"عْلاش ما نلقاش حاجة نسمعها"؟ هل تبقّى للمستمع العربي من يخاطبه؟

الاثنين 10 مايو 202110:02 ص

""عْلاش ما نلقاش حاجة نسمعها؟"، هكذا، بلهجتها التونسية، سألتني أحلام الطاهر.

تلكّأتُ قبل الإجابة بـ"ما بعرفش"، أو ربما الأدق: "ما بعرف"؟ أم أجاريها متشعبطاً التونسية: "ما نِدراش"؟ تبّاً! هل ألجأ للفصحى كي أقول: "لست أعلم لماذا لا تجدين موسيقى تستحق أن تسمعيها، فأنا أعاني من هذه المشكلة أيضاً"؟! وإذا احتاج الفلسطيني الفصحى ليتواصل مع التونسي عبر الماسنجر، فهل ثمة "موسيقى فصحى" تخاطبهما اليوم بنفس الوضوح والقربى؟ وإن وُجدت فهل تراها تحلّ محل موسيقانا "المحكية"، فتشبع ذائقتي الشامية وذائقتها المغاربية؟ لا أظن ذلك. لا أخال أحدنا يحاور صديقاً أو حبيباً بالفصحى، بل بلغة أمّه التلقائية والمباشرة، فلماذا "نُفَصحِن" الموسيقى إذن؟! 

بما أن موسيقانا العربية هي "غنائية" نشأة وسيرورة، إذ لم يولد لدينا نوع موسيقي مستقل عن الكلمة، فهذا يسمح لنا باستقراء بعض ملامح مناخنا الموسيقي قياساً على تعدد اللهجات المحكية وتفاعلها مع مركزية العربية الفصحى.

منذ فجر الدولة الإسلامية فرضت العربية الفصحى سيادتها في كل ما يتعلق بالقرآن والفقه والشريعة ونظام الحكم؛ لكن هل هذا يعني أن أهل الأمصار تخلوا عن ألسنهم وحميمية لهجاتهم الأصلية؟ كلا! فمن غير المعقول أن يكون جميع مواطني الخلافة تبنوا الفصحى لحياتهم اليومية في البيوت والأسواق. ولو أخذنا مصر مثلاً، فسكانها بقوا على لغتهم القبطية بعد حكم عمرو بن العاص (640م)، ولم ينصاعوا لأوامر الخليفة المتوكل بتعلّم العربية (849م)، إلى أن قام الحاكم بأمر اللّه بتحريم القبطية نهائياً في القرن الحادي عشر (كما قام بتحريم الملوخية والجرجير).

هكذا أُجبر أهل مصر الأصلانيون على استخدام العربية، فولدت العامية المصرية؛ بمعنى أنهم لم يتبنّوا الفصحى المفروضة من مركز الحكم، بل اشتقّوا لغة تتناسب مع روحهم ومحيطهم.

نموذج آخر هو نشوء نوع "الزّجَل"، شعراً وغناء، إلى جانب "الموشّح" منذ أيام الأندلسيين على الأقل، ولا ننسى أن الزّجَل، كعقلية شعرية محكية، بقي حياً حتى اليوم في غالب الدول العربية، في حين اختفى الموشّح، شقيقه "الفصيح". هذا ناهيك من باقي المواريث الغنائية الوفيرة التي لم تنقطع ولم تُستبدَل بموسيقى عربية فصحى/مركزية، حتى حين نشأت موسيقى كهذه أيام العباسيين، كما سنرى لاحقاً.

وعودة إلى عنوان هذه المقالة، فهل هناك موسيقيّ يخاطب "المستمع العربي" اليوم؟ لسنا في "عصر العمالقة" حين كانت الحلول لربما أسهل والخيارات أقل، وأيضاً متطلبات المستمع من الموسيقى كانت محدودة، أو لنقل أقل تعقيداً. فمن هو "المستمع العربي" في عصرنا؟ هل هو أحادي الذائقة؟ أم إنه يتطلب باقة متلوّنة تبعاً لنفسيّة اللحظة؟ هل من المفارقات أن حياتنا أصبحت متخمة بطوفان معلوماتي/سمعي، ومع ذلك قد يجد المستمع العربي نفسه تائهاً أو محبطاً حين يبحث عن موسيقى تخاطبه؟ هل هو عصر "التيه في الصحراء" الذي لا نعرف متى وإلى أين ينتهي بنا؟

"بعض الأغاني صرخة... لا تطرب"

من الناحية المقابلة، لو حاولنا مرةً مراقبة هذا المشهد بعيون المبدع، أو الموسيقي العربي: فأين ومن هو جمهوره وعمَّ يبحث هذا الجمهور؟ هل يمكن للموسيقي العربي أن يجاري كل الأنماط الموسيقية المتاحة للمستمع العربي؟ هل يتوجّب عليه اصطياد جمهوره من جميع هذه البحار المفتوحة؟ هل آلته الشرقية، بمقاماتها وعراقتها، قادرة على منافسة "صرخة" الروك، عويل النحاسيات في الجاز، أو مغناطيسية إيقاع الراب المتزلّج على منعرجات اللغة المكهربة؟


جزء كبير من المستمعين والمبدعين العرب في يومنا هذا لم يعد مؤمناً بأن "الطرب" هو منتهى الموسيقى. قد يكون القرن الحادي والعشرون رسّخ الهوّة الفاصلة ما بين موسيقانا الشرقية التوّاقة إلى قصور ألف ليلة وليلة، وبين العالم المعاش بكل حدّته، سرعة نبضه وواقعية تغوّله. وما دمنا جزءاً من "العالم" فلم لا نتخاطب مع موسيقى هذا العالم؟ حل بسيط؟ كلا! إذ سرعان ما نكتشف أنه ليست للعالم موسيقى واحدة يمكن تعلّمها أو نسخها عن مقطوعة أو ألبوم أو حتى "بلاي ليست"! ولا غرابة في ذلك، فالموسيقي يخاطب نفسه أولاً، و"نفسه" هي مرآة محيطه ومنشئه وثقافته.

مخطئ من يتحدث عن "العالمية" اليوم في الموسيقى، فبتهوفن لم يخاطب سوى نفسه! ونفسه هذه كانت ألمانية حتى النخاع. هو لم يقصد مخاطبة أبناء اليابان ولا حتى بريطانيا؛ وكون بعض اليابانيين اليوم يحب موسيقاه فهي نتيجة عرضية حميدة، لكنها لم تكن من ضمن مراميه

مخطئ من يتحدث عن "العالمية"، فبتهوفن لم يخاطب سوى نفسه! ونفسه هذه كانت ألمانية حتى النخاع. هو لم يقصد مخاطبة أبناء اليابان ولا حتى بريطانيا؛ وكون بعض اليابانيين اليوم يحب موسيقاه فهي نتيجة عرضية حميدة، لكنها لم تكن من ضمن مراميه.

ونحن؟ من يخاطبنا اليوم؟

ولندع اليوم جانباً: هل قام أحد يوماً بمخاطبتنا جميعاً؟ من هو؟ ومتى؟

"بلغني أيها الملك السعيد..."

إسحق الموصلي (850م) استخدم سلّماً موسيقياً يتكوّن من عشر نغمات، أو عشرة حروف موسيقية، تابعة للهجة موسيقية واحدة خالصة، أخذها العرب عن الفرس (الساسانيين) واستخدموها منذ فجر الإسلام حتى أيامه (خلافة المعتصم). اللافت أن تلك اللهجة (فيثاغورية) كانت تخلو تماماً من أية "ميّزة شرقية" بمفهومنا اليوم (خالية من أرباع الدرجات). الموصلي وأسلافه حافظوا على هذه اللهجة الواحدة بتزمّت شديد ضد أي من اللهجات النغمية المخالفة، خراسانية مثلاً، والتي بدأت تتسلّل إلى هوامش بغداد حينها.

بعد أقل من قرن على وفاة الموصلي يوثّق الفارابي نظاماً موسيقياً يتكون من خمسة وعشرين نغمة (حرفاً)! هي في الواقع ثلاث لهجات موسيقية مختلفة؛ لكنّه لا يحاول تفضيل إحداهن على الأخرى، أو قل لا يحاول فرض لهجة مركزية سائدة موحّدة.

