هذه العائلات، والاعتراف بضرورة تقديم العلاج النفسي لها". 

عامر في أكوام قمامة مكبّ البصة في ريف اللاذقية، تصوير سهى كامل

وتشرح موسى: "عندما تجد مشاعر الألم والحزن المكبوتة فرصة للخروج تظهر على شكل ردود أفعال متطرفة، كالعنف والسرقة والانحلال والأنانية والإحساس بالعجز، ويترجم الشخص الرغبة في الانتقام من الماضي والتخلص من آلامه بسلوكيات عنيفة في الحاضر".

"لا مكان للضعيف"

يغوص عامر في أكوام قمامة مكبّ البصة في ريف اللاذقية، ويبحث عن أكياس النايلون، وقطع الكرتون، والعلب البلاستيكية، وأي قطعة معدنية مرمية هنا أو هناك. بينما يحاول مراد التقاط علبة بلاستيكية، يشاهده عامر، ينقض عليه، ينتزع العلبة من يده، ثم يبدأ الشجار بينهما.

يعمل عامر في نبش القمامة منذ ثلاثة أعوام، جاء في عام 2015 مع والده من مدينة إدلب إلى اللاذقية، هجرته والدته وسافرت إلى تركيا، تزوج والده بعد عام من قدومهما، وطرده من المنزل.

يقول عامر (13 عاماً) لرصيف22: "تغيّر والدي بعد مجيئنا، أصبح قاسياً، يضربني ويشتمني، ويصرخ في وجهي غاضباً: شو الله جابرني طعميك، روح اشتغل وطعمي حالك، لم أجد مكاناً أنام فيه، علّمني الشارع السرقة، إلى أن بدأت العمل في نبش القمامة، وبيع ما أجمع للتجار".

"طلب مني أحدهم أن أمارس الجنس معه، نظرت إليه بكل جرأة... لكنه رفض، وقال: مين مفكرة حالك؟ ما بتسوي ليرتين"

تظهر على وجه عامر العديد من الحبوب التي تغطي وجنتيه، يبدو نحيلاً مع شعر أسود، وأنف مقوّس، وبشرة سمراء، وعلى كتفه اليمنى تظهر علامة جرح عميق، يقول: "هذا الجرح سببه أبي، قيدني وضربني بالحبل، إلى أن بدأ الدم يخرج من جسدي، فتركت المنزل ولم أعد".

ويضيف: "العمل في نبش القمامة يشبه العمل في غابة مليئة بالوحوش، لا مكان فيها للضعف أو الطيبة، وإلا فسينقض عليك أحدهم ويسطو على رزقك، مرّة ضربت أحد الأطفال بالسكين لأنه اقترب من البقعة التي أعمل بها".

تعلّم عامر التحرش بالفتيات اللواتي يعملن في نبش القمامة، يقول: "حاولت ملامسة صدر فتاة صغيرة، كانت تجمع الكرتون، لكنها هربت، ضحكت، وشتمتها بأعلى صوتي، وأصبحت كلما رأيتها اشتمها الشتيمة ذاتها، فتبكي وتركض هاربة".

لا يعرف عامر معنى كلمة الطيبة، يقول: "كبرت على صوت الانفجارات، رأيت منزلنا مهدماً، غادرتنا أمي دون أن تُلقي علينا نظرة الوداع، علمتني الحرب إما أنا أو لا أحد، مرة ضربت سيدة لأنها سألتني: لماذا تتسول؟".

ورغم أن العمليات العسكرية تراجعت في سوريا، بدأت آثار الحرب تظهر على كل من عايشها، من خلال سلوكه الاجتماعي، ومن اختبر الحرب يعلم أن لها أوزاراً أثقل من الأسلحة، أهمها الألم النفسي الناتج عن ألم التجربة، تلك التجربة المحفورة في ذاكرته، تدفعه دائماً للدفاع عن نفسه مهما كانت الوسيلة.

"انعدام الحالة الوسطية"

"الأطفال أكثر حساسية وتأثراً بالحروب"، تقول موسى، وتضيف: "تظهر لديهم على شكل لامبالاة بالواقع، ولأنهم لا يفهمون الصورة الكاملة للحرب، بل ما يؤلمهم فحسب، يتحولون من أطفال مفرطي الحساسية إلى شديدي العدوانية، هذا ما نسميه بالتطرف، أي انعدام الحالة الوسطية المطلوبة للتوازن النفسي".

وترى موسى أن الحل يكمن في العلاج على المدى الطويل، للعودة بالشخص إلى الحالة الوسطية، والتوازن النفسي الذي تمتع به قبل الصدمة، عن طريق تأمين بيئة دافئة له، ودعمه نفسياً، والتأكيدأنه شخص فاعل في المجتمع، ومحبوب من الآخرين.

وتشدد على أن التأهيل النفسي لصدمة ما بعد الحرب، هو خلق حالة من التوازن النفسي والجسدي والعضوي والعصبي، عن طريق مختصين بالعلاج المعرفي السلوكي، لأن كل الأشخاص الذين عايشوا الحرب يصنفون "ضحايا عنف".

وتختم موسى: "تقويم الغضب والتطرف الشديد يتم من خلال تصريفهما بمكانهما الصحيح، أي تغيير أفكار وسلوكيات الشخص من سلبية إلى إيجابية متصالحة مع الواقع المعاش بعيداً عن الماضي، إضافة للنشاطات الرياضية والتواصل مع الطبيعة".

اللاذقية "وطني"

تقرأ ريهام الورقة بين يديها، تغمرها سعادة، أخيراً حصلت على طلاقها، عليها أن تشكر المحامية التي ساعدتها دون أن تتقاضى أجرها، أو ربما ستشتري لها هدية تعبيراً عن امتنانها.

تعيش ريهام في مدينة اللاذقية منذ عام 2015، جاءت مع زوجها السابق، بعد تصاعد العمليات العسكرية في حلب، رغم نزوحها، ومعاناتها مع زوجها وخسارتها لبيتها ومدينتها، إلا أنها وجدت في مدينة اللاذقية "وطناً" لها.

تحكي ربهام (29 عاماً) قصتها لرصيف22: "أُحب هذه المدينة، حاول أهلها دعمي، منهم المحامية التي ساعدتني للحصول على طلاقي، بعد ذلك وظفتني في مكتبها، أقدم القهوة والشاي براتب مقبول، تعطيني كل ما احتاجه من طعام ولباس، وفي المقابل كنت صادقة معها، وحفظت أسرار عملها".

هل ترغبين بالعودة؟ "في البداية كانت أفكاري متناقضة، شعرت بالغربة، عادات مختلفة، وأسلوب حياة مغاير، واجهت بعض الصعوبات المتعلقة بالنظرة الدونية للنازحين، لكن اقتصر الأمر على البعض وليس الكل، ثم جمعتني الصدفة بأشخاص كانوا مصدراً للدعم والمحبة، خفّفوا عنيّ ألمي، وأضحوا أصدقاء حقيقين"، تقول ريهام.

تزوجت ريهام شاباً من مدينة اللاذقية، تعيش معه في منزل صغير في ريف المدينة، تنهي حديثها، قائلة: "لم تفقدني الحرب الرغبة في الحياة والعطاء، كل عمل جيد له مقابل مثله، وكما يقول المثل: إن خليت خربت".

حكاية "شعب الجبل"

حالة النزوح الداخلي، قديمة قدم الحضارة والاستعمار، ومن أبرز القصص التي سلطت الضوء على ما يمكن أن تعززه فينا الحروب، من سلوكيات عنيفة، وقاسية على أنفسنا والآخرين، ما حدث لـ"شعب الجبل".

يحكى أنه في الحرب العالمية الثانية نزحت قبيلة "آي كي" الأفريقية من أرضهم التي عاشوا فيها كصيادين، لمنطقة أخرى يتعين عليهم أن يزرعوا، ولكن الظروف قاسية، والأمطار شحيحة.

فقدت القبيلة كل المشاعر الإنسانية التي سادت على أرضهم الأصلية، أضحوا يرمون أطفالهم بعد عمر الثلاث سنوات خارج الكوخ، توفيراً للطعام، ويتركون المسنين يموتون جوعاً، وحبس والدان ابنتهم حتى الموت بلا طعام أو ماء، واحترقت يد طفل، وضحكت أمه وكل من نظروا إليه.

حتى المعونات الدولية، كان يحتفظ بها الأقوياء لأنفسهم، وكانوا يتقيؤون في الطريق، ليأكلوا مرة أخرى، وسخروا من أحدهم بعد أن أصر على الاحتفاظ بالطعام لزوجته وأبنائه، باعتباره أحمقاً وضعيفاً.

حكاية "شعب الجبل" وغيرها الكثير، دفعت أحد الباحثين إلى كتابة الجملة الآتية، والتي اختلف معه فيها باحثون اجتماعيون، قائلاً: "القيم الإنسانية سطحية جداً، ولا تصمد طويلاً، والإيثار ليس أصيلاً ولا طبيعياُ في البشر".

قد يختلف الكثير منا حول مصداقية تلك الأفكار، ولكننا في النهاية لا نلوم سوى الحروب والإرهاب والاستبداد، الذي يبدل جلودنا الإنسانية بأخرى خشنة، وقاسية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard