قصة أغرت صُنّاع الدراما... مراحل تطور شخصية شهرزاد على الشاشة

السبت 3 أكتوبر 202001:50 م

بدأت قصتها من كتاب "ألف ليلة وليلة". هي ابنة وزير الملك شهريار التي تزوجته بطلب منها. تمكنت منه، وغدت بطلة كل عصر، وحلم كل فتاة بريئة في أن تصبح "شهرزاد" التي تسيطر على شهريار وتروضه مع الوقت لتتمكن من قلبه وتحكم السيطرة عليه.

تميزت شهرزاد بالذكاء والفطنة وقدرتها الفائقة على تأليف القصص، فتغلبت مع الوقت على شرور شهريار الذي تعرض للخيانة من زوجته التي أحبها، وكان يقتل كل ليلة عذراء لمعاقبة جميع النساء.

جذبت شخصية شهرزاد صناع الدراما في أزمنة مختلفة، فتم تقديمها على الشاشة أكثر من مرة، كل مرة كانت بشكل مختلف، وبِسِمات تغيّرت بتغيّر العصر.

شهرزاد الإذاعة

"بلغني أيها الملك السعيد"، حفظ كثر هذه العبارة بصوت الفنانة زوزو نبيل العذب الذي انطلق عبر أثير الإذاعة فأسر القلوب، حيث طوعت زوزو صوتها لتعلو به ثم تنخفض فتنحت أشهر حكايات "ألف ليلة وليلة" التي انتظرها الصائمون أعواماً طويلة في رمضان.

شارك في بطولة المسلسل الفنان عبدالرحيم الزرقاني الذي قدم دور شهريار، وتمت إذاعته في ستينيات القرن الماضي، وتميز بموسيقاه التي كان لها طابع كلاسيكي جذاب. مع الموسيقى وصوت زوزو المدلل، ظلّ العمل محفوراً في أذهاننا لسنوات طويلة.

800 حلقة كتبها المبدع طاهر أبو فاشا، ليتم بثها على مدى 25 عاماً عبر الإذاعة.

يقول الناقد السينمائي محمود عبد الشكور عن زوزو نبيل: "هي أهم من لعب دور شهرزاد وتتفوق على الجميع لأنها كانت ترسم الشخصية بالصوت فقط، وكنا نظنها، لجمال صوتها، شابة في العشرين، بينما كان شهريار بصوت عبد الرحيم الزرقاني يبدو كرجل عجوز".

وأضاف في حديثه لرصيف22: "زوزو فنانة عظيمة، شاركت في فوازير ألف ليلة عندما أخرجها فهمي عبد الحميد، وكانت تلعب دور امرأة عجوز شريرة، ولكنهم استعانوا بصوتها كشهرزاد في مقدمة كل حلقة، لا أحد مثلها يمكن أن يقول ′مولاي′ بالجمال والدلال المطلوبين".

من جهته، يعتبر الناقد الأدبي والباحث الأكاديمي نادر عبد الخالق أنه "كان للفنانة زوزو نبيل - صاحبة الصوت الإذاعي المتدفق حيوية وانسجاماً مع نص ألف ليلة وليلة - دور كبير في إيصال رسالة النص إلى المتلقي، مما يجعل الصوت بطلاً إذاعياً قام بدور استثنائي، يسانده سيناريو متقن وأدوات تمثيلية تأثيرية موظفة توظيفاً سحرياً، وساعد في ذلك أن الإذاعة في ذلك الوقت كانت منبراً مهماً في حياة الناس، يستميل القلوب والأعمار المختلفة".

من زوزو نبيل مروراً بنجلاء فتحي ثم شريهان وليلى علوي فبوسي ونيللي حتى نيكول سابا... جذبت شخصية شهرزاد صناع الدراما في أزمنة مختلفة، فتم تقديمها على الشاشة أكثر من مرة، كل مرة كانت بشكل مختلف، وبِسِمات تغيّرت بتغيّر العصر. ما الذي ميّز كل شخصية؟

ويعلق الباحث الأكاديمي في حديثه لرصيف22 بالقول: "كانت الإذاعة حلقة اتصال مباشر بين المتلقي صاحب الخيال الخصب وبين حكايات شهرزاد، وكان الصوت هو الأداة التعبيرية، والصوت التأثيري شرطاً لنجاح هذه الدراما".

أول شهرزاد في الدراما

بعد النجاح الذي حصدته زوزو نبيل بصوتها عبر الإذاعة لسنوات، قرر المؤلف أحمد بهجت أن يكتب سيناريو أول شهرزاد للدراما عام 1984 وأخرجه عبدالعزيز السكري، فكان الجمهور على موعد مع نجلاء فتحي التي استطاعت بقصصها أن تؤجل قتلها لألف ليلة، وقام الفنان حسين فهمي بتقديم دور شهريار.