عشية سقوط بغداد بأيدي المغول (1256م) يصنّف صفي الدين الأرموي "المقامات" الرسمية، على ثلاث فصائل مقامية (الفصيلة الثالثة هي أكثر تعقيداً ولم تنتظم بدقّة ضمن تصنيفاته). أسماء المقامات التي صنّفها الأرموي تدلّ على تنوّع منابعها الجغرافية/العرقية: حجازي، حسيني، رهاوي، أصفهان، زَنكُلة...

هذا الإرث العباسي سينتقل عبر ممالك الصفويّين إلى السلطنة العثمانية، هناك سيتم تداوله ومن ثمّ تطويره وتخميره ضمن صهريج الإمبراطورية لعدة قرون.

يجب أن نتذكر أن انتقال العاصمة السياسية/الثقافية من المدينة إلى دمشق فبغداد فتبريز ثم إسطنبول، لا يعني أن الموسيقات الأصلية والشعبية في باقي بلاد المسلمين قد انقطعت أو حتى تأثرت بهذه التقلبات. مرة أخرى هي علاقة المركز بالمحيط.

"مصر تنهض من نومها"

مع بداية حكم محمد علي باشا، صاحب الرؤى، الذي أراد لمصر أن تكون دولة معاصرة وليس مجرد ولاية عثمانية. إلى جانب كل مشاريعه الهامة والبعثات الدراسية الجديّة، قام باستقطاب أعداد من الموسيقيين الأجانب الذين أقاموا في مصر بهدف تأسيس وتدريب الأوركسترات العسكرية. بعد أيامه ستتعاظم أهمية مصر، خصوصاً مع شق قناة السويس، وفيما يخصّ الجانب الموسيقي، ستقيم دار الأوبرا احتفاء بافتتاح القنال. إلى جانب كل هذا نستشعر تصاعداً هاماً في البحث عن "هوية وطنية مصرية"، وأن التحرر من كل ما هو عثماني أصبح شعار المرحلة.

إن العراقي، وبذهنيته العروبية، تأثّر بغناء عبد الوهاب، لكن قلبه العراقي ظلّ أميَل لناظم الغزالي"

من المفارقات أن يتوجّه بعض الموسيقيين المصريين إلى إسطنبول بهدف تعلم واستعادة ما أمكن من الموروث الموسيقي "العربي" الضائع. بطبيعة الحال كان ذاك الموروث قد تشبع بالروح العثمانية حتى الثمالة، وهنا قام المصريون (عبده الحَمولي وآخرون) بـ"تَمصير" جذري للمقامات العثمانية المستوردة، بحيث تلائم الأذن المصرية، بذائقتها الراسخة والمنقادة للمقامات الشعبية والدينية التي لم تتأثر قط بالموسيقى المركزية للسلطنة العثمانية.  

هكذا، وقبيل مطلع القرن العشرين، بدأ بركان الإبداع المصري بالتكوّن؛ هو البركان الذي سيعطي مصر دور الريادة الموسيقية العربية، دون منازع، ولغاية السبعينيات.

لعل خير الدلائل الرمزية على ريادة مصر لنهضة موسيقية حقيقية هو ابتكار قالبين غنائيين حصريين، هما: الدور، ولاحقاً المونولوج؛ مع التنويه بأن كلا القالبين يعتمد اللهجة المصرية المحكية فقط! دون الدخول في تفاصيل موسيقية، تجدر الإشارة إلى أن ولادة قالب موسيقي جديد هي ليست مسألة عادية ولا تحصل صدفة؛ بدليل أننا لم نشهد ولادة أي قالب موسيقي جديد في أية دولة عربية أخرى. سرعان ما قام الدور، الطازج قالباً وتعبيراً، باستبدال الموشّح التقليدي؛ ولاحقاً سيتألق المونولوج، بلحنه المُسترسِل وبكثافة تعبيره الشخصي والحميمي، ليضاهي القصيدة المغنّاة والمتوارثة.

بما أن الملحن يخاطب نفسه أولاً ومجتمعه المحيط من خلال نفسه، يجدر التذكير هنا بأن المجتمع في مصر حينها كان شديد التنوّع؛ إلى جانب المدّ الوطني، كانت هناك شرائح وتيارات أخرى، سواء على مستوى التركيبة السكانية التي تضمّنت جاليات أجنبية لا يُستهان بثقلها، وتلك بطبيعتها كانت أميل إلى الملك ومناخات الأوبرا، أو إلى القوى الأجنبية المتصارعة على هذا البلد الاستراتيجي؛ أم على مستوى الطبقة الأرستقراطية المصرية المنتفعة من وجود الملك بطبيعة الحال، ومن وجود هذا الاحتكاك مع الأجانب بثقلهم الاقتصادي والسياسي وبثقافتهم وموسيقاهم الأوروبية.

"هنا القاهرة!"

مثل أي دولة "أوروبية"، ازدهرت في مصر أيضاً الحداثة التكنولوجية، بدءاً بالأسطوانات مروراً بالإذاعة ووصولاً إلى السينما الغنائية (في الثلاثينيات). لن يصعب علينا تخيل التأثير الهائل لهذا الازدهار على "صناعة الموسيقى"، إذ يمكننا مقارنته بالانفجار المعلوماتي الهائل الذي نعيشه اليوم في عصر الإنترنت والفضائيات.

والمقصود بـ"صناعة الموسيقى" هو أولاً، تضاعف مدى انتشارها بعشرات بل مئات آلاف المرات؛ وبالتالي مخاطبتها لشعوب العالم العربي على اختلاف مشاربهم، من المحيط إلى الخليج، وثانياً، تحوّل الموسيقى إلى سلعة تجارية بكل معنى الكلمة (جدير بالذكر قيام الموسيقار محمد عبد الوهاب بشراء شركة الأسطوانات "بيضافون" وتحويلها إلى "كايروفون" التي أنتجت معظم أغاني فريد الأطرش وعبد الحليم حافظ)، سواء شاء الموسيقيون ذلك أم أبوا.

خير الدلائل الرمزية على ريادة مصر لنهضة موسيقية حقيقية هو ابتكار قالبين غنائيين حصريين، هما: الدور، والمونولوج؛ مع التنويه بأن كلا القالبين يعتمد اللهجة المصرية المحكية فقط! إن ولادة قالب موسيقي جديد هي ليست مسألة عادية ولا تحصل صدفة؛ بدليل أننا لم نشهد ولادة أي قالب موسيقي جديد في أية دولة عربية أخرى

وثالثاً، الأغنية السينمائية تحديداً اضطرّت لاتّباع ريجيم صارم من حيث طولها، رشاقة لحنها وخفّة مواضيعها بما يتناسب مع سياق الفيلم. وقد نرى بالسينما الغنائية، (وريثة المسرح الغنائي)، أحد جذور الأغنية الاستعراضية والأغنية الخفيفة.

"مصر يا أم العجايب"

في عام 1923 رحل سيد درويش، والذي يستحق اعتباره النموذج للملحّن "المصراوي". هو الذي خاطب الأذن والروح المصريتين أولاً؛ إن كان بألحانه ذات الطبيعة "المشايخية"، أسوة بمحمد عثمان وزكريا أحمد وغيرهم، أم بنصوصه المغنّاة وجميعها بالعامية المصرية الهادفة (بيرم التونسي، بديع خيري...). من هنا أقول إنه ملحن مصراوي، فلم تشغل باله فكرة ملحن "عروبي" مثلاً، ناهيك عن ملحن "عالمي".


من قبيل المقارنة يمكن أن نرى بعبد الوهاب نموذجاً للملحن العروبي؛ بمعنى أنه استهدف المستمع العربي عامة وليس المصري حصراً. لربما يتناغم هذا مع تقرّبه من أجواء "صالون أحمد شوقي"، الذي ترفّع عن المصرية لصالح الفصحى ببحورها الكلاسيكية وعبقها التاريخي؛ ويصعب أن يصدر عن هذا الصالون كلام مثل "وخير بلادنا ماهوش بإيدنا"! وقد لا يخفى على أذنٍ شغف عبد الوهاب باحتضان التأثيرات الموسيقية الأوروبية، استخدام الفرق الموسيقية الضخمة وصولاً إلى إدماج الأورغ والغيتار الكهربائي.

لست أقول هذا من باب المفاضلة ولا بقصد اتهامه بتحوير أو تشويه صوت ومضامين التخت العربي التقليدي، إنما أقوله كتذكير بالبيئة التعددية صوتياً وثقافياً والمتقلّبة بسرعة البرق في مصر حينها.


صوت للعرب!

قد يبدو مطلع العهد الناصري كأحد النتائج الطبيعية لكل العصر النهضوي الممتد منذ أيام محمد علي؛ بل كتحقق حلم دفين كان يسكن كل عربي في مشرق الأرض ومغربها. من ناحية الفنون والموسيقى حصراً، ففي العهد الناصري تم تقليمها ثم تجنيدها في خدمة فكرة: الدولة فوق الجميع؛ ومن ثم مصر رائدة العروبة. دون خوض النقاش حول كون ناصر قائداً مصرياً أم عروبياً، لا تجد فترة هي أكثر ضرراً للفنون وتعددية تعابيرها ولصدقيّتها من تجنيدها لصالح دولة، أيديولوجية أو فكرة، مهما كانت تلك الفكرة. المدّ الناصري استفاد من كنوز الغناء المصري محلياً وعربياً، وبعد سنين قليلة بدأ تطبيق موسيقي لشعار "الأمة الواحدة" ذات الإذاعة الواحدة والمطربة الواحدة، أم كلثوم، واللحن الواحد والفرقة الموسيقية الواحدة؛ وكلّ لون أو نمط غناء مصري نشز عن هذه المعايير المُؤدلَجة أُهمِل ونُسي في الظلال.

عصر النجوم

العالم العربي احتضن هذه الموسيقى الريادية دون أي تردد أو تلكُّؤ. بمعنى أن أحداً لم يتساءل: هل هذه موسيقى العرب فعلاً، أم موسيقى مصر الناهضة؟ مَن من العرب سيقوم في عام 1964 ليسائل عبد الوهاب حول أصالة أو عروبة الجيتار الكهربائي وأطقم الكمنجات الوثيرة في "إنت عمري"؟ (توخياً للأمانة التاريخية فهذه الأغنية تحديداً أثارت جدلاً داخل مصر نفسها! حيث ثارت ثائرة البعض بسبب تهجين صوت "الستّ" بتجديدات عبد الوهاب؛ في حين تحمس البعض الآخر. وعام 1964 صار يعرف بـ"عام إنت عمري").

المدّ الناصري أدخل العرب في "حالة" أكثر منها مرحلة؛ وبطبيعتنا كبشر حين ندخل "حالة" فنحن نعيشها! دون كثير تفكّر أو مساءلة.

للخلاصة، كان هذا ميلاد جديد لموسيقى "فصحى" بعد مرور سبعة قرون على سقوط العباسيين؛ وتماماً كما شهدنا لدى العباسيين، فهذه "الفصحى المصرية" لم تكن من جذور عربية خالصة. في واقع الأمر ليست هناك جذور عربية "خالصة" لأيّة موسيقى فصحى (غير شعبية). وكما شهدنا أعلاه فالأبجديات الموسيقية تنتقل من حاضرة مزدهرة إلى أخرى ثم أخرى، وفي رحلاتها هذه تتأثر بأبجديات أخرى وتُخصَب وتتحوّر بطبيعة الحال.

وما دمنا بصدد المقارنة مع بغداد العباسيّة، فيجدر التنويه إلى أن الموسيقى المصرية، وبفضل التكنولوجيا، لم تبق محصورة في عاصمة واحدة، بل انتقل تأثيرها إلى جميع الأقطار؛ بمعنى أنها كـ"لهجة سائدة" خاطبت وأمْلَت نفسها على نسبة سكانية أعلى بكثير من موسيقى البغداديين العباسيين، وأيضاً من موسيقى الإسطنبوليين العثمانيين.

ولدت موسيقى "فصحى" بعد مرور سبعة قرون على سقوط العباسيين؛ وتماماً كما شهدنا لدى العباسيين، فهذه "الفصحى المصرية" لم تكن من جذور عربية خالصة. في واقع الأمر ليست هناك جذور عربية "خالصة" لأيّة موسيقى. إلى جانب ذلك فهي لم تستبدل ولم تطغَ على الموسيقات "العاميّة" ولا القُطريّة؛ فاندماج المصري في الصعيد مع غناء أم كلثوم لا يعني أنه تبناها بديلة عن موسيقاه "الصعيدية"

إلى جانب ذلك فهي لم تستبدل ولم تطغَ على الموسيقات "العاميّة" ولا القُطريّة؛ فاندماج المصري في الصعيد مع غناء أم كلثوم لا يعني أنه تبناها بديلة عن موسيقاه "الصعيدية"؛ ناهيك عن المغاربي أو الخليجي. وقد أوجزُ قائلاً: إن العراقي، وبذهنيته العروبية، تأثّر بغناء عبد الوهاب، لكن قلبه العراقي ظلّ أميَل لناظم الغزالي.

أمّا بعد...

الحلم العروبي تناثر قبيل السبعينيات؛ ومع أفول "النجوم" تهاوت "فُصْحاهُم". وتماماً كما فقدت مصر ريادتها السياسية، كذلك الموسيقى المصرية لم تعد تُملي النهج السائد. وحتّى لو كان هناك "عالم عربي" يوماً، فمع نهاية الحلم الناصري لم يعد أبناء وبنات هذا "العالم العربي" يافعين: كلٌّ قد مضى في طريقه، حلمه أو موسيقاه، فهل بقي هناك ما يوحّدنا موسيقياً؟  أو بالأحرى: هل هناك ضرورة أو منطق بتوخّينا "موسيقى عربية واحدة ذات رسالة... ما"؟

ويعاد السؤال: هل بالإمكان وجود موسيقى عربية واحدة من المحيط إلى الخليج، حتى لو توفرت جميع الظروف السياسية؟ ولو قلنا "إن المبدع مرآة محيطه" فما الاتساع المنطقي لذلك المحيط؟ وهل يمكن للموسيقى (وباقي الفنون) أن تحمل وزر الإيديولوجيا، دينية كانت أم عروبية، رأسمالية أم اشتراكية؟

وإذا اتفقنا على أن المبدع يخاطب نفسه أولاً، وأن الفن يغذّي نفسه أولاً، وأن الإيديولوجيات فشلت في إملاء النهج الفني، فمن يمليه إذن؟ الجواب: لا أحد! أو قد نقول: العالم، هذا الكيان العشوائي بكل إيجابياته وسلبياته، لا مفرّ، ولا مفرّ من التجديد!

والسؤال الجوهري يبقى: هل نحن ضد التجديد؟ كلا، لا أظن ذلك! لكننا حتماً ضد الرداءة؛ والرداءة أحياناً تفوق قدرتنا على التساهل مع التجديد.

قد يتحفظ القارئ على بعض أو كل ما ورد أعلاه، قائلاً إن التدهور الذي نعيشه غير مسبوق، ولا يجوز تبريره بأي شكل، لكن القضية ليست قضية تبرير، بل وضع النقاط على الحروف. فهذا التشتت هو نتيجة متوقعة، بل طبيعية، لمجريات التاريخ التي مرّت بها الحضارة الكل-عربية، أو كل-إسلامية، منذ القرن الثالث عشر؛ ولا يمكن فصل منحى ثقافي ما عن سائر مناحي الحضارة: موسيقى، إبداع، سياسة، اقتصاد، اجتماع... إلخ. ومهما تعثّرت الرؤية أو حتى تعذّرت، يجب أن نتذكر أن الموسيقى هي حاجة بشرية أولية، تماماً كاللغة، وليس هناك من مجتمع يبقى عديم اللغة مهما ساءت ظروفه وتعقدت.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard