اقتربت أمي أو "حجتي" كما أحب أن أدللها من عامها الرابع والثمانين، كنت أود أن أقول "بخطى واثقة" لكن هذا للأسف غير صحيح، فهي بالكاد تمشي على "مسند بعجلات"؛ وتواجه صعوبة في الجلوس والوقوف.
وفي هذه الأعوام حصلت على حصص كبيرة من الشقاء والحزن، ومع هذا لم تتأثر مستويات حنانها وطيبتها لنا ولكل من تقابله.
في الطريق إلى الأمراض
قضت شبابها في الغربة، مع كل التعب الذي يصاحبها، والتدبير والتوفير لتأمين مستقبل العائلة، وكل ما تعنيه الأمومة لسبعة أطفال من قلق وخوف وتدريس وعناية ساعة بساعة، ولاحقاً بعد عودتها إلى البلد، قضت سنوات طويلة وهي تحاول أن تبقي أمومتها مكتملة، وأن تعتني بزوجها وتسنده في أحلامه الطموحة ليصير رجل أعمال ناجحاً وثرياً.
وبالفعل حقق أبي حلمه، وكبرنا نحن وهدأنا، وبدت الحياة لوهلة مثالية وعادلة.
أصوم يا دكتور؟ تسأل "حجتي"، ويتمعن الطبيب في نتائج الفحوصات، وبعد لف ودوران وإلحاحي عليه أن يعطي جواباً مباشراً، قال: "والله يا حجة لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، لو كان في مقدورك الصيام صومي ولك الأجر"
لم يدم الأمر طويلاً… مات أبي، ومات أخي الصغير -وكان أحبنا إلى قلبها- بعده بعامين، وفي الأعوام التالية ماتت جدتي -أمها-، وأخوها الأكبر، ولكي تكتمل أركان الحزن، تدهورت الأحوال المادية وخسرنا وأمي كل ما نملك.
لكنها تحملت، بكثير من الحزن لكن بصبر أكثر، وبقليل من القوة التي تركتها لها السنوات الصعبة.
وفي الطريق إلى الطبيب
دخلت أمي عقدها الثامن أرملة، ثكلى، بلا مال. الشيء الوحيد الذي كسبته من هذا العمر القاسي كان الأمراض: السكري، الضغط، الغدة، التهاب المفاصل، وكلية لا تعمل وأخرى مصابة بالجفاف.
"حجتي" مؤمنة، أخمن أن إيمانها أعمق من معظم الأطباء الذين تزورهم، وتعرف تماماً ما هو التسليم الذي يخرج من أعمق مكان في القلب، وتفهم معنى أن تغفر للحياة قسوتها.
وهي حين تزور الطبيب لا يرى كل ما سبق، لا يرى الألم والحزن والتعب السابق، هو يرى ملفها ونتائج فحوصاتها الطبية، وأنا لا أطلب منه غير ذلك، لا أقل، وبالتأكيد لا أكثر.
المصيبة هي الخلط بين الطب والدين في التشخيص إلى حد الاعتقاد بضرورة تفضيل أحدهما على الآخر، وأن الدين يدخل في قراءة الفحوصات بجانب فحص الدم وفحص البول.
زيارة الطبيب ودفع الكشفية تعني أننا نطلب رأياً علمياً وتشخيصاً مبنياً على الأدلة، أما الحالات الوجدانية كالتعاطف والإيمان والذاكرة الثقيلة، فمكانها خارج العيادة، ولا تذكر في الملف الخاص بالمريض. وفي المقابل مطلوب منه أن يعطي رأيه بتجرد علمي تام عن معتقداته.
أصوم يا دكتور؟
أمي تستحق كأي امرأة تخطت السبعين أن تحصل على الأجوبة الصادقة لأسئلتها.
طيب يا دكتور، أصوم هاي السنة؟
تسأل "حجتي"، ويتمعن الطبيب في نتائج الفحوصات التي وصلته للتو على موبايله من المختبر الذي أوصانا هو به. ويعيد التأكيد على نصيحته بأن عليها أن تشرب كثيراً من الماء بسبب جفاف الكلى الذي وصل إلى حدود غير مطمئنة.
تعيد أمي السؤال بصوتها اللطيف، وهو سؤال واضح ومباشر لا يحتمل إلا إجابتين: نعم أو لا؟ وأمي تسأله بقلب وعقل مفتوح، وكأي حجة تفضل أن يقول لها الطبيب إن بإمكانها الصوم.
يتحدث طويلاً أن فحص السكري جيد، وأن عليها أن تخفف من الملح، ولا يجيب عن السؤال، ثم وبعد لف ودوران مشين طبياً للتهرب من الجواب، وبعد إلحاحي الشديد عليه أن يعطي جواباً مباشراً، قالها هكذا:
"والله يا حجة لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، لو كان في مقدورك الصيام صومي ولك الأجر".
هكذا في أقل من ثانية، خلع الطبيب ثوبه الأبيض وارتدى عمامة الشيخ، تغيرت لغته وتغيرت مرجعياته وتغيرت حتى ملامح وجهه.
هكذا خالف البروتوكول الطبي المعروف عالمياً للمصابين بجفاف في الكلى، والذي يمكن لأي شخص حتى لو لم يكن طبيباً إيجاده، بضرورة المواظبة على شرب الماء طوال اليوم.
أخرجتُ أمي من عند الطبيب اللص، وهو بالضرورة لص، فالمطلوب منه كان إعطاء نصيحة طبية مقابل الكشفية وهو ما لم يفعله، خوفاً من أن "يطاله ذنب".
هل أتجنى عليه؟
لا أعتقد، فالطبيب الثاني الذي لا يبتعد عنه أكثر من ثلاث غرف، والذي وضع مخطوطاً صغيراً للآية "وإذا مرضتُ فهو يشفين" قالها بصراحة. إنه لا يقدم هذه النصيحة خوفاً من الشبهات، وهو يفضل أن يصف للمريض حالته بدقة ويترك له القرار.
في طريقنا للخروج من العيادات، قابلنا طبيباً ثالثاً، ولم يقل أكثر من الاثنين وجمل يختلط فيها الديني بالطبي، والعلمي بالوجداني، مع بعض كلمات التصبير والمعايدة باقتراب رمضان.
الفتاوى كجزء من الكشوفات الطبية
المشكلة ليست في أن كثيراً من الأطباء -كي لا نقول معظمهم- في البلاد العربية لا يحترمون الطب أو الدين، المصيبة هي الخلط بينهما في التشخيص إلى حد الاعتقاد بضرورة تفضيل أحدهما على الآخر، وأن الدين يدخل في قراءة الطبيب للفحوصات بجانب فحص الدم وفحص البول.
ببساطة خالف الأطباء البروتوكول الطبي المعروف عالمياً للمصابين بجفاف في الكلى، والذي يمكن لأي شخص حتى لو لم يكن طبيباً إيجاده، بضرورة المواظبة على شرب الماء طوال اليوم خوفاً من الإثم
المصيبة هي أن الطبيب يتصرف بأنانية، فهو يفضل أن يضر مريضاً جاءه وائتمنه على صحته على أن يخسر من ميزان حسناته الذي تعب وهو يجمعها. أما الأجمل فهي نصيحة اللجوء للدين أيضاً لإقناع أمي بألا تصوم، من مدخل "ولا تؤدوا بأنفسكم إلى التهلكة".
قررت أمي أن تصوم، هكذا ارتاح ضميرها، لأنها لم تسمع من أي طبيب نصيحة علمية واضحة تعفيها من الشعور بالشك والتردد الذي يصاحب قرار إفطار الصائمين من أصحاب الأعذار.
قررت أمي، بالعناد المعروف عن كبار السن، أن لا يتوقف مشوار تعبها وصبرها، وأنها لن تستخدم رخصة الإفطار، ولا استحقاق الراحة الذي منحتها إياه سنوات الشقاء.
وقرر الأطباء أنهم رجال دين.
وقرر الطب ألا علاقة له بالأجوبة السابقة كلها، سواء "لا يكلف الله نفساً إلا وسعها" أو "لا تؤدوا بأنفسكم إلى التهلكة".
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
