"أنا مين أنا ليه أنا إزاي؟"... الضيف أحمد تمرد وخلق فلسفته الكوميدية

الجمعة 10 يناير 202003:30 م

رغم أن حضوره الجسدي كان خاطفاً، وغير قادر على لفت أنظار من يلتصقون بالشاشات لمتابعة كل جديد عليها، ورغم أنه كان له من اسمه نصيب فمرّ كضيف خفيف على الدنيا، إلا أنه بقي، بحسب نقاد، بما قدمه من أعمال، فيلسوفاً يبحث عن معان جديدة للضحك، وعن قواعد جديدة تتشكل لتصنع مفردات مغايرة لما عرفناه عن الكوميديا والكوميديانات، إنه "صنايعي" الضحك، "الحكيم" الذي سطر نجومية ثلاثي أضواء المسرح... الضيف أحمد.

ولد الضيف في 12 ديسمبر عام 1936 في مدينة تمي الأمديد التابعة لمحافظة الدقهلية شمال القاهرة، بدأ بالتمثيل في المدرسة، من خلال مجموعة من المسرحيات القصيرة، فيما جاءت انطلاقته الفنية عن طريق الكوميديان الكبير فؤاد المهندس الذي شاهده في أحد الأدوار المسرحية التي كان يقدمها على خشبة مسرح الجامعة، فاختاره للمشاركة في مسرحية "أنا وهو وهي"، ليفتح أمامه باب الشهرة على مصراعيه.

قراءة وإخراج... مرحلة الجامعة

في الجامعة تشكلت شخصية الضيف وفلسفته، كانت الفترة التي لمعت فيها موهبته بشكل كبير، وبناء على نصيحة الأصدقاء قرر أن يجرب حظوظه في التمثيل، كانت البدايات قوية وملهمة.

يقول الناقد محمد عبد القادر، في تصريحات لرصيف22: "شارك الضيف بالتمثيل والإخراج في عدد غير قليل من المسرحيات العالمية على خشبة المسرح، وحاز على الميدالية الذهبية في مسابقة كأس الجامعات".

كان أهم ما تعلمه من تلك الفترة، بحسب عبد القادر، القدرة على النقاش والتحليل، وكيف يمكن قراءة ما بين السطور من إشارات. كان مؤمناً بأن كل كلمة مكتوبة في النص المسرحي تعني شيئاً ما، حتى أنه كان يسهر الليالي، ويسعى وراء الكتب والترجمات، ليعرف معنى كلمة أو اثنتين.

وكان الضيف يتردد على مكتب رئيس تحرير صحيفة "أخبار اليوم"، والصحفي البارز مصطفى أمين، يقول عبد القادر، باستمرار، ويتحدث معه بشغف عن تجربة شارلي شابلن، ليحاول الضيف أن يضع يده على مفاتيح نجاحها.

نفس الأمر أكد عليه الممثل الشهير عادل إمام، في حوار قديم له تحدث فيه عن الضيف أحمد خلال فترة الجامعة، وقال إنه كان مهتماً بالتزود بالمعلومات والتثقيف، ومطلعاً بشكل جيد على الأدب العالمي، وتحديداً الإنجليزي، كما كان يمتلك حساً درامياً عالياً.

وفي مرحلة لاحقة، قابل الضيف سمير غانم وجورج سيدهم، ليشكلوا معاً فرقة ثلاثي أضواء المسرح التي احتلت مكانة خاصة بين نجوم الكوميديا، بفضل الاسكتشات الفنية التي كانت الفرقة تقدمها، وتقدم معها معالجة للقضايا الاجتماعية التي تؤرق المجتمع.

في كتاب "المضحكون"، لخّص الكاتب محمود السعدني تجربة الضيف أحمد قائلاً: "كان صاحب المفهومية والمضحك بلا جدال، هو المضحك المختار".

وعن دور تكوينه الجسماني في سياقات كوميدية ابتكرها، يكتب السعدني: "كانت الطبيعة سخية معه فأعطته كل ما يجعل الرجل العادي منفراً، ويجعل الرجل المضحك محبوباً، الحجم السفروت، والوجه المغضن المقلحف المعبر، والبق المفشوخ كبوابة جهنم، والضهر المحدودب".

تحدَّى نجيب الريحاني

بدأ نجم الضيف يتألق في وقت كان نجيب الريحاني فيه ممسكاً بقبضة الكوميديا، وطبعاً كانت فكرة التمرّد عليه، وهو النجم اللامع وقتها، ضرب من الجنون، غير أن الضيف المغامر والمغاير فعلها، ابتكر طريقته الخاصة لخلق كوميديا جديدة على طريقته.

يقول الناقد كمال القاضي في تصريحات لرصيف22، مثمنا دور الضيف أحمد في الكوميديا المصرية: "الضيف أحمد جمع بين ثلاث مواهب ذات صلة بالإبداع، فلكونه كاتباً فإنه انشغل بالكوميديا من منظور مختلف عن مدرسة نجيب الريحاني التي كانت مقياساً آنذاك، للوعي بالمشكلات الاجتماعية ومعالجتها بالكوميديا ذات الأبعاد الإنسانية، جنح الضيف بالذهاب إلى خلق مدارات أخرى للضحك، كالتناقض في الصور الدرامية، وتوظيف الاسكتش، والأغنيات الخفيفة، والاعتماد فيها على المفارقات، وهذه الجزئية بالذات برع هو شخصياً في أدائها التمثيلي".

"درس الضيف أحمد علوم الفلسفة والاجتماع، وحين قرر أن يعمل بالفن، قرر توظيف دراسته، ليضعنا أمام تجارب تعمل العقل، وتضع الكوميديا في مرتبة متقدمة، فتكون النتيجة أن يضحك الجمهور وتتحقق له الدهشة والمتعة، وفي نفس الوقت يفكر ويتفكر "
 "استغل تكوينه الجسماني الضعيف ليبرز التناقض الشديد بين ضعفه، وادعاء القوة، والبطولة، ما أدى للربط بينه وبين شارلي شابلن على مستوى الأداء الحركي، وحالة البهلوانية المعهودة عند شابلن، ويعد ذلك مذهباً في الإخراج اتبعه الضيف أحمد"

وعن توظيف الضيف أحمد تكوينه الجسماني في أدائه التمثيلي: "استغل تكوينه الجسماني الضعيف ليبرز التناقض الشديد بين ضعفه، وادعاء القوة، والبطولة، ما أدى للربط بينه وبين شارلي شابلن على مستوى الأداء الحركي، وحالة البهلوانية المعهودة عند شابلن، ويعد ذلك مذهباً في الإخراج اتبعه الضيف أحمد، ليضمن فلسفته الخاصة في أن يجمع في القالب الكوميدي الواحد بين أكثر من طريقة للأداء التأثيري، مازجاً بين الموضوع والحركة والأغنية الجماعية والاسكتش، وهي قدرة فائقة في التحكم في النص، فضلاً عن الذكاء في تطويع مواهب الأبطال الآخرين، كسعاد حسني وجورج سيدهم على سبيل المثال، بوصفهم مشاركين أساسيين في معظم الأعمال، لا سيما سمير وجورج اللذان رافقاه طوال رحلته الإبداعية المبهرة".


"أتمنى أن يضحك الجمهور ويفكّر"

كان الضيف مثقفاً إلى درجة كبيرة، كان يجالس الأدباء والكتاب، ينهل من علمهم ويطرح رؤيته حول قضايا مجتمعه وكيفية حلها، لقد كان مشغولاً بما هو أبعد من دوره كفنان.

في لقاء له مع الكاتب الكبير ثروت أباظة، خلال برنامج "شريط تسجيل" الذي تقدمه الإعلامية سلوى حجازي، شرح الضيف وجهة نظره في الضحك وكيف يمكن أن يتجاوز حدود الترفيه إلى خلق تأثيرات مباشرة، يمكنها أن تساعد في تشكيل الإنسان والإنسانية معاً.

يرد الضيف حين سألته المذيعة عن أي أنواع الكوميديا يفضّل الفارس أم الكوميديا الإنسانية التي عرف بها الريحاني؟ يجيب: "أتمنى أن تصبح الكوميديا فارساً فكرياً، وأن يضحك الجمهور لأنه يفكر، ولذا لا بد من تطوير المسرح الكوميدي واتخاذ شكل جديد".

وضرب الضيف مثالاً بمسرحية "حدث في عزبة الورد"، لثلاثي أضواء المسرح، وقال: "ما الذي فعلناه في هذا العمل.. حاولنا أن نقدم شيئاً مختلفاً ومعلومة حقيقية بطريقة كوميدية، يعني في روسيا ظهر أشخاص يريدون التحكم في حجم الإنسان فيجيبوا البني آدم ويصفوا دمه ويحطوه في درجة برودة معينة، ويدخلوه جوا جهاز لمدة معينة، على أساس إنه مش هيحتاج الطاقة وهيعيش من غير أكل ولا حاجة، وفعلاً نجحوا في التجربة، وفي روايتنا نهجنا نفس النهج".

لقد كان أكثر ما يتمناه الضيف أن تكون الكوميديا التي يقدمها وسيلة لتثقيف الجمهور، لا مجرد ضحكات تستدعى معها تأثيراً مؤقتاً ينتهي عند باب دار العرض.

"فلسفة خاصة في الكوميديا مرتبطة بالوعي".

يعلق الناقد محمد عبد القادر على تميز أدائه الكوميدي: "كان للضيف فلسفة خاصة في الكوميديا، مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالوعي، ولا ننسى هنا أنه درس علوم الفلسفة والاجتماع في كلية الآداب، وحين قرر أن يعمل بالفن، قرر توظيف دراسته فيما يقدمه، ليضعنا أمام تجارب تعمل العقل، وتضع الكوميديا في مرتبة متقدمة، فتكون النتيجة أن يضحك الجمهور وتتحقق له الدهشة والمتعة، وفي نفس الوقت يفكر ويتفكر في حاله وأحواله سعياً وراء إصلاح ما أفسده".

وعن طريقته في تقديم الكوميديا، يقول عبد القادر: "كذلك اعتمد الضيف في خلطته للضحك على أن تكون الرسائل التي يقدمها بعيدة عن المباشرة، حتى تترك أثراً أكبر. لقد فطن إلى أن الجمهور لا يحب من يملى عليه النصائح ويوجه له الحكم، حتى ولو كان الفنان الذي يعشقه ويمضي وراء أعماله في كل مكان. إني أذكر هنا جملته الشهيرة في فيلم "عروس النيل"، وهو يجسّد شخصية مختل عقلياً، ويقول: أنا مين، أنا ليه، أنا إزاي؟ صحيح أن البعض قد يقرأ تلك الجملة على أنها مجرد كلمات يرددها مجنون، لكنها كانت أعقد من ذلك بكثير، لقد كان يبحث من خلالها عن أصل الوجود والإنسان، وكيف جاء إلى الدنيا وكيف يمكن أن يكون مفيداً فيها أو ضاراً".

توفي الضيف أحمد وهو في عمر الثالثة والثلاثين، وبحسب تصريحات سابقة لسمير غانم، بعد عودته من الأردن، كان بصدد إخراج مسرحية "كل واحد وله عفريت" قبل وفاته، واستشعر ضيقاً في التنفس، ونام على السرير، لتخرج روحه في شهر إبريل 1970، وكان آخر دور أداه شخص ميت في النعش، في مسرحية "الراجل اللي جوِّز مراته".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard