هذه الأيام تخيّلت نفسي بقرة سعيدة

هذه الأيام تخيّلت نفسي بقرة سعيدة

مدونة نحن والحرية

الخميس 19 فبراير 202612 دقيقة للقراءة

لم يبقَ سوى أكثر بقليل من شهر حتى نهاية عامي الأربعين، لكنني أشعر أحياناً أن كتفيّ قد انحنتا بقدر إنسان عاش مئة وخمسين سنة مليئة بالعذاب. ربما لهذا السبب أقف باستمرار أمام المرآة وأُعدّل كتفيّ وأحاول ألا أحدب. أنا وُلدتُ في منتصف حرب إيران والعراق، في الملجأ أخذت أمي آلامها، في اليوم الذي من شدة الخوف من القصف لجأ الجميع من مدينة بِهْبَهان، في جنوب إيران، إلى ملاجئ أطراف المدينة، قررتُ أن أخرج من الفضاء الآمن الرطب لرحمها، وصادف يوم ولادتي اليومَ الذي سُمّي بيوم الجمهورية الإسلامية، أي الحكم الذي أثار غضبي طوال عمري وقيّد يديّ وقدميّ عن امتلاك حياة حرّة.

هذه الأيام، هذه الأيام المعلّقة التي لم يبقَ حتى بلوغي الحادية والأربعين سوى شهر واحد، لي أمنية واحدة فقط: حرية إيران من يد هذا الحكم الشمولي. هل سأرى ذلك اليوم؟ إنه يبدو أقرب من أي وقت مضى، رغم أن الطريق أمامنا مغطى بضباب أسود كثيف، وأن شعور اقتراب الحرية قائم فقط على إحساس جماعي وعلى ملاحظاتنا.

في اليومين الثامن والتاسع من كانون الثاني/ يناير 2026، في بداية السنة الميلادية الجديدة، حين كان العالم يحتفل بعامه الجديد، نحن شعب إيران، المتعب الظلم والاضطهاد والتمييز، نزلنا إلى الشارع، هذه المرة بسبب الضغط الاقتصادي الشديد الذي أدى إلى إغلاق السوق ودفع العديد من الأعمال إلى حافة الإغلاق الدائم، نزلنا لنصرخ: "الإيراني يموت ولا يقبل الذل"، لنقول: "نحارب، نموت، ونستعيد إيران" بالطبع بأيدٍ فارغة. هذه المرة الحضور المليوني لشعب إيران، في جميع أنحاء البلاد، أخاف الحكومة، وقد اختبرنا نحن شيئاً لم نختبره حتى ذلك اليوم: مذبحة قاسية وقطعاً كاملاً للإنترنت، وحتى لفترة قطع خطوط الاتصال الهاتفية الداخلية والخارجية.

في تلك الليلة قُطع الإنترنت بالكامل، أُطفئت إيران كلها فجأة. لم نكن نستطيع أن نفهم بالضبط ماذا حدث. كانت تصل أخبار من أطراف إيران أن المذبحة كانت وحشية. كل من تراه يعرف أحداً فقد حياته. ومن أطراف المدينة كان صوت الرصاص يأتي باستمرار. الحكومة واجهت المحتجين على الوضع القائم برصاص حيّ. في جميع مدن إيران كان صوت الرصاص يُسمع. كان لدينا صديق في نجف آباد يبكي ويقول: لقد سال من الدم ما سال على الأرض إلى حد أن الدراجات النارية تنزلق عليه.

لم أفهم أبداً لماذا قتلُ الناس أسهل للحكومة من إيجاد طريق لإعمار البلاد. لم أفهم لماذا يكنّ النظام هذه الكراهية الكثيفة تجاه شعب إيران. لم أفهم لماذا حين تلوّنّا بالأخضر في الانتخابات الرئاسية (لنرافق مير حسين موسوي وتستمر الإصلاحات)، وتلونّا بالأرجواني (لنرافق روحاني كي لا تسقط البلاد في المأزق الحالي)، أي في الانتخابات الرئاسية خلال السنوات الماضية منذ 2009، لم ترغب الحكومة في سماع صوتنا، لم ترغب في الاعتراف بنا، لم ترغب في تغيير أسلوبها.

هل يمكن لوطنٍ أطفأوا عنه الإنترنت والضوء أن يُشعل في داخلي كل هذا الرجاء، أم أنني أتوهّم الفجر كي أحتمل هذا الليل؟



في المقابل قتلت وأعدمت وشرّدت بقدر ما استطاعت. الآن وصلنا إلى هنا. منذ سنوات فهمنا أن إصلاح هذه الحكومة غير ممكن وطالبنا بإسقاطها. هذه المرة لكننا صرخنا بها متحدين أكثر من أي وقت وأعلى من أي وقت، وكان الجواب مرة أخرى هو الرصاص نفسه؛ مذبحة أكبر، اعتقالات واسعة، إعدامات متعجلة ودون محاكمة. من الثكنة القريبة من منزلي كان يأتي صوت الرصاص في منتصف الليل. كنت أستيقظ مذعورة من النوم، أحدّق أمامي في الظلام، صوت في رأسي يقول: ترى هل يطلقون رصاصة الرحمة في منتصف الليل على أولئك الذين اعتقلوهم في التجمع؟

وكالعادة ظهرت الحكومة مبرِّرة وبدأت بنسج الأكاذيب. قالت إن من قَتلوا الناس لم نكن نحن وإنما مجموعة من الإرهابيين المستأجرين من طرف إسرائيل هاجموا الناس، لكنها لم تقل كيف ظهر كل هؤلاء الإرهابيين المسلحين في جميع مدن إيران؟ لم تقل كيف وصل هؤلاء الإرهابيون إلى أبعد المدن والقرى، لم تقل كيف ظهر كل هؤلاء الإرهابيين فقط في الثامن والتاسع من كانون الثاني/ يناير ثم اختفوا، وفي مسيرة أنصار الحكومة التي أُقيمت بعد أيام لم يرموا حتى حجراً واحداً؟ لم يجيبوا عن هذا السؤال: إذا كان يمكن بسهولة لكل هؤلاء الإرهابيين أن يأتوا إلى الشارع ويقتلوا الناس ويختفوا، فأي أمن هذا الذي تتباهون به طوال هذه السنوات؟ كيف تدّعون أن لدينا أمناً؟

في الأيام الأولى كان كل شيء ضبابياً ومظلماً، مليئاً بالشك والاختناق. لم نكن نعرف كم هي أبعاد الكارثة، لكن من هنا وهناك كانت تصل أخبار المذبحة الوحشية والهجوم على المستشفيات لاعتقال الجرحى الذين راجعوا للعلاج. كنا عطاشى للأخبار، لكن الأخبار كانت مربكة.

لم نكن نعرف ماذا نفعل بوعود ترامب؟ لم تتسرّب الأخبار من الداخل إلى الخارج، ولم تصل إلينا أخبار الخارج. القنوات الفضائية كانت تعلن أخباراً مكررة، وتبث صوراً مكررة. يوماً كان ترامب يقول على شعب إيران أن يبقى في الشارع فالمساعدة في الطريق، وفي اليوم التالي كان يشكر الجمهورية الإسلامية على أنها توقفت عن الإعدام، وبعد ساعات كان يهددها مجدداً.

كان صفّي الرياضي قد أُلغي، في اللحظة التي كنت أحتاجه فيها أكثر من أي وقت. سكرتيرة النادي قالت في الهاتف: المدينة في حالة حكم عسكري، قالت الوضع متأزم، سيارات الأجرة غير آمنة، لا نريد أن نتحمل مسؤولية أحداث محتملة، عندما يهدأ الوضع سنستأنف الصفوف.

كنت أدور حول نفسي، لم أستطع البقاء في البيت. كنت أتحدث في الهاتف ثلاث أو أربع ساعات يومياً، مع أمي، مع خالتي، مع صديقاتي. كنا نكرر الأخبار لبعضنا ونحاول أن نستخرج منها تحليلاً جديداً. كان بلا فائدة، وقعنا في تكرار كلام بعضنا، كلام ترامب، كلام العرّافين الذين قالوا: نجم حظ النظام آيل إلى السقوط بحسب حركة النجوم والكواكب.

لما يقارب أسبوعين لم يكن لدينا إنترنت. في الأسبوع الأول حتى الاتصالات إلى خارج البلاد كانت مقطوعة.

أنا التي كنتُ نفسي خارج إيران في حرب الاثني عشر يوماً، كنت أفهم جيداً الآن حال أولئك الذين كانوا خارج إيران ولا يملكون أي طريق للتواصل ولا يستطيعون أن يعرفوا أيّنا مات وأيّنا حيّ.

هل كانت همست لي صديقتي أن أشتري الثوب كي تُنقذ قلبي من الانكسار، أم كانت تحاول أن تُقنع نفسها بأن الحياة ما زالت ممكنة؟



في اليوم الخامس من مجاعة الإنترنت، كنت قد ذهبتُ مع صديقتي راضية إلى المقهى، وفي طريق العودة توقفتُ في متجر، جرّبتُ ثوباً وفجأة قلتُ: في هذه اللحظة التي أكون فيها أجرّب الثوب، قد تظن بعض صديقاتي خارج إيران أنني متّ، فآخر رسالة أرسلتها لهن كانت أننا سنحرر إيران، لم يبقَ شيء حتى طلوع صباح الحرية. ومباشرة بعد ذلك انقطع الإنترنت، وكل ما كان يُبث من فيديوهات من القنوات التلفزيونية ووكالات الأنباء كان صور جثث مكدسة فوق بعضها، أو ملفوفة في أغطية سوداء في صالات كبيرة.

قالت راضية: ترى هل نصبح مثل كوريا الشمالية يا سارا؟! سيكون مخيفاً جداً.

نظرنا إلى بعضنا. قال البائع: إن اشتريتِه سأمنحك تخفيضاً في السعر. نظرتُ إليه. همست راضية في أذني: اشتريه يا سارا، الوضع سيئ جداً، مسكين! اشتريتُ الثوب وخرجنا.

كنا نمشي، نتحدث، أحياناً حتى نضحك، لكن في أغلب الأوقات كنا ننظر إلى بعضنا بحدّة ثم بحسب العادة نلتقط هواتفنا ونحاول أن نجرّب الثلاثين برنامج كسر الحجب واحداً واحداً.

في الأسبوع الثاني لم أخرج من البيت. كأنهم ضغطوا زر وضع النجاة الخاص بي، أصبحتُ مصمّمة وصلبة. لم أكن أضطرب ولم أكن أريد أن أعرّض نفسي للأخبار. لم أكن أريد أن أسمع أو أرى شيئاً، أردتُ أن أغرق نفسي في عالم الكتب. اشتريتُ عدة كتب وعدتُ إلى البيت، وبدأتُ أيضاً كتابة سيناريو جديد. رغم أن جميع الكتب التي اشتريتها، أو استعرْتها من الآخرين، كانت روايات مروّعة عن الحرب العالمية الأولى أو الثانية، غزو الفاشيين وأشياء من هذا القبيل. كل شيء كان عن جرائم بشرية، "البشر" الطامع في السلطة والمتطرف الذي كان يعتبر كل شيء حصته وحصة شركائه ولا يمنح الآخرين حقاً سوى الموت.

في الليل لكي أستطيع أن أُبعد ذهني عن الأفكار المؤذية وتصوير الوقائع واستعادة الكارثة، كنتُ مضطرة أن أستمع إلى البودكاستات التي كانت قد حُمّلت مسبقاً قبل انقطاع الإنترنت، لكن لسوء حظي كانت البودكاستات جميعها أيضاً مُرّة.

في تلك الليلة التي شاهدتُ فيها في قناة فضائية صورة جثة وُضعت مع مصل وحقيبة علاج في كيس، وكنتُ قد منعتُ نفسي كثيراً من أن تنزل دموعي، شغّلتُ آخر بودكاست مُحمّل مسبقاً. كان عن فيلا في النمسا كانوا يأخذون فيها، بشكل غير قانوني، أطفالًا بلا معيل أو يعانون من سوء رعاية ويُجرون عليهم تجارب غير إنسانية بأدوية محظورة؛ أطفال بلا ملجأ وقعوا أسرى إنسان شيطاني ولم يكن بوسعهم أن يتملصوا من هذا المصير المشؤوم.

أصبح قلبي ثقيلاً، اشمأززتُ من كونِي إنسانة. حزن أسود بلزوجة القار جاء وجلس على رأسي، ومن أعلى رأسي كان ينزل إلى الأسفل ويصل إلى قلبي. شعرتُ كأن كرة حديدية ثقيلة رُبطت إلى رأسي وإلى قلبي ولم أستطع أن أتنفس جيداً. أغلقتُ عينيّ وبحثتُ عن صورة مُرضية. فجأة جاءت إلى ذهني صورة مرج أخضر. تخيلتُ نفسي بقرة سعيدة، بعينين طويلتين جميلتين، تأكل عشباً طازجاً في جبال الألب. الصورة أخذت تدريجياً حياة، أصبحت حقيقية وهدأتني حقاً. في تلك اللحظة تمنيتُ لو أنني مجرد بقرة ولا أعرف شيئاً عمّا يستطيع الإنسان أن يفعله!

طوال تلك الأيام التي كنا فيها مقطوعين عن العالم، كنت أفكر في تلك اللحظة التي يتصل فيها الإنترنت أخيراً ونفهم عند ذلك، ومع وصول الأخبار، ما الذي حلّ بنا، ثم نذهب إلى وسائل التواصل ونرى من هم الذين لن يكونوا أونلاين أبداً ولن يردوا على سلامنا في الرسائل. الصدمة الرئيسية كانت حينها.

عندما تمكّنا أخيراً عبر "في بي إنات" جديدة بعد أكثر من أسبوعين أن نتصل بالعالم، واجهتُ بالضبط ما كنت أخشاه. رسائل أصدقائي الذين كانوا خارج إيران آلمت قلبي. إلهام كانت متأكدة أننا جميعاً متنا وكل رسالة صوتية أرسلتها لي كانت مع بكاء. شِكوفه التي كانت تعيش في لندن كانت قد اضطربت إلى حد أن زوجها أعطى رقمنا لشخص كانت ابنة أخته في طريقها من لندن إلى إسطنبول، ليعطي هو أيضاً رقمنا لشخص كان في طريقه من إسطنبول إلى حدود إيران، ليعبر الحدود ويتصل بي وبأختها وبعائلتها ثم يعود إلى تركيا ويتصل بهم ويبلغهم خبرَ أننا أحياء أم لا.

الآن الإنترنت متصل، ومع ذلك لا يزال كل شيء ضبابياً. لا أحب أن أتجول كثيراً في فضاء الإنترنت، خاصة الآن وأنا أعلم أن الفضاء مليء بصور أطفال صغار، في العاشرة، الثانية عشرة، الثامنة، السابعة عشرة، الثامنة عشرة، حتى رُضّع ملفوفين في أغطية سوداء أو صور نساء بملصق "امرأة مجهولة" تُركن في صالات الموت ولم يأتِ أحد يبحث عنهن. لا، ليست لديّ الجرأة. يجب أن أحافظ على معنوياتي وأنتظر فقط.

حتى صفّي الرياضي لا أذهب إليه بذلك الشغف السابق. نثروا غبار الموت حتى على صفّ كان يوماً ما حياً جداً. يتحدثون باستمرار عن فيديوهات رأوها للمذبحة وأنا لا أحب أن أسمع، احتماله صعب عليّ. سنوات كثيرة من حياتي بكيتُ فيها لأجل أناس لم أكن أعرفهم. القلق يمشي في الشارع إلى جانبنا ويركب على أكتافنا في صف اليوغا.

كيف صار الموت قراراً أسهل من الإصغاء إلى شعبٍ لا يطلب سوى أن يعيش مرفوع الرأس؟



نحن عالقون في خضم مفترق طريق بين تفاوض الحكومة مع ترامب أو الحرب. خائفون. ترى هل يدير العالم وجهه عنا مرة أخرى؟ ترى هل يحصل ترامب على ما يريد ونبقى نحن مع هؤلاء الذين زاد حقدهم علينا أكثر من قبل، فيهجمون علينا وينتقمون؟

كل يوم تأتي أخبار اعتقالات وإعدامات متعجلة وبدون محاكمة، حتى أولئك الأطباء والممرضين الذين ساعدوا الجرحى أصدروا بحقهم حكم "المحاربة". مع أننا اتصلنا بالعالم، لم نخرج من الدوخة، لا تزال الأخبار متناقضة. نعيش الأيام ساعة بساعة ولحظة بلحظة. كثيرون ينتظرون أن تضرب أمريكا أخيراً! كل يوم هناك شخص متأكد أن ذلك اليوم هو يوم الضربة والهجوم!

للحظة أفكر متفائلة أنني أصنع فيلمي الطويل الأول في إيران حرة، بدون حجاب وبدون قيود. في اللحظة التالية أحزن من فكرة استمرار هذا الوضع وأقول لنفسي حتى لو استمر، لا أحب أن أعود إلى نظام صناعة أفلام تحت ضغط الرقابة والرقيب، سيتضرر سيناريوي، ستتضرر رؤيتي الفنية. أنا فنانة وقد تعبتُ من التفكير داخل إطار مُملَى مسبقاً، أريد حريتي لكي أحلّق بحدود خيالي وإبداعي.

لعرس ابن خالي في عيد نوروز (بعد شهر) أشتري ثوباً وأنا مترددة. في هذه الأوضاع والظروف من لديه مزاج للذهاب إلى عرس؟ غير معلوم أصلاً إن كان هناك عرس أم لا بينما قد جلست إيران في مأتم شبابها. لكن يجب أن أُقنع نفسي أن الحياة تستمر. ما ذنب ابن خالي الذي تعب سنوات ليتمكن من إقامة عرس ويجب أن تكون تلك الليلة أجمل ليلة في حياته؟

أتفحص الثوب؛ إنه أجمل ثوب امتلكته حتى الآن، لكن أين القلب الذي يخفق لارتدائه؟

أنظر من النافذة إلى الخارج. الجيران المقابلون وضعوا أشرطة لاصقة متقاطعة على نوافذهم، هم على الأرجح من أولئك الذين متأكدون أن أمريكا ستهجم.

لا أحد يعلم كيف ستهجم وكيف ستضرب؟ هل نصبح نحن أيضاً ضحايا؟ أم أن الهجمات ستكون محدودة في المؤسسات والأشخاص التابعين للحكومة؟ لا أحد يعلم شيئاً، لكن كثيراً ممن أراهم وألتقيهم يريدون هذه المرة أن "تضرب" أمريكا وتُخلّصنا من "شرّ الملالي".

لا أعلم حتى إن "ضربت" أمريكا هل سنخلص أم لا؟ هل سيتحسن الوضع أم لا؟ هل نبقى أحياء لنرى أصلاً أم لا؟ لكنني أعلم أن الإنسان عندما يصل إلى نقطة يكون متعباً فيها إلى هذا الحد ويكون الأمل في داخله يلفظ أنفاسه الأخيرة ولا يملك نافذة مفتوحة ومضيئة نحو المستقبل ولا يستطيع حتى أن يرى خطوة أمام قدميه، يتعب ويتمنى باستمرار أن ينتهي هذا الوضع.

أنا، لكي أُمرّر هذه اللحظات الصعبة، المليئة بالقلق والغامضة، أعرف طريقاً واحداً فقط: اللجوء إلى الطبيعة. اشتريتُ معدات التخييم في قلب الغابة لأندفع إلى قلب الطبيعة. حضن الطبيعة هو العلاج الوحيد الذي أعرفه لهذا الألم. طبعاً هو علاج مؤقت، لكنني خيط أملي مشدود إلى يوم ليس ببعيد، يوم قريب جداً، ترى فيه إيران وجه الحرية والسكينة والانفراج الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. ذلك هو العلاج الدائم والأبدي لجروح نعاني منها منذ خمسين عاماً، بل، مئة وخمسين عاماً، مئتي عام، ثلاثمئة عام؛ علاج كل الجراح التي زرعها التاريخ الطويل لهذه الأرض في حمضنا النووي.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard
Popup Image