سمير غانم… القادر على الإضحاك بهبة إلهية

الأربعاء 15 يناير 202002:12 م

هو الضلع الأكثر استمرارية في "ثلاثي أضواء المسرح"، الضيف أحمد وجورج سيدهم وسمير، كان أقلهم إضحاكاً، حتى خطف الموت الضيف أحمد في عمر الرابعة والثلاثين، ليشعر غانم بأن السقف قد انفتح ليطلق مارده، ومثلما لا يصدق أحد أن الرجل الأصلع الطويل، مرتدي النظارة في فرقة الثلاثي، هو نفس الرجل ذو الباروكة السوداء الشهيرة التي جعلت منه أيقونة بصرية، لا يمكن بالتوازي أن نصدق أن هذا المغمور تحت طغيان "كوميديا الضيف"، سيكون "البريمو" والظاهرة الحية لفن الإضحاك على مدار ما يقرب 60 سنة.

لا يشبه أحداً بلا شك... لم يقرأ مرة كتاباً، على حد اعترافه في حوار صحفي قديم عبر التلفزيون المصري، ثقّفته الحياة ومتابعة البشر، لا يلاعب شفتيه كإسماعيل ياسين، لأن وجهه ليس به أي لمحة من ملامح التطرف في البنية، ولا يستثمر بدانته، لأنه سليم القوام مشدود القد، وليس "أحول" كعبد الفتاح القصري، بل إن نظارتيه تضيفان عليه مسحة وقار عبثية، ثم هل رأيت في حياتك ممثلاً كوميديا بشارب واضح يحتل عنوان وجهه؟ هذا الوجه الجاد تخرج من كل ميللي متر به مواسير ضحك لا تعلم منبعها، حتى تحول بالفعل إلى ظاهرة تستحق الدراسة.

كوميديان الإكسسوارات الأول

احتلت الأزياء مكانة مهمة في الإخراج المسرحي المعاصر، فهي الجلد الثاني للممثل، كما أنها تعطي معلومات عن الشخصية المؤداة، ولا بد لعين المتفرج أن تحس بكل ما ألقي على الممثل من أزياء وإكسسوارات لتصل علامات الشخصية إلى أعماق المتلقي، فيحدث مزاج ما وتوافق مع الشخصية، ولا تأخذ الأزياء أهميتها في المسرح إلا من خلال علاقتها بجسد الممثل، فهي تخدم هذا الجسد أحياناً، حيث تتلاءم مع حركاته وتنقلاته ومواقف الممثل، وهي تضيق الخناق عليه أحياناً أخرى حيث تخضعه لضغط المواد والأشكال.

لا يشبه أحداً بلا شك... لم يقرأ مرة كتاباً، على حد اعترافه، ثقّفته الحياة ومتابعة البشر

لذلك، في المسرح لا يتكلم الزي وحده، وإنما تتكلم أيضاً علاقته التاريخية بالجسد، وهناك من يرى أن الزي المسرحي يضم كل شيء، باستثناء القناع والحلاقة، كالملابس والمجوهرات، بل أحياناً حتى بعض الاكسسوارات التي تدخل في بعض الأنساق الثقافية المعينة في إطار الملابس (مثل السيف والخنجر)، لأنها ليست مقصودة لذاتها ولا تقوم بدور معين.

هذا ما يقوله علم الإخراج المسرحي، لكن لسمير غانم رأي آخر.

إنه يعي تماماً أهمية الإكسسوار في المسرح... يعي تماماً كيف يكوّن شكله لدى الناس. لقد حوّل جسده وتكوينه بالكامل إلى إكسسوار يمثّل شخصيته هو لا الشخصية المؤداة، الجميع يدخل ليتفرج على سمير لا على شخصياته الممثلة، فالضحك ينبع منه لا مما يؤديه، وهذا إدراك فطري لأهمية الجسد وملامح الوجه.

فالممثل الذي عرفه الناس لسنوات كضلع فقير أصلع في فرقة "ثلاثي أضواء المسرح"، تحوّل فجأة إلى شخص لا يمكنك بأي حال من التعرف عليه بعدما ارتدى باروكته الشهيرة التي اختارها هو بعناية، ولم يتخلّ عنها طوال حياته التمثيلية فيما بعد، مهما استدعى الدور الذي يلعبه، والأعجب أن سمير غانم القديم، أي الأصلع، كان بلا شارب، لكنه مع الباروكة اختار أن يربي شاربه، ليكون خطاً أسود يقوم على صنع توازن شكلي بين الباروكة شديدة السواد وشاربه الكثيف في منتصف وجهه المستدير، وأحياناً ما كان يغلف هذا التكوين الجديد بنظارة سوداء الإطار.

بكل المقاييس الكوميدية، هذه ليست ملامح كوميديان، إنها ملامح "جان سينما"، لكن هذا الرجل العالم ببواطن الإكسسوارات وما تقوله في نفس المتلقي، قلب موازين الشكل الجاد ليخرج منها أكثر نوبات الضحك غير المتوقع.

المتأمل لحركات سمير غانم يرى أنها تنبع تقريباً كلها من منظور الغرور والكِبر، يمشي فارداً ساقيه رافعاً كتفيه في خيلاء، في الوقت الذي يرتدي فيه قطعة بلاستيك حول وسطه وبقية جسده عارٍ.

فخر في غير محله بالتأكيد، لكن هذا الإباء المصطنع ينتج لنا مفارقة تتجاوز حدود الكوميديا، إنه يعلو على الكوميديا ذاتها ولا يقصدها ولا تكون من مستهدفاته، إنه يريد أن ينظر إلى الأشياء من علٍ مترفعاً عمن حوله وعما حوله، ساخراً من كل شيء، ينظر في الفراغ ويسخر منه، يهيم على خشبة المسرح مرحاً خفيفاً، يلهو بكل شيء يراه، كل شيء هنا ملك سخريته لتحقيق الغرض النهائي للجمهور الذي جاء ليضحك.

كثيراً ما سمعت عن مسرح العبث، ولم أكن أدرك أبعاده تماماً إلا حين أمعنت الفرجة على سمير غانم، إن لم يكن هو العبث فماذا يكون العبث إذن؟!

يعي سمير غانم أهمية الإكسسوار في المسرح... لقد حوّل جسده وتكوينه بالكامل إلى إكسسوار يمثّل شخصيته هو لا الشخصية المؤداة، الجميع يدخل ليتفرج عليه لا على شخصياته الممثلة، فالضحك ينبع منه لا مما يؤديه

إضحاك الناس من منطقة المفارقة مستخدماً الشكل والحركات، فهذا أمر متعارف عليه في الكوميديا، لكن قليلين هم من يستخدمون الصوت بمهارة في إحداث ضحك موازٍ، كما فعل سمير غانم عندما قلب ملامحه الناضجة إلى ملامح شخصية "فطوطة"

لا صوت يعلو فوق صوت السخرية

أن تُضحك الناس من منطقة المفارقة مستخدماً الشكل والحركات، فهذا أمر متعارف عليه في الكوميديا، لكن قليلين هم من يستخدمون الصوت بمهارة في إحداث ضحك موازٍ، وقد ظهر هذا الإعجاز حينما قلب سمير غانم نفس ملامحه الناضجة إلى ملامح شخصية طفولية هزلية اسمها "فطوطة"، عاش عليها كل من ولد في ستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، حتى صارت جزءاً أصيلاً من وجدانهم الضاحك.

هنا، وأقصد بـ"هنا" سمير غانم، يخرج الضحك من الملابس الواسعة التي يتم التعامل معها على أنها طبيعية جداً على جسد غارق فيها. يخرج الضحك من إلغاء الحدود بين الطبيعة ومحاكاتها، فلا تكاد تعرف هل "سمير" يمثّل الآن موقفاً كوميدياً، أم يعيشه بطبيعته الساخرة القادرة على تحويل كل شيء إلى ضحك؟

ضحك مفرط في القهقهة والمفاجأة، ضحك يلد ضحكاً لا يتوقف، تزيده قدرته غير المحدودة على الارتجال، وهذه هبة إلهية لا تعطى لكثيرين... ارتجال يمكنه من عصر خلايا أي موقف للوصول إلى أقصى ما فيه من هزل، بحيث لا يمكن بأي حال التعامل مع هذا المشهد بعد ذلك إلا باستدعاء صورة "سمير"، بل ينسحب هذا الضحك الذي أنتجه إلى الحياة الطبيعية، فيذكرنا كلامه في المشهد بما نحياه فعلاً من مشاهد مشابهة، ليصير هو دليل الواقع لإفراز ضحك جديد بين الناس.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard