سمير غانم... سبع ضحكات ومحطات للخلود الفني

الجمعة 21 مايو 202101:34 م

أصعب أنواع المقالات بالنسبة لكثيرين، ومنهم كاتب هذه السطور، هي مقالات الوداع والتأبين. تلك المهمة الصعبة التي تحاول فيها إيجاز مشوار لعملاق استمرّ عطاؤه 50 عاماً أو أكثر، في مقال واحد لن يوفيه حقه مهما حاولت.

تزداد صعوبة المهمة مع فنان له وزن سمير غانم، الرجل الذي ترك بصمة ضحك في طفولتنا جميعاً، وظل ناجحاً في مهمة إضحاكنا لعقود وعقود، مهما كبرنا وتغير وعينا.

عزاؤنا الوحيد ربما أن العظماء خالدون وسنستمر في الكتابة عنهم، وأن سمير غانم سيظل حياً في عشرات الأفلام والتسجيلات، وهو ميراث سينتقل للأجيال التالية.

7 محطات مميزة تلفت النظر في مشوار الراحل وتضمن له هذا الخلود الفني:


1- احترام الضحك للضحك

في الفن المصري، والعربي عامة، وربما بسبب ظروف منطقتنا السياسية والاجتماعية المشتعلة دوماً، اعتدنا في الإعلام والنقد على رفع شعار "الفن رسالة"، وعلى تقديس فكرة أن قيمة أي عمل فني تُقاس بالمضمون والرسالة السياسية أو الاجتماعية التي يقدمها.

عزاؤنا الوحيد ربما أن سمير غانم سيظل حياً في عشرات الأفلام والتسجيلات، وهو ميراث سينتقل للأجيال التالية.

سمير غانم سار عكس هذا التيار طوال مشواره الفني ولم يخضع لهذه المزايدات. شعاره كان دوماً: لماذا لا يكون الضحك رسالة وقيمة بحد ذاته؟

ضريبة هذا النهج دفعها عندما تجاهلت الأقلام النقدية أغلب أعماله، أو تعاملت معها بدرجة من الاحتقار والتهميش. في المقابل كان المكسب على المدى الطويل هو خلود واستمرارية هذه الأعمال. بعض القضايا تولد وتسخن ثم تخبو أو يضمحل الاهتمام بها. لكن من الذي يكره الضحك أو يرفضه أو يعتبره "هوجة" انتهى زمنها؟

"سمورة" كان مهووساً برسالة الضحك، ولا شيء إلا الضحك، حتى وهو بعيد عن الكاميرات والاستوديوهات. يُشاع مثلاً أنه طلب الشوكة والملعقة الضخمة التي استخدمها في مسرحية "المتزوجون" من ضيوف كان يزورهم، لأنه عندما شاهدهما معلّقتين على الحائط، أدرك أن هذه نكتة يجب أن يراها الجمهور. نفس الملاحظة يمكن استنتاجها من هوسه بالملابس الغريبة والإكسسوارات المضحكة طوال تاريخه.

من مسرحية "المتزوجون"


2- المجد لأفلام الفئة "ب"

كل صناعات السينما والفن في العالم لا تخلو من احترام لأفلام ومسلسلات الدرجة الثانية، فهذه الأفلام هي المحطة الإنتاجية الضرورية رخيصة التكلفة، التي يجب أن يمر بها غالبية المبدعين لاكتساب الخبرات وإثبات الجدارة بفرص أعظم. بدون هذه الفئة لن تتواجد أفلام وأعمال الدرجة الأولى، ولهذا تلقى اهتمام النقاد عادة.

شعار سمير غانم كان دوماً: لماذا لا يكون الضحك رسالة وقيمة بحد ذاته؟ كان مهووساً برسالة الضحك، ولا شيء إلا الضحك، حتى وهو بعيد عن الكاميرات والاستوديوهات.

في الوسط النقدي المصري والعربي العكس صحيح؛ اعتادت أقلام الثمانينيات على ازدراء هذه النوعية، ووصمها بمصطلح "أفلام المقاولات"، وتصنيفها كمنتج رديء يجب التطهّر والتخلّص منه، خاصة مع التوجهات الأيديولوجية التي سيطرت على نقاد هذه الفترة، وجعلت نهش أي فيلم غير مطابق لأجنداتهم السياسية واجباً وإجراءً ضروريين.

سمير غانم كان واحداً من ضحايا هذه الهجمات، بالاشتراك مع آخرين أبرزهم سعيد صالح ويونس شلبي. لكن الطريف أن الزمن كان في صفه، ومنحه الضحكة الأخيرة، وأثبت أن أفلام هذه النوعية يمكن أن تصمد في اختبار الزمن جماهيرياً.

لم يبارك النقاد أعمالاً مثل 4/2/4 (1981)، تجيبها كده تجيلها كده هي كده (1982)، يا رب ولد (1984)، الرجل الذي عطس (1985). لكنها وغيرها من أفلامه، أصبحت اليوم من كلاسيكيات الكوميديا، ومن مكونات عالم الكومكس والميمز في عصر مواقع التواصل الذي بدأ بعد عرض هذه الأفلام بعقود وعقود، ووسط جيل لم يعاصرها.

من فيلم "يارب ولد"

الضغط النقدي والإعلامي على سمير غانم جعله يعتذر ويبرر لاحقاً هذا الاتجاه بالاحتياج المادي، لكن هذا النهج حقيقة لا يحتاج لتبرير أو اعتذار. لقد منح معجبيه في هذه الأفلام، ما أراده الجمهور منه بالأساس: الضحك.

هذه صفقة لم يحترمها أو يفهمها النقاد وقتها، في عقد كانت فيه أقلامهم تتحمس فقط للسينما التي يقدمها أسماء مثل محمد خان وعاطف الطيب ويوسف شاهين، وهي بالمناسبة نوعية السينما التي كان نجاحها الجماهيري متواضعاً، وكادت أن تنهي هذه الصناعة تماماً في مصر بحلول منتصف التسعينيات، لكن هذه قصة أخرى.

من فيلم 4-2-4


3- نجم واثق من نفسه أياً كانت مساحة الدور

بدايات سمير غانم مع الشهرة والنجاح كانت وسط ثلاثي أضواء المسرح، الذي تضمن جورج سيدهم والضيف أحمد. لعل هذه البداية هي السبب الرئيسي في أنه أدرك مبكراً أن النجاح كفنان، لا يتطلب بالضرورة الاستحواذ على العمل كنجم أول وأخير.

بفضل هذا المبدأ، نال فرصة للتألق في أفلامه ومسرحياته، وطوال حياته لم يتردد سمير غانم في المشاركة بأدوار مساعدة، والحقيقة أنه تحدٍ يذكرنا بقدراته وحضوره كنجم. لنشاهد مثلاً هذا المشهد من فيلم "رمضان فوق البركان"، ولنسأل أنفسنا: من نجم الكوميديا الآخر الذي يستطيع أن يخطف البساط من عادل إمام، في فيلم يقوم الأخير ببطولته؟

مشهد من "رمضان فوق البركان"

من جديد لم تكن الرموز النقدية والإعلامية على مستوى الفهم المطلوب لهذه الروح، ووصف بعضهم ما حدث باعتباره تراجعاً لسمير غانم. لكن لأنه دائماً وأبداً واثق من نفسه، تعامل مع هذه المزايدات بلا مبالاة.

رد سمير غانم في برنامج "يا تليفزيون يا"(الدقيقة 16)


4- تجربة ميزو - الارتجال مع النص

من بين كل أعمال سمير غانم، يظل مسلسل "حكاية ميزو" صاحب تركيبة استثنائية، جمعت بين ارتجاله وانضباط سيناريست موهوب من نوعية لينين الرملي، الذي اقتبس المسلسل من الفيلم الأمريكي "ورقة شجر جديدة A New Leaf".

مدرسة سمورة ومدرسة الرملي، متباعدتان للغاية من حيث نهج الكوميديا، وعادة تفشل التجارب الهجينة من هذا النوع. لكن لأن كل شيء بخصوص سمير غانم استثنائي، شاء القدر أن يسجل هذا المسلسل نجاحاً مبهراً حين عرض عام 1977، وأن يظل حتى اليوم من أنجح أعمال الاثنين، ومن كلاسيكيات الكوميديا التليفزيونية.

كرر الثنائي النجاح عام 1985 في فيلم "الرجل الذي عطس". وربما شاء القدر بهذا التعاون الفني الخاطف، أن نجد في تاريخ سمير غانم إثباتاً عملياً أن بصمته كملك الارتجال لا تعني نهائياً أنه كان غير مؤهل لتجارب أخرى.

إعلان مسلسل حكاية ميزو


5- فطوطة: أجمل ما غنى سمير غانم

تمثل شخصية فطوطة التي قدمها الراحل في فوازير التليفزيون، ما يمكن اعتباره ألبوم "أجمل ما غنى سمير غانم" لو كان مطرباً، لأنها جمعت عصارة كل مواهبه وقدراته ككوميديان، واستغلت كل قطرة فيه.

تطويع لغة الجسد، تلون الصوت، الهيئة والملابس والإكسسوارات الغريبة التي جعلت فطوطة أقرب لشخصيات الكرتون، التركيبة العبثية الأقرب لأجواء الإسكتشات، الغناء وتقليد المشاهير. لم يبخل سمير غانم بشيء على فطوطة، واستفادت هذه الشخصية من وقت ظهورها أوائل الثمانينيات، لأن الخدع البصرية كانت تجربة منعشة وغير معتادة بعد للجمهور العربي.

بالتأكيد لا يمكن إغفال دور باقي فريق العمل، وفضل المخرج الراحل فهمي عبد الحميد، الذي شارك في إبداع الشخصية. لكن بعد 40 عاماً من التجربة، هل يوجد اليوم شخصية أخرى كوميدية كارتونية الطباع تناهز فطوطة في النجاح؟ وهل يمكن تخيل نجم آخر بديل كان قادراً على أن يقطع بها نفس الشوط؟

فوازير فطوطة - تتر البداية (1982)

فوازير فطوطة - تتر النهاية (1984)

تمثل شخصية فطوطة التي قدمها الراحل في فوازير التليفزيون، ما يمكن اعتباره ألبوم "أجمل ما غنى سمير غانم" لو كان مطرباً، لأنها جمعت عصارة كل مواهبه وقدراته ككوميديان، واستغلت كل قطرة فيه.

6- التفاعل مع ثقافات أخرى

من أبرز معالم ثلاثي أضواء المسرح، طريقة تفاعلهم مع الظواهر الثقافية والفنية العالمية لزمنهم. والمثال الأشهر على ذلك كان تطويعهم لأغاني فريق البيتلز لتصبح عناصر كوميديا في أعمالهم.

سمير غانم استمر في هذا التفاعل، أحياناً كمجرد ارتجال وكوميديا في اسكتشات كوميدية تليفزيونية أو سينمائية أو مسرحية، شهدت أغانٍ عبثية بالهندية واليونانية، وأحيانا بصيغ أكثر انضباطاً، عندما قدم في فوازير فطوطة موسماً كاملاً عن الشخصيات التاريخية.

هذه اللعبة خلقت ترابطاً ذهنياً لدى ملايين المتفرجين بين نجوميته كفنان كوميدي، وبين التلاعب بهذه الثقافات بطريقة كوميدية. خصوصاً أننا نتحدث عن أزمنة كانت فيها غالبية المتفرجين لا تعرف ما هو أكثر من التليفزيون.

سمير غانم يقلد ترافولتا والريس متقال


7- الأثر في الأجيال التالية

أكد ثلاثي الكوميديا "شيكو، أحمد فهمي، هشام ماجد" مرة في لقاء تليفزيوني، أن قدوتهم كان سمير غانم. والسبب على حد قولهم إنه الفنان الذي لم يقدم نهائياً مشاهد جادة طوال مشواره.

هذا التقدير سنجده متكرراً وسط نجوم آخرين مثل أحمد مكي، ووسط عشرات المخرجين والمؤلفين. وليس من المبالغة أن نصنّف مشاهد مثل المقطع الهندي في فيلم "طير أنت"، كامتداد لمدرسة سمير غانم الساخرة في التفاعل مع ثقافات أخرى.

المقطع الهندى من فيلم "طير أنت"

قد يبدو هذا غريباً. سمير غانم الذي ابتعد عن أجواء السياسة التي اقترب منها دوماً عادل إمام، وعن دور الواعظ الذي تقمصه محمد صبحي، خصوصاً في أعماله الأخيرة، وكلاهما نال الكثير من الإشادة النقدية، أصبح بشكل ما نجم الكوميديا الذي نافسهما وربما تجاوزهما من حيث التأثير على نجوم الأجيال التالية.

لكن مع إعادة التفكير، تبدو هذه النتيجة منطقية. لقد كان الوحيد الذي احترم الضحك للضحك على مدار 60 عاماً. والوحيد الذي يمكنك أن تعتبره طوال حياتك، صديقاً خفيف الظل في نفس سنك ويمكنك أن تضحك معه، دون أن تقلق من أي وعظ أو إرشاد.

بسبب ما سبق ربما، ورغم كل التمهيدات عن مرضه ومكوثه في المستشفى لأسابيع، كان خبر الوفاة صادماً بالنسبة للغالبية، صادماً لأننا عاجزون عن أن نصدق أن سمير غانم إنسان آخر فارق شبابه منذ عقود أولاً، وصادماً لأننا لم نتعود أن يرتبط اسمه بأي شيء غير الضحك ثانياً.

أن تحيا كمركز للبهجة وكمصدر للضحك، والضحك فقط طوال 60 عاماً وحتى لحظة وفاتك. هل يوجد خلود فني أروع من هذا؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard