"والسيّد ماله بقرة منذبح بنته هالشقرا"... أغاني الأعياد مصيدة للأطفال لتعلم العنف

الأحد 18 يوليو 202105:32 م

كل عام وفي فترة الأعياد، وتحديداً عيدي الفطر والأضحى، تعود بي الذاكرة إلى أيام الطفولة في سوريا، لأستعيد ما كنت أغنيه أنا وأبناء جيلي ابتهاجاً بقدوم العيد واللعب على الأراجيح. عاماً بعد آخر، تدفعني هذه الاستعادة لأكتشف أن بعض تلك الأغاني الشعبية الطفولية، التي قد تبدو بسيطة وجميلة وتبعث على الفرح، تحمل في طياتها معاني العنف والعنصرية والتنمر وأحياناً الطائفية.

"يا ولاد محارب... شدوا القوالب... قوالب صيني... شغل الفنيني... علي ما مات (وهنا من يقول أحمد ما مات)... خلف بنات... بناتو بيض شكل العفاريت.... بناتو سود شكل القرود".

"قويها بالشدة ما مننزل إلا بقتلة".

"بكرة العيد ومنعيّد... ومنذبح بقرة السيّد... والسيّد ما له بقرة منذبح مرته (أو بنته) هالشقرا".

قد تبدو بعض أغنيات الأطفال بسيطة وتبعث على الفرح، لكنها تحمل معاني العنف والعنصرية والتنمر وأحياناً الطائفية.

بدأت أتساءل عن كيفية تجاهل المنظومة المجتمعية لمعاني هذه الأغنيات، وأيضاً تأثيرها المحتمل على الجيل الذي أنتمي إليه، والذي قضى طفولته في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، وتأسس بجزء منها على ثقافة تحمل تلك المعاني السلبية، ثم عاصر الحرب في بلده سوريا وفي كامل المنطقة، وما رافقها من أحداث عنيفة، وهو في بداية مرحلة الشباب وتكوين الوعي.

الأغنيات وثقافة العنف

مرّت سنين طويلة ليتسنى لي إدراك تلك المعاني التي لا زلنا نحملها في ذاكرتنا، وترسخت في أذهاننا، وجعلتنا نكوّن مفاهيم حول العالم من حولنا، وحول أنفسنا، وربما كبرنا وجسدناها في أفعالنا، دون أن ينبهنا أحد لفظاعتها.

هذه الثقافة العنفية التي أشعرتنا بالمتعة في السابق، بدأت تأخذ أبعاداً أكبر مع تقدمنا في العمر وبدء الحرب التي أثارت فينا استغراباً حول قدرة البعض على المشاركة في عمليات القتال، أو تقبل الأفعال الإجرامية ودعمها. وهنا علينا أن نسأل، كيف أثرت مفاهيم هذه الأغنيات على وعينا؟ وهل ساهمت في زيادة العنف خلال الحرب، أم أنها كانت عاملاً مساعداً حدّت منه لمن أدرك معانيها؟

في كتاب "الموسيقى التقليدية في سوريا" للباحث الدكتور حسّان عبّاس، نقرأ بأنّ "المجتمع السوري مجتمع شاب، حيث تبلغ نسبة الأطفال دون 15 سنة (35%)، ما يحتّم تواجدهم بشكل جماعي، ويوفّر أرضاً خصبة لازدهار الألعاب الجماعية في البيوت والشوارع، لتزدهر بذلك الأغاني التي أصبحت راسخة في طقس العيد"، ويضيف المؤلف بأن بعض تلك الأغنيات تثير احتجاجاً من فئات معينة ترى بأنها تتناول رموزاً دينية مقدسة بشكل مسيء.

وتتحدث إحدى المبادرات السورية التي تسعى لمناهضة التنمر، تحت اسم "البعبع"، عن أن بعض الأغنيات الشعبية في سوريا تحمل معاني التنمر والعنف، ونحن نتعلمها منذ الصغر وتترسخ في أذهاننا كصور نمطية تصعب إعادة تشكيلها مع الوقت، ومن ضمن هذه الأغنيات الأغاني البسيطة التي تنتشر في مهرجانات الألعاب الشعبية في الأعياد، نصرخ بها ونحن نلهو في المراجيح، فننال من شرائح اجتماعية وكأنها أكثر لحظة تُفرحنا في حياتنا، لنحتاج لاحقاً سنوات عديدة لإدراك معانيها".


ثقافة تتخطى الحدود

من اللافت أن العديد من البلاد العربية تتشارك بهذه الأغنيات بشكل عام، مع اختلافات طفيفة بين بلد وآخر، وذلك يعود إمّا لطبيعة اللهجة أو لطبيعة الهدف المنشود منها.

مثلاً، يغني الأطفال في مصر "بكرا العيد ونعيد وندبحك يا شيخ (أو خروف) سيد"، وفي فلسطين "بكرة العيد ومنعيّد مندبح بقرة سعيّد... وسعيّد مالو بقرة مندبح بنتُه هالشقرا... والشقرا ما فيها دم مندبح بنته بنت العم"، وفي لبنان "يا ولاد محارب شدوا القوارب... قوارب مين أبو إسماعيل... ويا ولاد شرشوبة البنت المخطوبة... يا مين خطبها وقوموا نزيلو... ما مننزل غصب عنكن ما مننزل منكسركن ما مننزل".

كان المجتمع يرفض فقط الأغاني التي بها بُعد ديني، أمّا تلك التي تحرض على القتل والعنف فهي بنظر المجتمع عادية. لم يحاول أحد توعيتنا تجاه ما نغنيه بشكل عادي وتلقائي، وحتى لو فكرنّا أن نسأل أهالينا عن المعاني، لن يجيبوا، ربما لأنّهم لا يريدوننا أن نعرف

توعية مجتزأة

يؤكد الصحافي مصطفى أبو حسنة، وهو سوري ثلاثيني مقيم في لبنان، على أنّ مفاهيم هذه الأغنيات قد أثرت على الوعي دون شك: "الإنسان ابن بيئته، لكن التأثير يكون بدرجات متفاوتة من شخص لآخر".

ويكمل في حديثه لرصيف22: "حاول البعض من الأجيال الأكبر، تنبيهنا على معانٍ دينية مسيئة تحملها بعض الأغنيات، مثل ‘يا حج محمد يويو’، وأخرى كنا نغنيها عند تأخر هطول المطر، فكنا نجتمع وندور على بيوت الناس ونصيح: يلا الغيث يا ريّا وعبت جيوبنا ميّة... ولنغسل ونتغسل ونغسل ثوب راعينا... وراعينا حسن أقرع صرلو سنة ما زرع... زرع بشارة قرطتها الفارة".

وكان للأهل دور في توجيه الأطفال للابتعاد عن بعض الأغنيات، لكن ليس جميعها، كما يقول المتحدث: "كان والداي ينهراننا عندما نتنمر على أشخاص لديهم وضع صحي معين، على مبدأ ‘يا ابني هذا عيب وحرام ولا يجوز’، دون أن يقولوا بشكل صريح بأن هذا التصرف يُعد انتهاكاً لحقوق الإنسان، أمّا من ناحية الأغنيات التي تحوي مصطلحات كالقتل والذبح، فلم يكن هناك أي توعية بكونها مسيئة".

لنور مرزوق (25 عاماً)، المقيمة في لبنان وتختص في مجال الإذاعة والتلفزيون، وجهة نظر في الموضوع، فتقول لرصيف22 بأنّ لهذه المفاهيم أثر كبير على وعينا، فهي أصبحت جزءاً مننا دون إدراكنا، وبكل تأكيد ساهمت في زيادة العنف ولم تحد منه لأننا تربينا على سماع الشعارات والأغاني العنيفة والطائفية.

لهذه المفاهيم أثر كبير على وعينا، فهي أصبحت جزءاً مننا دون إدراكنا، وبكل تأكيد ساهمت في زيادة العنف.

"لقد كان الرفض في مجتمعنا والبيئة ككل فقط للأغاني التي بها بُعد ديني، أمّا تلك التي تحرض على القتل والعنف فهي بنظر المجتمع عادية. لم يحاول أحد توعيتنا تجاه ما نغنيه بشكل عادي وتلقائي، وحتى لو فكرنّا أن نسأل أهالينا عن المعاني، لن يجيبوا، ربما لأنّهم لا يريدوننا أن نعرف. حتى اليوم ما زلنا نقوم بأمور لا نعرف سببها، فنحن معتادون على ألا نسأل، وأن نرى الأمور ونغض النظر عنها"، تضيف الشابة.

"في العموم، هذه الأغاني الشعبية كنّا نغنيها وما زال الجيل الجديد يغنيها، إما نتيجة التلقين دون تفكير أو تحليل، أو من باب اللغو، أو لأننا اعتدنا عليها. مفاهيم هذه الأغنيات لم تحد من العنف، برأيي أنها عززت الشرخ وزادت المأساة، فلا المدارس علّمتنا معنى المواطنة أو الإنسانية، ولا مجتمعنا علّمنا ألا نكون عنصريين تجاه الآخر"، يقول الكاتب والباحث السوري خالد وليد سرحان لرصيف22.

ويضرب الشاب العشريني مثالاً آخر حول أغنية تُغنى إلى الآن من قبل الأطفال وأهاليهم، في النزهات العائلية والرحلات المدرسية وحتى خلال تجمع الأطفال في الشارع، وفيها تحريض على الإرهاب والعنف: شندي مندي كلي وشربي... عبي حمالك بكرا بتوصلي... وصلنا وصلنا لمطرح ما كنا... جيبوا حطب جيبوا نار حتى نحرق هالكفار.


عوامل لتعزيز العنف

تقول الدكتورة في علم الاجتماع ختام حمود لرصيف22 بأن ممارسة العنف هي ظاهرة متجذرة من زمن قابيل وهابيل، والسلوك العنيف نابع من آثار اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية ونفسية، والاستماع للأغاني والموسيقا عامل من هذه العوامل.

والفئة العمرية التي نتحدث عنها، هي تلك التي عاصرت الحرب، وتبدّل القيم والثقافة والمفاهيم، فالأسرة لم تعد هي وحدها الضابط الوحيد للتنشئة مع تغير البنية المجتمعية برمّتها. بذلك، ترى حمود بأن "هذه الأغنيات ربما كانت تبث أفكار العنف، وأثرت في اللاوعي ضمن مجتمع لديه أساس حاضن لهذه الأفكار، لكن أغلبية الأشخاص الذين غنوها فعلوا ذلك بالاكتساب، وحينها لم يكن الهدف ممارسة العنف، بالتالي هي لم تؤثر بالضرورة على العنف خلال الحرب، أو أي ممارسات تتعلق بالعنصرية والطائفية والتنمر".

"كنا نغني هذه الأغاني وما زال الجيل الجديد يغنيها، إما نتيجة التلقين دون تفكير أو تحليل، أو من باب اللغو، أو لأننا اعتدنا عليها. عززت مفاهيم هذه الأغنيات الشرخ، فلا المدارس علّمتنا معنى المواطنة أو الإنسانية، ولا مجتمعنا علّمنا ألا نكون عنصريين تجاه الآخر"

وفي الجيل الحالي، لا يمكننا أن ننكر بأن ممارسة الأطفال للعنف باتت اعتيادية في طرق تواصلهم مع الآخرين، إما لإثبات الذات أو فرض السيطرة أو حتى لتحقيق أهداف مرجوة، وهناك من يستخدم ألفاظاً عنيفة بهدف النكتة أو الاستهزاء أو التعنيف، "لا يمكننا إرجاع سبب هذه السلوكيات للأغاني ومفاهيمها، بل إلى طبيعة الموقف الذي يحدث به التصرف العنفي"، تضيف حمود.

بذلك، لا يبدو بأن الأغاني هي صاحبة التأثير الأكبر على الجيل الحالي، الذي عايش حرباً غيرت الكثير من القيم والضوابط الاجتماعية وتركت أثراً على سلوكيات الأفراد والمجتمع كله. تقول منظمة اليونيسيف بأن نصف أطفال سوريا لا يعرفون سوى العنف، ويعود ذلك لتعرضهم للعنف على كافة الأصعدة سواء التعليمية أو الغذائية أو الجنسية أو مشاركتهم في القتال. ولا يختلف حال الأطفال في بلدان عربية أخرى، ما يُقصي الأغنيات من المعادلة أو على الأقل يخفف من نسبة تأثيرها مقابل عوامل أخرى أكثر حضوراً وقوة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard