تنتهي اليوغا وتبقى الحروب... "ضباط" يختبرون السلام على شاطئ غزة

الجمعة 30 يوليو 202105:21 م

على شاطئ بحر غزة، الذي يمثل المتنفس الوحيد للسكان، امتزجت ألحان الموسيقى مع صوت أمواج البحر، حيث دأب ضباط إسعاف على عيش تجربة رياضة اليوغا كنوع جديد من التفريغ النفسي، عبر انسجام وتوازن كبيرين، للاستفادة من مفعولها الإيجابي في الهواء الطلق، بعد أن عاشوا 11 يوماً من الضغط النفسي والمهني أثناء العدوان الأخير.

"اليوغا هي الطريق إلى الحرية، عبر الممارسة المستمرة، نستطيع تحرير أنفسنا من الخوف والكرب والشعور بالوحدة"، يقول إندرا ديفي الكاتب اليوغي الشهير.

قد يكون أهالي قطاع غزة بأمس الحاجة لتطبيق هذه المقولة، عبر جلسات اليوغا، للتحرر من الضغوط النفسية واليومية، والصدمات، وآثار الحروب المتكررة، التي تأكل الأخضر واليابس، وهكذا فعلت شريحة اجتماعية منهم.

التنفّس العميق وذكريات الدم

الضابط حسن عمران، ثلاثيني، أحد رجال الإسعاف الذي لم يترك عمله قط طيلة الحرب، كان منسجماً في اليوغا كما لو أنه في عالم آخر، يتنفس بعمق، وهدوء ما بين شهيق وزفير. يمارس اليوغا محاولاً أن يتناسى مشاهد الدمار، والقتل، وصوت الإسعاف، وصرخات المصابين حين كانت تسقط على رؤوسهم حمم الصواريخ، كذلك أشلاء الشهداء.

هذا المشهد غير المألوف بالنسبة لحسن، بدا جيداً، ويتخيل بتأوه لو أن هذه المشاعر تشكل واقعاً حقيقياً، إحساساً بالسلام الدائم مع نفسه وعائلته الصغيرة، وطفله القادم للحياة.

ضباط إسعاف في غزة يمارسون اليوغا على الشاطئ المعروف، صورة متداولة على السوشال ميديا

ويعمل المسعفون والطواقم الطبية في غزة دون كلل أو ملل كالجندي المجهول، ووفق إحصاءات الصحة الفلسطينية، فقد استشهد 21 وأصيب 80 من مختلف الطواقم العاملة خلال العدوان، والحروب المتكررة على القطاع.

"من الجيد ممارسة اليوغا، فنحن كضباط إسعاف نعيش لحظات صعبة للغاية بسبب عملنا في أوقات الحروب، أحياناً كنت أتعرض للإغماء والإرهاق النفسي الكبير بسبب ما أراه من مشاهد ودمار، لكن مثل هذه الرياضة تأتي من خلال مبادرات، وليست بشكل دائم"، يقول حسن لرصيف22.

يشعر حسن بأسف للفوائد المؤقتة الناتجة من تلك الممارسات، يقول: "رغم أنها قد تبدو كدعم نفسي، أو كدعم مؤقت، قد تشعر بالراحة في الوقت التي تمارس فيه جلسة اليوغا، ولكن بعد الانتهاء نعود مرة أخرى لضغوط الحياة".

تنتهي ممارسات اليوغا، وينتهي السلام، ولكن "الحروب لا تنتهي في غزة، بمجرد وقف إطلاق النار، تبقى مخلفاتها سنين طويلة، يرافقها ضيق في الحياة المعيشية والإنسانية، فحتى أقل متطلبات الحياة كالتنزه برفقة أطفالي، أو مع الذين لم أشاهدهم طيلة فترة عملي بالحرب، لا أستطيع أن أقوم بها، كوني لا أتلقى راتباً كاملاً، رغم أني أحمل روحي على كفي برفقة جميع الزملاء، الذين يعملون في هذه المهنة الإنسانية بدرجة أولى، والشاقة"، يضيف حسن.

مارس اليوغا، وعاش سلاماً يأسف له، لأنه ينتهي بانتهاء تلك الرياضة الروحانية، ولاعتراضات من يراها طقوساً بوذية، وهندوسية مخالفة لـ"معتقدات الإسلام" وتقاليد المجتمع

يعيش حسن في منزل بالإيجار، لا يتقاضى سوى 200 دولار أمريكي، بالكاد يكفي الراتب لتلبية احتياجات منزله اليومية، وزوجته، وطفله، والجنين القادم.

يؤكد حسن حاجته لاستقرار مادي ونفسي، كلاهما يكمل الآخر، تساعده جلسات اليوغا في التخلص من التوتر، وبدأ يعيد تعريف ضغوطه النفسية، ويقلل من أهميتها، يقول: "هناك ضغوط نفسية قد لا تأتي بفائدة مرجوة".

بالعودة لطبيعة المجتمع الغزي المحافظ، والذي تسيطر عليه بعض العادات والتقاليد، واجه المسعفون عدة انتقادات مجتمعية، بحسب من تحدثنا معهم، فهناك من اعترض على قيامهم برياضة اليوغا، فعلى حد وصفهم تتبع "الديانة البوذية، الهندوسية"، ويرون أنها مخالفة لـ"معتقدات الدين الإسلامي وتقاليد غزة".

"مليونان يحتاجون لليوغا"

أشرف الشنطي هو الآخر من ضباط الإسعاف، ولم يعد لمنزله إلا بعد انتهاء الحرب الأخيرة على القطاع، اعتاد ذلك في كل حرب. دُمر منزله أمام عينيه في الحروب السابقة، ولا يزال مشهد سقوطه في باله، مما سبب له ألماً نفسياً بين الحين والآخر.

في قطاع غزة يدفعون من أعمارهم وأموالهم لشراء وتكوين عائلة ومنزل، وتأتي طائرات الاحتلال خلال ثوانٍ وتهدم المنزل دون سابق إنذار، فتهدم ليس الحجار فقط، بل الأرواح والأحلام والذكريات، ويذهب كل شيء بلا عودة.

فهل تساعد اليوغا على نسيان أمور كهذه؟

"بالفعل، لليوغا آثار إيجابية، خاصة أنها على بحر غزة، لا شعورياً ربما نتخلص من الطاقة السلبية ونتلقى طاقة إيجابية قد تساعدنا للتخلص من هموم الحياة ومأساة الحروب المتكررة". يقول أشرف ويستدرك: "لكن رغم أهمية هذه التجربة على صعيد الرجال، خاصة من يعملون في مجال الإسعاف، ليست وحدها كافية، فنحن نحلم أن نعيش بسلام وطمأنينة دون حروب، ودون أن نشعر بالموت في أي لحظة وضياع المال والأولاد".

ويتابع: "لست وحدي من بحاجة لليوغا، وممارسة أي نوع من العلاج للتخلص من الضغوط، هناك مليونا فلسطيني يعيشون في قطاع غزة بحاجة لعلاج نفسي ودعم من جميع النواحي، مادياً واقتصادياً، فويلات الحروب لا تترك شيئاً سالماً، من لم يُقتل من الطائرات قد يقتل بسبب الصدمات والهموم، خاصة من فقدوا ذويهم".


ضباط إسعاف في غزة يمارسون اليوغا على الشاطئ المعروف، صورة متداولة على السوشال ميديا

"استهدفتُ ضباط الإسعاف"

مؤسّسة "نادي الإيجابية" في غزة، تحرير مرتجي، وهي القائمة على المبادرة، والتي أقيمت في 21 حزيران/ يونيو، تقول: "لم أستهدف ضباط الإسعاف للخروج عن المألوف فقط، ولكن لكونهم أيضاً يعانون الويلات بسبب طبيعة عملهم، ويعيشون ضغوطاً كبيرة، وآثاراً متراكمة من الصدمات بسبب الحروب المتكررة على القطاع".

وتوضح تحرير أن رياضة اليوغا لها دور كبير في التخفيف عنهم نفسياً، وإخراجهم من ضغوط الحروب المتراكمة، لا سيما أنهم يتعرضون للخطر بشكل كبير، ومعظمهم نجا من الموت بأعجوبة، مشيرة إلى أن ممارسة رياضة اليوغا والتمارين الرياضية ستساعدهم للوصول إلى السلام الداخلي، وتحويل الطاقة السلبية إلى إيجابية.

يتنفس بعمق، وهدوء على شاطئ غزة، شهيقاً وزفيراً، محاولاً أن ينسى أو يتناسى صوت الإسعاف، وصرخات المصابين، وانهيار المباني، وأشلاء الشهداء، فهل نجح؟

"يحدث كل ذلك من خلال الاعتماد على التنفس السليم، مع كل حركة، بالإضافة إلى الحفاظ على التوازن، كذلك يخلق لديهم فرصة جديدة للتخلص من هموم الحياة، ومشاقها اليومية"، تقول تحرير.

ويتحدث علماء نفس عن أن اليوغا شكل من أشكال التمارين القديمة، التي تركز على القوة والمرونة والتنفس لتعزيز الرفاهية البدنية والعقلية، وتشمل مجموعة من الحركات البدنية، لزيادة القوة والمرونة، والتنفس، وهي من رياضات التأمل.

أما عن نشأة اليوغا، فيذكر مؤرخون أن تاريخ هذه الرياضة يعود إلى الهند منذ حوالي خمسة آلاف عام، وتم تكييفها في بلدان أخرى بطرق متنوعة، وهناك عدة أنواع منها، مثل "أشتانغا" Ashtanga و"لينيغار" Iyengar و"سيفانادا" Sivananda، وبعض الأساليب أكثر قوة من غيرها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard