5 مسلسلات رمضانية فاجأتنا بالفعل.... ما هي؟

5 مسلسلات رمضانية فاجأتنا بالفعل.... ما هي؟

حياة نحن والتنوّع

الاثنين 23 فبراير 202610 دقائق للقراءة

في ربعه الأوّل، يبدو الموسم الدرامي الرمضاني وكأنه مساحة اختبار مفتوحة؛ نصوص تحاول الاقتراب من الجرح، وأخرى تعيد تدوير الحكاية، وأعمال تقف في منطقة وسطى لم تحسم خيارها بعد.

لا يزال من المبكر إصدار أحكام نهائية على الحكايات المطروحة، خصوصاً أنّ التصاعد الدرامي في عدد كبير من الأعمال يبدأ عادةً مع الاقتراب من منتصف عدد الحلقات. ومع ذلك، يمكن منذ الآن رصد ملامح الإخراج، وطريقة إدارة الممثلين، والتوقف عند الحكايات بقراءة مختصرة، تلتقط إشاراتها الأولى.

انطلاقاً من ذلك، جرى اختيار مجموعة من الأعمال التي يجمع بينها إخراج لافت، وأداء تمثيلي حاضر، وقضايا تمسّ الماضي والحاضر معاً، وإن اختلفت مقارباتها وحدّة طرحها.

بين "مولانا" للمخرج سامر برقاوي، و"صحاب الأرض" للمخرج بيتر ميمي، و"الغميضة" للمخرج علي العلي، والجزء الثاني من "شارع الأعشى" للمخرجين أحمد كاتيكسيز وغول سارالتين، ومسلسل "سوا سوا" للمخرج عصام عبد الحميد، تتشكّل خريطة غير متجانسة لدراما تبدو وكأنها تبحث عن معنى بقدر ما تبحث عن حضور.

لا يمكن التعامل مع هذه الأعمال بوصفها موسماً واحداً أو موجةً متشابهةً؛ فما يجمعها ليس النوع ولا الموضوع، بل محاولتها بدرجات متفاوتة، إثبات أن الدراما العربية قادرة على أن تكون مساحة تفكير، لا مجرد منتج استهلاكي.

الفارق الحقيقي بينها يظهر عند الاقتراب من التفاصيل: كيف يُدار الممثل؟ كيف تُبنى الصورة؟ وماذا يقول الإخراج حين يصمت الحوار؟

"صحاب الأرض"


منذ حلقته الأولى، لا يقدّم المسلسل المصري "صحاب الأرض" نفسه كحكاية تُروى، بل كتجربة تُحتمل، فهو لا يسعى إلى استدراج التعاطف ولا إلى شرح مواقفه، بل يضع المشاهد داخل الإطار ويتركه يواجه ثقل الصورة والمعنى دون وساطة. قوّته لا تكمن في المفاجأة، بل في إصراره على عدم التخفيف، وعلى إبقاء الجرح مفتوحاً كما هو، خاصةً إذا كان عنوان الحدث غزّة.

لا تُستخدم القضية الفلسطينية كخلفية في "صحاب الأرض". قوّته لا تكمن في المفاجأة، بل في إصراره على إبقاء الجرح مفتوحاً كما هو، بينما يقود النص المواجهة في "مولانا" حيث الحوارات مشغولة بعناية واضحة

الأداء التمثيلي قائم على الإقناع لا المبالغة، في حضرة إياد نصار ومنة شلبي، هناك اقتصاد صارم في التعبير، صمت طويل، نظرات محمّلة، وحضور جسدي يوحي بأنّ الألم ليس حدثاً عابراً، بل حالة مستمرة.

الممثلون جميعهم بلا استثناء لا يؤدّون الألم، بل تشعر أنهم عايشوه فعلاً في منطقه، وكأنّ الكاميرا التقطتهم في لحظة خاصة لا يُفترض بنا أن نراها، وهنا السردية التي تريد أن تحكي حكايات شعب حاول أن ينجو.