وكانت خفة ظل نجلاء سبباً لنجاح العمل، كما اعتُبرت أغنية "احكي يا شهرزاد" التي قدمتها الفنانة سميرة سعيد من أهم أسباب تعلق الجمهور به.

ويرى الناقد السينمائي عبد الشكور أن نجلاء فتحي هي أفضل من قدم دور شهرزاد بعد الفنانة زوزو نبيل، وقد حققت نجاحاً كبيراً بين الجمهور.

ويقول: "كل من قدم شهرزاد بعد ذلك اعتمد في شخصيات شهرزاد على الشكل والجمال الخارجي فقط، دون الاهتمام بتفاصيل قوة الشخصية وذكائها".

أما عبد الخالق فيرى، بدوره، أن أداء شهرزاد اتجه في الدراما المرئية لناحية أخرى، حيث كان الإبهار هو الجانب الأساسي في عرض الشخصية، بجانب الاعتماد على كوميديا الموقف، كما حدث مع نجلاء فتحي عندما قدمت الشخصية في مسلسل ألف ليلة وليلة الشهير، وعلى وسائل الإقناع المتعلقة بالملابس والديكور ومظاهر الترف والمغامرات التي جعلت الخيال حقيقة مرئية".

نجومية شريهان

لاحقاً، قرر المخرج الشهير فهمي عبد الحميد أن يقوم بعملية دمج بين الفوازير وقصص ألف ليلة وليلة، مستغلاً بذلك موهبة شريهان الاستعراضية وموهبتها في الكلام، وبالفعل تم تقديم الفوازير لـ3 مواسم رمضانية بدأت بـ"عروسة البحور" عام 1985، ثم "الأمثال" عام 1986، و"فاطيمة وكريمة وحليمة" عام 1988.

وكانت الحلقات في كل مرة تبدأ برسوم متحركة لصوت زوزو نبيل وعبد الرحيم الزرقاني، تيمناً بنجاحهما الإذاعي في تقديم الشخصية.

وعلى مدى سنوات، برعت شيريهان في تقديم لوحة فنية استعراضية غنائية مزجت بين الطابع الراقص للفوازير والهادئ لألف ليلة وليلة، وحققت نجاحا كبيراً لم ينقطع إلا بوفاة المخرج فهمي عبد الحميد عام 1990.

يتحدث عبد الشكور عن تجربة شريهان في ألف ليلة وليلة قائلاً: "لم أحب أبداً الشخصيات الثلاث التي قدمتها في إحدى المرات، كان فيها الكثير من الافتعال والتصنع، لكنها جيدة عندما تؤدي شخصيات رومانسية عادية، وممتازة في المشاهد الاستعراضية".

توافق عبد الشكور في الرأي أستاذة الدراسات النقدية والأدبية نجلاء نصير، وتقول: "خدمت شريهان الكتابة الجيدة لطاهر أبو فاشا وإبداعه ولا ننكر نمطية شريهان في أدائها رغم تنوع الشخصيات التي لعبتها"، مضيفة "خدمت شريهان كذلك الاستعراضات، والفضل يعود لحسن عفيفي ولموهبتها الاستعراضية التي لا ننكرها، كما للملابس والأكسسوارات التي لعبت دوراً هاماً في إقناع المتلقي بالشخصية".

ليلى والأشكيف

في عام 1989، قرر المخرج فهمي عبد الحميد والمؤلف طاهر أبو فاشا أن يعيدا تجربة تقديم ألف ليلة وليلة عبر شاشة التلفزيون في رمضان، فكان الجمهور على موعد مع الفنانة ليلى علوي كشهرزاد الدراما الجديدة.

شارك في بطولة العمل الفنان حسن يوسف، والفنان صلاح رشوان الذي قام بدور الأشكيف، وفي هذه القصة يخطف الأشكيف الأميرة ليلى علوي ويحتجزها داخل قفص حديدي في مكان بعيد.

تقول نصير عن أداء علوي: "كان لجمال ليلى علوي وشعبيتها الدور في فتح الأفق لها كي تحقق نجاحاً كبيراً، فضلاً عن موهبتها المتميزة، لكنها لم تنجح في تقديم الاستعراضات لأنها ليست نجمة استعراض، فكان أن تفوقت عليها شريهان في هذا الإطار".

وفي عام 1992، أعادت علوي تقديم الشخصية برفقة الفنان سمير غانم بشكل كوميدي في حلقة من فوازير "فطوطة" الشهيرة، وعمد غانم إلى إضفاء طابع مضحك على شخصية شهريار، لكن الحلقة لم تحقق النجاح المنتظر.

شهرزاد التسعينيات

لأول مرة تمت الاستعانة بمطربة لتقديم شخصية شهرزاد، وجاء اختيار المخرج عبدالعزيز السكري عام 1991 للفنانة إيمان الطوخي لشهرزاد الموسم الرمضاني الجديد، والتي تميزت بطابعها الغنائي والاستعراضي، وقام الفنان يوسف شعبان بتقديم دور شهريار.

تعلق نصير على تجربة الطوخي بالقول: "هي فنانة شاملة، تغني وتمثل وتجيد فن الاستعراض، والغناء هنا كانت النقطة المميزة التي جعلتها تتفوق، حيث صوتها العذب كان عامل جذب للجمهور، ورغم أنها في الاستعراض لم تكن بمهارة شريهان إلا أن تجربتها في ألف ليلة وليلة فريدة".

حواديت دلال

في عام 1996، قدمت الفنانة دلال عبدالعزيز والفنان أحمد عبد العزيز ألف ليلة وليلة بعنوان "حكايات فضل الله ووردانة"، وهو عمل أخرجه عبدالعزيز السكري، وقام بتأليفه نادر خليفة.

في حوار سابق لصحيفة "الاتحاد"، تحدث خليفة عن العمل قائلاً: "يلجأ المؤلف في بعض الأوقات حين يريد توصيل فكرة أو شحنة أفكار معينة إما إلى طريق التراث أو إلى فكرة حقيقية أو خيالية، وفي المسلسل أخذت من كتابَي ألف ليلة وليلة الذي تتواجد فيه شهرزاد وكأنها تعالج شهريار نفسياً، وكتاب ألف يوم ويوم الذي يرد على الكتاب الأول ويحكي عن الأميرة التي تُصاب بعقدة نفسية والسلطان الذي يجعل المربية "نبع البحر" تحكي للأميرة "ألف يوم ويوم" لتؤكد لها أن ليس كل الرجال أنذال... وقد أخذت من الكتابين ووضعت من خيالي ونسجت حكاية تُعلي من شأن الحب".

"دلال عبد العزيز اعتمدت على أدائها الفني ورصيدها عند الجمهور، والمسلسل ضم عدداً من كبار النجوم وتميزت فيه دلال بأدائها، لكنها رغم ذلك لم تكن بشعبية نجلاء فتحي وشريهان"، حسب ما تعلق نصير.

تجربة مزدوجة

في عام 1991، قدمت الفنانة بوسي شخصية شهرزاد في حكايات ألف ليلة وليلة مع الفنان محمد رياض ومن تأليف عبد السلام أمين والمخرجة رباب حسين، وأكثر ما لفت نظر الجمهور للعمل كان أكسسوارات بوسي البراقة ومجوهراتها.

وفي عام 1998، أعادت بوسي التجربة مع المؤلف عبدالسلام أمين أيضاً والمخرجة رباب حسين، لكن هذه المرة مع الفنان ماجد المصري.

وعن السبب الذي دفع بوسي لتكرار تقديم الشخصية، تقول نصير: "بوسي لها رصيد عند الجمهور فهي فنانة رقيقة وراقية الطلة، وقد قدمت شهرزاد الرقيقة وخدمت البناء الخارجي للشخصية بالأكسسوار والملابس، والنجاح الذي حققته بوسي هو الذي جعلها تقدم الشخصية مرتين ونجحت في كل مرة".

الأميرة نيللي

وفي عام 2000، قدمت نجمة الفوازير الفنانة نيللي ألف ليلة وليلة، وقام بدور شهريار الفنان محمود قابيل، والمسلسل أخرجه عمرو عابدين وكان من تأليف عبد السلام أمين.

نيللي قدمت دور أميرة ورثت جزيرة ألماس عن أبيها، ولهذا يتقدم إليها العديد من الخطاب من كل البلاد لكنها ترفض بشدة لأنها تعلم أنهم يطمعون في ثرائها، حتى تحلم بأن فارس أحلامها في بلد آخر وهو جزيرة الصبار، وفارس أحلامها هو بدر التمام الذي يعشق العلم والمعرفة ولا يؤمن بالسحر والدجل.

وعن تجربة نيللي، تعلق نصير بالقول: "هي فنانة رائعة في الاستعراض وتمتلك شخصية ساخرة وشعبيتها قوية، بالطبع كل هذه المقومات مع نص جيد ولحن جيد وفريق عمل قوي يجعل العمل جديراً بالنجاح، كما أن شعبية نيللي في الفوازير مهدت لنجاحها في ألف ليلة وليلة".

عكس التيار

في عام 2005، خرجت للنور تجربة جديدة لتقديم ألف ليلة وليلة، لكنها أتت بطريقة غيرت معها معالم الحكاية الرئيسية، حيث قدمت الفنانة نيرمين الفقي شخصية الملكة جليلة التي تحكم مملكة من النساء ولا تسمح بدخول الرجال إلى مملكتها. وهكذا، فإن العقدة التي كان شهريار مصاباً بها انتقلت في هذ الحكاية إلى المرأة.

لعب الفنان فاروق الفيشاوي بطولة العمل، وهو الذي سيحاول أن يخلص جليلة من عقدتها طوال الحلقات. 

وحول هذه التجربة تعلق نصير: "كأن السردية ترسل للمتلقي رسالة مفادها أن الدافع إذا توحد ستكون النتائج موحدة رغم اختلاف الجنس… وقد أحب الجمهور وخاصة السيدات القصة".

شهرزاد العصر

في عام 2015، ومع التطور العصري الكبير، كتب محمد ناير سيناريو جديد لألف ليلة وليلة وأخرجه عبدالعزيز رؤوف، وتم اختيار الفنانة اللبنانية نيكول سابا لتؤدي شخصية شهرزاد أمام الفنان شريف منير الذي قدم شخصية شهريار.

سيطرت الفانتازيا على القصة الشهيرة، واعتمدت أغلب القصص على الخيال المحض، فكان يحكي عن قصتين الأولى من بطولة الفنان أمير كرارة الذي قام بدور القبطان نجم الدين، وقصة ثانية عن ساحر يقع في حب أختين متطابقتين، والعمل شاركت في بطولته الفنانة نسرين طافش.

"من المؤكد أن شخصية شهرزاد في سياقها المرتبط بألف ليلة وليلة يسمح بتلقيها على مستويات متعددة، فهي شخصية مرتبطة بالمعرفة، وبالانتصار للمرأة المقهورة، وبمقاومة الظلم، وبالحكمة والذكاء… وهذا كله يجعلها شخصية غنية الأبعاد، ومُغرية للمبدعين"

تُعلّق نصير على أداء سابا بالقول: "رغم التقنيات والغرافيك التي اعتمد عليهما المسلسل في عرض قصص مختلفة عن الرواية الشهيرة إلا أن العمل لم ينجح بدليل نسبة مشاهداته الضعيفة، ربما لأنه فقد كل سمات الشخصية الرئيسية".

وهكذا، تظل شخصية شهرزاد مادة غنية تغري المنتجين للعودة إليها.

في هذا الشأن، يقول أستاذ النقد والأدب العربي حسين حمودة: "شخصية شهرزاد مثّلت مادة غنية جداً للمبدعين والمبدعات في مجالات أدبية وفنية متنوعة، في التراث الإنساني كله أو أغلبه. هناك عدد كبير من الروايات والمسرحيات والقصص التي استلهمت هذه الشخصية منها في الأدب العربي مسرحية لتوفيق الحكيم وأخرى لعلي أحمد باكثير ورواية لطه حسين، وهناك عدد من الأفلام السينمائية والتليفزيونية أيضاً كانت هذه الشخصية حاضرة فيه، وفي الوجهة الأخيرة نجد كتاباً كاملاً مخصصاً لاستلهام شهرزاد في السينما المصرية وحدها (كتاب نهاد إبراهيم "استلهام شهرزاد في السينما المصرية"، صدر عام 2017 في القاهرة).

يضيف أستاذ النقد والأدب العربي: "السؤال عن أسباب حضور شخصية شهرزاد في الأعمال الأدبية والفنية مطروح طبعاً، والإجابات عنه يمكن أن تتعدد. لكن من المؤكد أن هذه الشخصية في سياقها المرتبط بألف ليلة وليلة يسمح بتلقيها على مستويات متعددة، فهي شخصية مرتبطة بالمعرفة، وبالانتصار للمرأة المقهورة، وبمقاومة الظلم، وبالحكمة والذكاء… وهذا كله يجعلها شخصية غنية الأبعاد، ومغرية للمبدعين".

ويتحدث عبد الخالق بدوره عن شهرزاد في الدراما، فيقول: "كان الالتزام بالنص الأصلي محصوراً في الصراع الحقيقي المتعلق بعقدة شهرزاد، لكنه لم يتطرق إلى عرض أسباب هذه العقدة، فهل هي نفسية في المقام الأول أم ناتجة عن ضعف في الشخصية ناتج عن قصور جنسي، أم متعلقة بحقيقة الخيانة التي حرص الجميع على ذكرها"، مردفاً "لم يكن العرض في كل الأعمال مُنصباً على معالجة هذه القضية، وتعلق كثيراً بسرد الحكايات وكيف نجت شهرزاد من القتل، وهي كلها معالجات وجدانية تعتمد على طرح أبعاد الشخصية والغوص في أعماق العلاقة الجدلية التي كانت دافعاً للانتقام والقتل، ثم التحول من ذلك إلى التشويق والإغراء، وتنمية الجانب الجمالي والإنساني، لتأكيد جدلية التعبير واختلاف التلقي باختلاف العصر والأدوات".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard