كيف دخلت

كيف دخلت "والله" و"يلّا" إلى اللغة الألمانية؟

مدونة نحن والمهاجرون العرب

الجمعة 27 فبراير 20269 دقائق للقراءة

من معاني "والله"، القَسَم وحلف اليمين، سواء أمام قاضٍ في محكمة أو لداعٍ آخر مشابه: "والله إنّي لشاهد على ذلك"، أي أنني أقرّ وأشهد وأقسم باسم الله العظيم أنني كنت شاهداً على حدث محدّد أو أمر ما سُئلت عن حقيقة حصوله أمامي، كما تعني التأكيد والجزم بأمر ما: "والله إنّك لعلى حقّ في ما تقول".

أما لفظة "يلّا" العامية، فربما تكون لها المعاني نفسها لـ"هيّا" و"هلّم": استعجلْ وبادرْ، أي حسناً لننطلق ونبدأ ونباشر. أما إذا لفظناها مرّتَين أو ثلاث مرات تباعاً، فيُقصد بها الاستعجال وعدم فوات الوقت المحدد لموعد أو فعل لا ينبغي التأخير فيه.

في سياق آخر، وحسب ظروف المحاورة وطريقة النطق، تعني "يلّا" لا فرق، "متل بعضو"، "مشّيها"، و"طنّش".

"والله"... "إي والله"

في أثناء جلوسك على مقعد في الترام الواصل شرق برلين بغربها، تسمع مراهقين وشباباً يتكلمون ألمانيةً غريبة. تخرج الكلمات ثخينةً وسريعةً من أفواههم التي سرعان ما تبتعد عيناك عنها إلى جباههم المنقّطة بحبّ الشباب وقصّات شعورهم وأنماط لباسهم التي لا معيار محدداً لها.

العربية في برلين ليست مجرد لغة مهاجرين، بل أصبحت جزءاً من المشهد اللغوي والثقافي للمدينة. هي حاضرة في الشارع، في الثقافة، في الطعام، وفي الحياة الاجتماعية اليومية

يلبس المرء ما يشاء هنا ومتى ما كان، وربما يحالفك الحظ أو المصادفة فترى اللالباس عينه أمامك، ما يذكّرك بعادل إمام في مسرحية "شاهد ما شافش حاجة"، حيث يقول: "كانت لابسة من غير هدوم".

العيون مشعّة تلمع ولا ندري إن كانت الكلمات تسبق القلوب أو القلوب تسبق الكلمات. الحماسة سيّدة مناخ المراهقين وطلبة المدارس. اللهفة والمزاح نشاط جديد لا في الحركة ولا الجسم أو الهيئة فحسب، بل في الصوت كذلك والإشارة واللغة المحكية.

ثمة صخب أليف وضجة غير مزعجة، وربما يكسر الصخب والضجيج رتابة الصمت الألماني الطويل.

تسمع مما يتناهى إلى سمعك جملاً وتعابير من قبيل "Wallah ich habe keine Ahnung"، أي "والله ما عندي علم، ما بعرف بالموضوع"، ثمّ قولاً آخر أو ردّاً مقتضباً من كلمة واحدة "Wallah"، أي "أقسم نعم نعم"، أو "عن جد صحيح هالحكي؟".

عربيّة برلين

تُعدّ العربية اليوم من اللغات الحاضرة بقوّة في الحياة اليومية في برلين، نتيجة موجات الهجرة المتعددة من دول عربية منذ ستينيات القرن الماضي، خصوصاً بعد 2015. ويتحدث العربية في برلين لاجئون ومهاجرون من سوريا، لبنان، العراق، فلسطين، المغرب، وتونس وغيرها، بالإضافة إلى أجيال ثانية وثالثة من عائلات عربية مستقرة منذ عقود، وطلاب وباحثين عرب في الجامعات.

العربية ليست لغةً رسميةً في ألمانيا، لكنها من أكثر اللغات غير الألمانية انتشاراً في العاصمة، وتُسمع في الحياة اليومية على نحو كثيف في أحياء مثل Neukölln وKreuzberg وWedding، حيث تنتشر المحال العربية (مخابز، مطاعم، وصالونات حلاقة). كذلك في المساجد والمراكز الثقافية والمدارس التي تضمّ نسبةً عاليةً من طلاب من أصول عربية.

في بعض الشوارع، قد تسمع العربية بقدر ما تسمع الألمانية. يستخدم بعض الشباب كلمات عربيةً في حديثهم بالألمانية، خاصةً في ما يُعرف بلغة الشارع (Kiezdeutsch) أو اللغة العامية (Umgangssprache). كما تنتشر عبارات عربية بين غير العرب أحياناً في الأوساط الشبابية.

الجيل الأول من المهاجرين يواجه غالباً صعوبةً في التعامل مع اللغة الألمانية. الجيل الثاني يعيش ازدواجيةً لغويةً؛ العربية في البيت، والألمانية خارجه. تدور نقاشات مجتمعية حول الاندماج والحفاظ على الهوية اللغوية. العربية في برلين ليست مجرد لغة مهاجرين، بل أصبحت جزءاً من المشهد اللغوي والثقافي للمدينة. هي حاضرة في الشارع، في الثقافة، في الطعام، وفي الحياة الاجتماعية اليومية.

"يلّا حبيبي يلّا"

أحياناً، يفيد استخدام "يلّا حبيبي يلّا" معانيَ الاستهزاء والسخرية أو المزاح والمعاكسة، عندما يوجهها ألماني أصيل إلى ألماني طارئ أو مهاجر أو لاجئ، يُعرف من لكنته أو لون بشرته وشعره. وتعني في ما تعنيه على نحو ضمنيّ ومبطّن أنه لا يفهم قواعد السلوك الواجب الالتزام بها أو لا يلتزم بها أساساً. هو جاهل لاجئ غرّ "نَيْ" وليس من الخطأ أو التمييز العنصري توجيه عبارة "يلّا حبيبي يلّا" إليه. إنّه يستحقّها طالما بقي على حاله من الجهل وضعف الاندماج.

لا تُعدّ كلمة "الألماني العضوي" مجرد كلمة عامة، بل مرآة لترجمة ألمانيا العميقة في هوية حديثة وصراعاتها بين الانتماء الثقافي والأصل والمواطنة.

"Bruder wallah Bruder"

كلمة "Bruder" (برودر) ألمانية الأصل وتعني الشقيق والأخ. لكن الجيل الشابّ يُكثر من استعمالها في الحياة اليومية وفق المعنى والسياق العربيَّين. لم تعُد الكلمة تحمل معنى الشقيق، بل الأخ والصديق. الصديق أكثر من الأخ، أو الصديق العزيز الذي هو بمثابة أخ حقيقي. عندما تسأل أحداً في الشارع هنا في برلين وتطلب منه شعلةً، أو قداحةً، تبدأ سؤالك على النحو التالي: "Hallo Bruder, hast du Feuerzeug؟"، أي "مرحباً أخي عندك قداحة؟". والأمر نفسه يتكرر باستعمال كلمة "برودر" عندما تطلب سيجارةً أو مبلغاً صغيراً من المال.

قد تعود "برودر" هنا في أصلها إلى عالم المشرّدين وكذلك إلى العاملين في قطاع الحراسة والأمن، وأكثرهم من المهاجرين العرب، فهؤلاء كلهم "برودرات" (جمع برودر بالعربية)، أي أخوة وأخوات بحكم زمالة المهنة والعيش المشترك.

هكذا يمكن لفقيه لغة أن يتخيّل أنّ كلمة "برودر" ذات أصل ومنشأ عربيَّين، وأنّ الألمان كتبوها بحروف لغتهم، ذلك أنّ المعاني باستعمالاتها وليس بجذرها القاموسي، واستعمال كلمة "برودر" خرج من كنف العائلة الألمانية (أب وأمّ وإخوة وأخوات)، وغدت ابنة الشارع والعمل والزمالة المهنية بما هي تداول يومي للتعابير واستخدام للّغة في سياق مختلف ذي صفات اجتماعية ومهنية.

من هو الألماني "البيو"؟

الألماني الأصلي والحقيقي والجدير باسم ألمانيا ودولتها وقوانينها هو الألماني العضوي/ الطبيعي (Bio Deutsch)؛ "البيو". هو الطبيعة الأساسية للمواطن.

ظهر مصطلح "الألماني العضوي" في بداية الألفية الثالثة، وانتشر على نطاق أوسع بعد إصلاح قانون الجنسية عام 2000، والذي سمح لأبناء المهاجرين المولودين في ألمانيا بالحصول على الجنسية بشروط أكثر سهولة.

في هذا السياق، مال شباب بشكل عام من خلفيات مهاجرة إلى استخدام مصطلح ساخر للإشارة إلى الألمان الذين ينحدرون من "الأصل الألماني الواضح"، في مواجهة الألمان ذوي "الخلفيات المهاجرة".

الكلمة تتألف من Bio "عضوي" بمعنى "طبيعي"، و"Deutsch" بمعنى ألماني، أي "ألماني أصلي". إلا أنها ليست مصطلحاً، بل هي تعبير اجتماعي يعكس دلالات ثقافيةً وهويّاتية. مع الوقت، تبنّته وسائل الإعلام والجمهور، وأصبح جزءاً من النقاش العام حول التنوع والانتماء وصورة المدينة Stadtbild، والتعبير الأخير الذي استعمله مستشار ألمانيا فريدريش ميرتز وأثار جدلاً سياسياً واجتماعياً طويلاً لم يُحسم إلى اليوم.

معنى "البيو" هنا يرتبط بفكرة أنّ الهوية الألمانية تُفهم أحياناً على أساس الإثنية والأصل، وليس فقط على أساس مفهوم محدّد للقانون. قد يُستخدم ضمنياً للإشارة إلى أنّ "الأصل" معيار للانتماء، وهو ما يثير جدلاً في مجتمع شديد التنوع.

أما الانتماء المكتسَب، فيظهر على الطريقة التي تستحقّ بها جواز السفر في ألمانيا، وهذا يمكن تلخيصه في مثال آخر، الفرق بين "الألماني البيولوجي" و"الألماني المُكتسَب"، وهو ما يعكس توفيقاً حديثاً بين نموذج الهوية القومية المعتمَد ونموذج التفسير المبني على علم القانون.

لا أحد يعرف على وجه اليقين والجزم إلامَ ستفضي هذه التحولات اللغوية المتعددة والمتشابكة، حيث أنّ أثرها يتجاوز حيّز اللغة المحض. فهي مرآة تعكس وجهاً من وجوه الصراع الثقافي الخفيّ والعلنيّ بين ألمان قديمين وألمانيا جديدة

ويعكس مصطلح "الألماني البيو" تحوّل المجتمع الألماني. وجود المصطلح بحدّ ذاته يشير إلى أنّ مفهوم "الألماني" لم يعد مفهوماً إثنياً بحتاً، بل أصبح موضوع نقاش مع دخول المهاجرين واللاجئين وأبنائهم في البنية الاجتماعية الثقافية. كذلك يسلّط الضوء على الإقصاء والتمييز الضمني؛ فالمصطلح قد يبدأ بطريقة تُشعر الألمان من أصول مهاجرة بأنهم "أقلّ ألمانيةً"، برغم تمتّعهم بالجنسية واللغة والانتماء.

لا تُعدّ كلمة "الألماني العضوي" مجرد كلمة عامة، بل مرآة لترجمة ألمانيا العميقة في هوية حديثة وصراعاتها بين الانتماء الثقافي والأصل والمواطنة.

"شِبْراخْ كاسِه" و"شِبار كاسِه"

هذا التعبير، أي "Sprachkasse" ويعني حرفياً "صندوق اللغة"، لا وجود له في اللغة الألمانية، لكن نظرياً وحسب قواعد التركيب اللغوي يمكن دمج كلمتَين وخلق معنى جديد، أو ابتكار صياغة لغوية غير معهودة.

اللغة الألمانية حجرية ومطاوعة في آن، أي أنها تُبنى مثلما يُبنى حجر فوق آخر، أو يُرصف قرب حجر آخر لتشكيل بناء. إنها إذا شئنا صورة تمثيلية لها أشبه بمبنى أو عمارة. بالطبع كلمة "Sparkasse"، وهو اسم أحد أشهر البنوك الألمانية، معروفة ومتداولة على نحو يومي، وهي مؤلفة من مقطعين: الأول هو "Spar" القادم من الفعل sparen ويعني التوفير والاقتصاد من التكاليف، والثاني هو Kasse ويعني الصندوق.

لا أحد يعرف على وجه اليقين والجزم إلامَ ستفضي هذه التحولات اللغوية المتعددة والمتشابكة، حيث أنّ أثرها يتجاوز حيّز اللغة المحض. فهي مرآة تعكس وجهاً من وجوه الصراع الثقافي الخفيّ والعلنيّ بين ألمان قديمين وألمانيا جديدة، ولربما تتحول أو تحولت بالفعل إلى بلد مهاجرين، حالها حال الولايات المتحدة الأمريكية.

وعلى هذا، تكون ألمانيا بلداً يحمل تحوّلات مستقبليةً متسارعةً مع ما يكتنفها من خشية وترقّب، لجهة قوّة وصعود نجم حزب "البديل لأجل ألمانيا" (AFD) المتطرف والساعي إلى "تنظيف ألمانيا" وإعادتها "عضويةً وأصليةً تشبه نفسها" المتوهمة والفخورة، أو لجهة منافسته والحدّ من جماهيريته المتّسعة عبر الاستخدام اليومي لكلمات وتعابير تدمج ألمانيا نفسها في عصر ما بعد القوميات وما بعد البيو "Afterbionismus" الأصلي والوراثي الضيّق والمحدود في عالم غدا فعلياً بلا حدود.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard
Popup Image