الإخراج بإدارة بيتر ميمي واعٍ بمسؤوليته الأخلاقية. الكاميرا لا تلاحق الدموع، ولا تقتحم المساحات الحميمية، بل تراقب من مسافة مدروسة؛ لا اقتراباً فجّاً يستدرّ العاطفة، ولا برود يقتل الإحساس.

الحركة نادرة، لكنها حين تحدث تكون ضرورةً نفسيةً لا زينة بصرية. ثبات الكادر واهتزازه أحياناً، يخضعان لانهيار الداخل لا لإيقاع خارجي مفروض، والعناصر الفنية تعمل كنسيج واحد بلا رغبة في التجميل: تصميم الصوت، اختيار المواقع، والإضاءة الطبيعية، جميعها تخدم ثقل التجربة لا شكلها.

هنا، لا تُستخدم القضية الفلسطينية كخلفية، بل كجوهر يفرض منطقه على السرد.

عمل موجع، لكنه صادق، ويذكّر بأنّ الدراما قد تكون فعل شهادة ومساءلة.

"مولانا"


في المسلسل السوري "مولانا"، يقود النص المواجهة. الحوارات مشغولة بعناية واضحة، لكنها أحياناً تُثقِل الإيقاع وتدفع العمل نحو كثافة فكرية قد تأتي على حساب التدفّق الدرامي.

ومع ذلك، لا يبدو المسلسل معنياً بالإرضاء السريع، بقدر ما يراكم أسئلته ويضع المتلقّي في موقع المشاركة الذهنية لا التلقّي السلبي.

الأداء هو العمود الفقري للعمل، في حضرة تيم حسن ومنى واصف، مع أداء لافت لنانسي خوري، وأقلّ من متواضع للبطلة نور علي.

هنا، من المجدي الحديث عن عودة فارس حلو إلى الدراما السورية، في شخصية العقيد كفاح. وجود فارس الحلو ليس تفصيلاً، بل مركز جاذبية حقيقي. لا يقدّم شخصيةً مكتملةً، بل حالة ذهنية متحوّلة تُبنى على التفاصيل الصغيرة: نبرة الصوت، التردّد، والمسافة الدقيقة بين الجملة وأثرها. هو أداء يقود النص ولا يكتفي بخدمته، ويرفع المشهد حتى في اللحظات التي يتراجع فيها البناء الدرامي.

يمنح الإخراج بإدارة سامر برقاوي الممثلين مساحة ثقة واضحةً، أحياناً على حساب الإيقاع، لكنه رهان محسوب على العمق لا على الجذب السريع. الإضاءة تميل إلى التقشّف، كأنها تحاول نزع أيّ زينة بصرية قد تخفّف من حدّة الكلام، فيما تُستخدم الموسيقى بحذر شديد، غالباً في الخلفية، لتأكيد الفكرة لا لمضاعفة الشعور.

"مولانا" عمل يفكّر أكثر مما يشعر، ويناقش أكثر مما يعيش، وقد تكون هذه البرودة المقصودة جزءاً من منطقه الداخلي لا نقطة ضعف فيه.

هو مسلسل لا يستخفّ بعقل المتلقّي، حتى حين لا يمنحه إجابات مُرضيةً، وأهم ما فيه أنه يحكي كيف يتوهم الظالم انتصاره، ويغرق في نشوة وهمية يظنها سيطرةً مطلقةً، لكنه لا يدرك أنّ اللحظة التي لا يبقى فيها للمظلوم شيء يخسره هي لحظة التحوّل الحاسمة.

هناك، في صمت فقدانه كلّ ما يملك، تبدأ هزيمته المحتومة حتى لو كانت البداية انسياقاً وراء أسطورة.

"الغميضة"


يعرف المسلسل الكويتي "الغميضة" كيف يبدأ؛ غموض محكم، إيقاع جذّاب، ووعد بسرد نفسي عميق.

الحلقات الأولى تُراهن على الإبهار البصري وبناء جوّ مشدود، ما يمنح المشاهد إحساساً بالثقة والسيطرة. لكن مع التقدّم، يتضح أن هذا الإبهار كان في جزء منه عاملاً خادعاً يخفي خلفه تخبّطاً متزايداً في السيناريو.

تظهر بعض التحوّلات الدرامية وكأنها محسوبة للدهشة لا للضرورة السردية، فتفقد قوّتها مع تكرارها. العمل ينجح في خلق جوّ، لكنه لا يذهب بعيداً في تفكيك شخصياته أو في تعميق دوافعها، وكأنّ السرد يكتفي بالدوران حول الفكرة بدل الغوص فيها.

الدراما العربية اليوم منقسمة بين من يجرؤ على المواجهة ومن يفضّل التوازن الآمن. هناك من يضع المشاهد في قلب التجربة، وهناك من يراهن على الفكرة أو الشكل أو الصنعة.

تقنياً، تُحسب للمسلسل عنايته الواضحة بالصنعة؛ مونتاج دقيق، بناء مشاهد بإيقاع محسوب، واستخدام ذكي للصوت في صناعة التوتر. أداء الممثلين متوازن، ولا سيّما في المشاهد الجماعية، حيث تظهر قدرة المخرج علي العلي على ضبط الإيقاع دون الوقوع في الفوضى.

لولوة الملا ممثلة قادرة فعلاً على إبهارك كمتلقٍّ. تؤدي دور فتاة على الأغلب مصابة بالتوحّد، لكن الحقبة التي تدور فيها أحداث المسلسل وهي فترة السبعينيات، لم يكن منتشراً هذا المسمّى فيها. قصّتها بحد ذاتها عنصر مهم للجذب، وهي تقف أمام أسماء كبيرة في الفن الخليجي، مثل هدى حسين، عبد الرحمن العقل، إبراهيم الحربي، سعاد علي وغيرهم.

لكن "الغميضة" يتوقف مراراً عند حدود الإتقان الشكلي. الشخصيات مُدارة بعناية، لكنها لا تُفكَّك بالكامل. والإخراج، برغم نجاحه في صناعة الجوّ، يتردد في الذهاب إلى مناطق نفسية أكثر خطورةً، ربما تظهر في الحلقات المقبلة.

النتيجة: عمل أنيق وممتع في لحظاته، وذكيّ في أدواته.

"شارع الأعشى" (الجزء الثاني)


يحمل الجزء الثاني من المسلسل السعودي "شارع الأعشى"، عبء نجاحه السابق، ويثبت أنّ الانطلاقة القوية لا تكفي وحدها. هناك حنين واضح إلى نبرة الموسم الأول، ومحاولة واعية لاستعادتها، لكن التوسّع السردي لا يوازيه تعميق حقيقي في الشخصيات. بعض الخطوط الدرامية تُمدَّد أكثر مما ينبغي، فيفقد السرد شيئاً من كثافته، حتى لو احتفظ بلمساته الإنسانية وقدرته على التقاط اليومي.

أداء الممثلين ما زال صادقاً وتحديداً إلهام علي، براء عالم، أميرة الشريف، ناصر الدوسري، خالد صقر، وطرفة الشريف، خصوصاً في التفاصيل الصغيرة والعلاقات البسيطة، وهو ما يمنح العمل دفئه واستمراريته، والعفوية هنا خيار واعٍ يخدم طبيعة الحكاية، من دون ثقل زائد أو محاولات للدهشة المفتعلة.

لكن التحدّي الحقيقي لم يكن في الحفاظ على الشخصيات، بل في دفعها إلى مناطق جديدة، وهو ما يتحقق على ما يبدو.

يسعى الإخراج (أحمد كاتيكسيز)، إلى الموازنة بين الاستمرارية والتجديد، إلا أنّ بعض الحلول البصرية والإيقاعية تبدو أكثر أماناً مما ينبغي، والعناصر الفنية من الديكور والأزياء إلى الفضاء العام ما زالت قويةً وتخلق عالماً مقنعاً، فيما تأتي الموسيقى خفيفةً، والإضاءة واضحةً، والصورة نظيفةً لا تدّعي أكثر مما تحتمل.

"سوا سوا"


لا يَعِد "سوا سوا" بثورة درامية، ولا يتظاهر بعمق لا يملكه. قوّته في بساطته، وفي فهمه لوظيفته كعمل اجتماعي يعرف حدوده ويعمل داخلها. بعض الشخصيات نمطية، وبعض الحلول متوقعة، لكنه لا يخون منطقه الداخلي، ولا يسعى إلى افتعال ثقل درامي لا يُحتمل.

يتقن "الغميضة" الصنعة ويتحفّظ عن المغامرة، أما "شارع الأعشى" فيصارع ذاكرته في الجزء الثاني، ويعرف "سوا سوا" حدوده وما يريد أن يكونه

أداء الممثلين قائم على العفوية، خاصةً أنّ أحداثه تدور في حيّ شعبي، وثنائية أحمد مالك وهدى المفتي كفيلة بتحقيق عنصر الجذب للمتابعة ولتتبّع قصة حبهما، خاصةً أنّ البطلة مصابة بالسرطان.

اللافت في العمل تناوله موضوع تجارة الأعضاء من زاوية اجتماعية مباشرة، تُظهر كيف ينخرط بعض البسطاء في منظومة يستفيد منها الأغنياء، لا بوصفهم أشراراً، بل كضحايا هشاشة وضيق حال.

المفارقة القاسية أنّ التضرّع إلى الله يصبح جزءاً من الطقس اليومي للفعل، وكأنّ الدعاء يُستخدم لتخفيف وطأة الذنب لا لمراجعته، وتحديداً في مشهد اختيار طفل منغولي من قبلهم، والذي يكشف التناقض بشكل صادم، حين يصبح الضعف معياراً للاختيار، ويتحوّل الإيمان إلى غطاء أخلاقي هشّ بحيث يلمس العمل منطقةً حساسةً دون ضجيج، ويترك التناقض معلّقاً بلا إجابات جاهزة.

الإخراج بإدارة عصام عبد الحميد واعٍ بحدود العمل، فيحافظ على إيقاع مريح وصورة نظيفة. الأغنيات المختارة والإضاءة تخدمان الجوّ العام بهدوء، وتتركان الفكرة تمرّ دون تضخيم، فبساطتها ليست ضعفاً، بل انسجام مع ما يريد أن يكونه.

عملً اجتماعي يلمس قضايا حساسةً، ويترك أسئلتها الأخلاقية مفتوحةً.

الفرق في التفاصيل

الفرق الحقيقي بين هذه الأعمال لا يكمن في الفكرة وحدها، بل في التفاصيل الدقيقة: كيف يُدار الممثل؟ وكيف تُستخدم الكاميرا؟

"صحاب الأرض" يذهب إلى النهاية دون مساومة. "مولانا" يراهن على الممثل بوصفه حامل الفكرة. "الغميضة" يتقن الصنعة ويتحفظ عن المغامرة. "شارع الأعشى" يصارع ذاكرته. و"سوا سوا" ينجح لأنه يعرف حدوده وما يريد أن يكونه.

بين هذه الأعمال، يتضح أنّ الدراما العربية اليوم منقسمة بين من يجرؤ على المواجهة ومن يفضّل التوازن الآمن. هناك من يضع المشاهد في قلب التجربة، وهناك من يراهن على الفكرة أو الشكل أو الصنعة.

وحدها الأعمال التي لا تخشى خسارة المتفرّج في سبيل صدقها، تبقى تاركةً أثراً يلتصق بالذاكرة. والباقي يُشاهَد، ثم يُنسى.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard
Popup Image