يُعد شهر رمضان من أكثر الأشهر قداسة في التاريخ الإسلامي، فقد جمع بين العبادة والطاعة والتأمل الروحي، وبين اتخاذ القرارات المصيرية في السياسة والجهاد والفكر. عبر العصور، لم يكن رمضان مجرد فترة للصيام والصلاة، بل طالما كان زمناً رمزياً وعملياً للتغيير والتحولات الكبرى، سواءً في توحيد الدولة، أو مواجهة الفتن والانقسامات، أو مواجهة المعتدين الخارجيين، أو صياغة القرارات الفكرية والعقدية.
يسعى هذا المقال لتتبع بعضاً من أبرز اللحظات الفاصلة في التاريخ الإسلامي التي ارتبطت برمضان، بدءاً من غزوة بدر وفتح مكة، مروراً بـاغتيال علي بن أبي طالب وبيعة عبد الملك بن مروان، وبناء الجامع الأزهر، وإعلان طائفة الشيعة النزارية القيامةَ، وصولاً إلى المعارك الكبرى مثل الزلّاقة وعين جالوت، ووفاة كبار الشخصيات السياسية مثل الوزير نظام الملك الطوسي. من خلال هذا الاستعراض، يظهر رمضان ليس فقط كزمان عبادة، بل كـأداة رمزية وواقعية لتوجيه مسار الأمة وتحديد مصيرها في لحظات تاريخية فاصلة.
رمضان والجهاد… بين التعبئة الدينية والواقع السياسي
وقعت غزوة بدر الكبرى في السابع عشر من رمضان سنة 2هـ، وهي أول مواجهة مسلحة بين المسلمين وقريش، وكانت نقطة تحول حاسمة في مسار الدعوة الإسلامية. يروي ابن هشام في "السيرة النبوية" بعض التفاصيل عن تلك الغزوة، فيقول: "وكان أول قتال قاتله رسول الله المشركين يوم بدر". كما يشير إلى موازين التعبئة القتالية بين الفريقين، فيقول: "كان المسلمون يوم بدر ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، ووقف المشركون ألفاً من القريشيين". انتهت المعركة بانتصار المسلمين، ما أسهم في ترسيخ دعائم دولة المدينة الوليدة في ذلك الوقت. كما ساعد هذا الانتصار في نشر الدعوة الإسلامية بين العديد من القبائل العربية المجاورة ليثرب.
لم يكن رمضان في التاريخ الإسلامي شهراً للعبادة فحسب، بل مسرحاً للحظات فاصلة أعادت رسم خرائط السلطة والعقيدة، من بدر إلى عين جالوت، ومن بناء الأزهر إلى إعلان القيامة في ألموت
حضر رمضان مرة أخرى في الذاكرة الإسلامية المبكرة من خلال فتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة، ففي العشرين من هذا الشهر دخل النبي محمد مكة فاتحاً، بعد سنوات من الصراع مع قريش. يعلق ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك" على معاملة النبي المنتصر للمهزومين: "فقال لهم رسول الله: ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيراً… فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء". ويذكر الطبري بعدها أن النبي أمر بهدم وتحطيم الأصنام التي كانت موجودة حول الكعبة، الأمر الذي عُدّ تحولاً فارقاً في تاريخ شبه الجزيرة العربية، وإيذاناً بهيمنة دعوة التوحيد ونبذ الوثنية بين العرب.
رمضان والسلطة الشرعية
في التاسع عشر من رمضان سنة 40هـ اغتيل الخليفة علي بن أبي طالب في الكوفة. يروي البلاذري في كتابه "أنساب الأشراف" نص الحدث: "فضربه عبد الرحمن بن ملجم بالسيف على رأسه وهو خارج إلى صلاة الفجر". ويضيف البلاذري: "فلما أصابه ضرب الموت، لبث يومين ثم مات".
هذه الروايات توضح أن رمضان كان زمن قرار مصيري في تحديد الشرعية السياسية، وأن اغتيال علي بن أبي طالب قد شكل نقطة تحوّل في انتقال السلطة إلى الأمويين، مع تعزيز الانقسامات المذهبية والسياسية.
في السياق نفسه، شهد شهر رمضان سنة 65هـ حدثاً محورياً في تاريخ الخلافة الإسلامية، تمثل في بيعة عبد الملك بن مروان بعد انقسام الأمة بين عدة أطراف: أنصار ابن الزبير، وبعض القبائل المستقلة، وأتباع الأمويين. يذكر ابن كثير في كتابه "البداية والنهاية" هذا الانقسام: "وكان الناس قد افترقوا شيَعاً، فقوم مع ابن الزبير، وقوم مع بني أمية، وقوم مع الخوارج".
بطبيعة الحال، أسهمت بيعة عبد الملك بن مروان في إعادة رسم مسار التاريخ الإسلامي. فالخليفة الجديد، الذي عُرف بالحزم والدهاء السياسي، نجح في جمع أنصار المعسكر الأموي. ولم يمرّ وقت طويل حتى قاد حملة عسكرية ضخمة استولى خلالها على العراق، قبل أن يرسل جيشاً كبيراً بقيادة الحجاج بن يوسف الثقفي ليهزم عبد الله بن الزبير وأتباعه في مكة. وبذلك تمكن عبد الملك بن مروان من إحياء النفوذ الأموي مرة أخرى، ومن توحيد الدولة الإسلامية تحت قيادته.
رمضان والشيعة الإسماعيلية
ارتبطت ذكرى رمضان بحادثتين مهمتين في الذاكرة الشيعية الإسماعيلية، الأولى هي بناء الجامع الأزهر في القاهرة، والثانية هي إعلان القيامة بقلعة ألموت في إيران.
في رمضان سنة 359هـ بدأ بناء الجامع الأزهر في القاهرة تحت إشراف الوزير جوهر الصقلي. يذكر تقي الدين المقريزي في كتابه "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار": "وأمر جوهر القائد ببناء الجامع بالقاهرة، وهو الجامع الأزهر". ويضيف: "وكان أول جمعة جُمعت فيه في رمضان سنة إحدى وستين وثلاثمائة".
بشكل عام، لعب الأزهر دوراً مهماً في تصدير العقيدة الإسماعيلية خارج مصر، إذ عُدّ أكبر مركز علمي وديني إسماعيلي في المشرق الإسلامي، ما جعله رمزاً للشرعية الدينية والسياسية الفاطمية.
في رمضان سنة 559هـ وقع حدث مفصلي آخر في تاريخ الإسماعيلية النزارية بإيران، وذلك عندما أعلن الحسن الثاني، صاحب ألموت، انتقال الجماعة من طور الشريعة الظاهرة إلى طور الحقيقة الباطنة. وقد جاء هذا الإعلان في سياق سياسي وعقائدي شديد التعقيد، تميز بصراع حاد مع الدولة السلجوقية، وبمحاولة ترسيخ هوية مغايرة داخل الفضاء الإسلامي السني الغالب.
من اغتيال علي بن أبي طالب إلى صعود عبد الملك بن مروان، ومن سقوط المرابطين إلى هزيمة المغول في عين جالوت، يظهر رمضان كشهرٍ مفعم بلحظات صنعت منعطفات التاريخ الإسلامي
جاء في كتاب "الكامل في التاريخ" لابن الأثير إشارة لوقوع هذا التحول في سياق الحديث عن أخبار الشيعة الإسماعيلية النزارية: "وفي هذه السنة أظهر الباطنية ما كانوا يكتمونه، وأسقطوا التكاليف، وقالوا: قد قامت القيامة، فلا صلاة ولا صوم ولا شريعة".
ويكشف هذا النص بوضوح أن إعلان القيامة لم يكن مجرد حدث تنظيمي داخلي، بل مثّل قطيعة صريحة مع النظام التشريعي الإسلامي، وهو ما يفسر الصدمة الواسعة التي أحدثها الإعلان في الأوساط السنية، وسبب التركيز الكبير عليه في مصادر القرن السادس الهجري.
أما رشيد الدين فضل الله الهمذاني، فقد تناول الحدث في كتابه "جامع التواريخ" بوصفه انقلاباً عقائدياً كاملاً داخل الدعوة النزارية، حيث يقول: "وفي شهر رمضان، أُمر الناس بأن لا يصلوا ولا يصوموا، وقيل لهم: هذا يوم القيامة، وقد سقطت التكاليف، لأن المعنى قد ظهر". تكشف هذه العبارة عن البعد الرمزي لاختيار شهر رمضان تحديداً لإعلان القيامة؛ فرَمضان، بكونه شهر العبادة والتكليف والانضباط الشرعي، جرى توظيفه هنا لعكس معناه تماماً، وإعلان نهايته بوصفه رمزاً للشريعة الظاهرة.
رمضان في المعارك الكبرى والتحولات التاريخية
تحتفظ الذاكرة الإسلامية الجمعية لرمضان ببعض اللحظات الفاصلة، والتي أسهمت في سقوط بعض الدول أو في صعود دول أخرى. على سبيل المثال، وقعت موقعة الزلّاقة في رمضان سنة 479هـ بين المرابطين وقوات مملكة قشتالة المسيحية في الأندلس، وكانت من أبرز المعارك التي أعادت التوازن العسكري في المنطقة. يشير ابن كثير في كتابه "البداية والنهاية" إلى أهمية الانتصار الإسلامي في تلك المعركة، فيقول: "فكانت الهزيمة على الإفرنج عظيمة، قُتل منهم عدد لا يُحصى". ويضيف: "ولم يُرَ يومٌ كان أشدّ على النصارى من ذلك اليوم".
من تلك اللحظات أيضاً، ما وقع في رمضان سنة 485هـ عندما توفي نظام الملك الطوسي، الوزير السلجوقي الذي لعب دوراً محورياً في تنظيم الدولة وتعزيز المركزية، والذي وصفه شمس الدين الذهبي في كتابه "سيّر أعلام النبلاء" بقوله: "كان نظام الملك من كبار عقلاء العالم وأعيان الوزراء". أدى اغتيال نظام الملك على يد النزارية إلى اختلال كبير في هيكل الدولة السلجوقية. ما أشار إليه الذهبي بقوله: "فلما قُتل اضطرب أمر الدولة، وظهرت الفتن بين الوزراء والولاة"، ما فتح الباب لبدء الحروب الأهلية بين أبناء البيت السلجوقي في ما بعد.
كذلك شهد رمضان سنة 541هـ، حادثة مهمة في المغرب الإسلامي، عندما توفي تاشفين بن علي بن يوسف، وهو آخر حكام الدولة المرابطية. يذكر الناصر بن عبد الله الناصري في كتابه "الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى" في أخبار تلك السنة: "ومات الأمير تاشفين، فاختل أمر المرابطين، وقوي أمر الموحدين". لعبت تلك الوفاة دوراً رئيساً في تغيير موازيين القوى ببلاد المغرب. إذ فقد المرابطين بوفاة تاشفين القيادة الحكيمة الحازمة، لتسقط معاقلهم بعدها سريعاً في يد الدولة الموحدية الوليدة، والتي تمكنت من فرض هيمنتها الكاملة على المغرب والأندلس في غضون سنوات قليلة.
يعود شهر رمضان للواجهة من جديد في المشرق الإسلامي في سنة 658هـ. في هذا الشهر وقعت معركة عين جالوت الحاسمة بين الجيش المملوكي والجيش المغولي. تمكن المماليك من هزيمة المغول وإنقاذ العالم الإسلامي من خطر وجودي. ويروي المقريزي في كتابه "السلوك لمعرفة دول الملوك" أن تلك المعركة قد شهدت كسرة شديدة للتتار، وأنهم "لم يُجبروا بعدها"، بينما صعد نجم المماليك باعتبارهم القوة التي تمكنت من الحفاظ على مقدرات العالم الإسلامي أمام عدوَّيه الأكثر شراسة، الصليبيين والمغول.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
