"فكرتُ بالانتحار ولم تخطر ببالي زيارة الطبيب"... كيف نزيل الوصمة عن العلاج النفسي؟

الأحد 10 أكتوبر 202104:20 م

لحظةٌ تفصل بين الحياة والعدم، بين الإشراقة والظلام الدامس. لحظة قد تخلق حياة جديدة، أو تنهيها. ذلك هو حال كل شخص فكر مرّات عدة، في إنهاء حياته، في لحظة يائسة، تجاوزُها قد ينجيه إلى الأبد.

ولكن، ما الذي يدفعنا إلى هذا الحد من اليأس، وإلى تلك الدرجة من رفض الحياة؟ دائماً أتساءل، بعد كل حالة انتحار يذيع صيتها، ماذا لو كان هناك حُضن دافئ قبل هذه اللحظة بدقائق معدودة، أو لمسة حانية، أو كلمة دافئة؟ لا بد أن يتغير القرار، بعد جرعة هادئة من الحب غير المشروط.

وصمة العلاج النفسي

ازدياد حالات الانتحار في مصر، زاد من التساؤلات حول النظرة إلى الطب النفسي، وكيفية التعامل معه، " كوصمة عار" تصيب كل من يقترب منها. ماذا لو كانت الرؤية مختلفة؟ هل كانت ستختلف معها نسب الانتحار؟

طبيبة الأسنان، تلاها شاب طالبَ بعدم استلام أهله جثمانه، ومن قبلهما شاب برج القاهرة، وغيرهم من ضحايا اللحظات اليائسة، جميعهم نتائج غياب الوعي. وعلى الجانب الآخر، نجد أشخاصاً أقدموا بالفعل على زيارة الطبيب النفسي، ولكن سرّاً، كي لا يعلم بالأمر أحد!

ازدياد حالات الانتحار في مصر، زاد من التساؤلات حول النظرة إل الطب النفسي، وكيفية التعامل معه، "كوصمة عار" تصيب كل من يقترب منها.

يشير الطبيب النفسي في جامعة عين شمس الدكتور محمد فرج، إلى أن "مصطلح الطب النفسي يسبب الخوف والقلق لأشخاص كثر، ولا يزال هناك عائق أمام وصولهم إلى الطبيب/ ة النفسي/ ة، وأهم الأسباب أن الطب النفسي من الفروع الحديثة، ولا يتجاوز عمره كاملاً، بالأبحاث، والظواهر، والتفسيرات، أكثر من 200 عام، وهي فترة قصيرة مقارنةً بالتخصصات الأخرى، كما أن الناس يتداولون تفسيرات متعددة لظواهر الطب النفسي، بينها ما يدعو إلى الإهانة، والتقليل من الذات، ما يزيد من فكرة الوصمة، والحديث مع المريض النفسي على أنه ‘مجنون’".

كذلك، قد يؤثر توجه البعض إلى الصيدليات، لتلقي الأدوية المطلوبة، والحصول على معلومات مغلوطة من الصيدلاني/ ة، مما يسبب لهم القلق، وفق حديث الطبيب.

"حالفني الحظ وتراجعت"

رجل في الخمسين من عمره يُدعى شاكر محمد، ضاق به الحال، وتكاثرت عليه الديون، فشعر بأن لا حول له ولا قوة، إذ هو غير قادر على تقديم أي مساعدة لنفسه، ولأسرته. فكّر مراراً وتكراراً في الانتحار، ولكن في حديثه لرصيف22، يقول: "شيء واحد جعلني أتراجع، هو شعوري بالمسؤولية تجاه بناتي. فإذا رحلت أنا، هل ستُحلّ الأمور؟ سأترك لهم مبالغ طائلة من الديون فقط. بعد مرور أسوأ فترة في حياتي، حالفني الحظ، ووجدت عملاً جديداً، وبدأت بتقبّل الحياة مرة أخرى".

وعند سؤاله لماذا لم يذهب إلى طبيب نفسي في تلك الفترة السيئة، أجاب بأنها فكرة لم تخطر على باله، فهو لا ينظر إلى الأمر على أنه وصمة، لكنه لم يفكّر فيه من قبل.

وتختلف معه سلوى طارق، وهي سيدة ثلاثينية تعرضت للخيانة من زوجها، أكثر من مرة. تقول: "زيادة على الخيانة، كان يوبّخني، ويسخر مني، وهنا تساءلت: لماذا أعيش؟ على الرغم من وظيفتي الجيدة، إلا أنني دائماً كنت أشعر بالقلق. لم أجرؤ على إنهاء حياتي بهذه السهولة على الرغم من عدم احتمالي الوضع، وتوجهت إلى طبيبة نفسية، وأتابع معها حتى الآن. بذلتْ مجهود كبيراً معي، ولكني الآن مُدركة أن هناك معنى لحياتي لا يرتبط بوجود هذا الشخص".

لكن، لا زالت سلوى تخفي أمر ذهابها إلى الطبيبة، عن المحيطين بها، "حتى لا يوجهوا إليّ نظرات شفقة، أو يتساءلوا: لماذا؟".

دوافع الانتحار وأنواعه

وخلال حديث رصيف22، مع الطبيب النفسي محمد سليمان، أضاف أن هناك فرقاً بين الميول الانتحارية وسلوك الانتحار، والميول الانتحارية لجذب الانتباه، ووحده الطبيب/ ة قادر على التمييز بينهما، وتوفير العلاج الأنسب لكل نوع.

ومؤخراً، وجب الاهتمام بأي شخص يتحدث عن الانتحار بكثرة، وتوجيهه نحو العلاج النفسي، فأغلب الحالات التي تنجح، فشلت في مرات سابقة، أو فكرت وتراجعت أكثر من مرة، وهنا يأتي دور الأسرة، والبيئة المحيطة، خاصةً أن دوافع الانتحار لا تأتي "فجأة".

"تمرّ علينا أعداد ليست قليلةً، مُقبلة على الانتحار، أو دار في تفكير بعضهم تنفيذه، وأبرزهم شاب عشريني، فقد الأمل بالحياة بعد حادثة أدت إلى تشوّه وجهه بالكامل، وحاول الانتحار مباشرة بعد إبلاغه أن تلك العلامات ستبقى إلى الأبد، ونجحت الأسرة في إنقاذه، لكن في المرة الثانية، مع الأسف، لم يتمكنوا من ذلك"، يقول الطبيب.

"شيء واحد جعلني أتراجع، هو شعوري بالمسؤولية تجاه بناتي. فإذا رحلت أنا هل ستُحل الأمور؟ فقط سأترك لهم مبالغ طائلة من الديون. بعد مرور أسوأ فترة في حياتي، حالفني الحظ ووجدت عملاً جديداً، وبدأت بتقبّل الحياة مرة أخرى"

"كذلك نجحتُ في التعامل مع ولد فكّر في الانتحار، لضعف شخصيته أمام أسرته، ووالده بالتحديد، إذ يتم إجباره على العديد من تفاصيل حياته، وآخرها مجال دراسته، وهو غير قادر على المواجهة، أو إبداء الرأي، فيحوّل غضبه نحو ذاته، وبعد محاولته التي باءت بالفشل، لجأ إلى الطبيب، وتخلّص من فكرته".

ومن أسوأ الحالات التي واجهت الطبيب، فتاة تعرضت للتحرش من والدها، ولم تستطع التخلص من ذكريات هذا الموقف السلبي، الذي أدى بها إلى اضطراب الشخصية، ووصل إلى اضطراب في هويتها، فبدأت تكره كونها فتاة، ولجأت إلى تغيير قَصّة شعرها، وطريقة لباسها.

"هناك أيضاً أمر أخطر، وهو إخفاء الأسر سبب وفاة أبنائهم المنتحرين، والتعامل مع الأمر كوصمة، وإرجاع الوفاة إلى أسباب أخرى"، يضيف الطبيب.

"هذه العبارات تدمّر المرضى"

وافقه في التحليل والرأي الدكتور محمد فرج، قائلاً إن هناك ضرورة لتوعية الناس بأن المرض ليس نتيجة عامل واحد، وإنما هو تفاعل وتناغم بين مجموعة من العناصر البيولوجية، والاجتماعية، والنفسية، والدينية، والوراثية، جميعها تتفاعل بنسب، وأحداث، ومؤثرات تختلف من شخص إلى آخر.

"عندما نتعامل مع هذه العوامل بطريقة أحادية، سيكون هناك خلل في قدرتنا على تقديم المساعدة بالشكل المطلوب، خاصةً عندما أقول لشخص مكتئب: ‘أنت محتاج تقرّب من ربنا، أو تصلّي’، لأختزل أسباب المرض النفسي، في سبب واحد متعلق بالعلاقة مع الإله، وأتجاهل بقية الجوانب، وكأن المرض يصيب من لا يصلّون فحسب. كذلك من لا يعثرون على عمل، هو عامل اجتماعي له تأثير كبير، لكنه ليس وحده السبب".

هذا التعامل الأحادي، يوصل الشخص إلى مرحلة أسوأ. مثلاً، عندما نقول لمريض الاكتئاب إن علاقته بالله فيها مشكلة، فهو أساساً لديه منظومة فكرية تخبره بأنه لا يقوم بأي شيء جيد، وهنا نغذّي لديه إحساسه بالذنب، فينتقل إلى مرحلة أسوأ، ويفقد العامل الوحيد الذي كان يمكن أن يحميه من الانتحار.

هناك ضرورة لتوعية الناس بأن المرض ليس نتيجة عامل واحد، وإنما هو تفاعل وتناغم بين مجموعة من العناصر.

يضيف فرج أن هناك عبارات تدمر أي شخص مكتئب، مثل "متقولش كده"، و"حرام"، و"اجمد"، وأي نوع من أنواع التوبيخ، لأنها رسائل تغذي الإحساس بالذنب، وتدل على أن الشخص مُقصرٌ ويحتاج إلى تقويم.

"في الأساس، الانتحار طيف يتدرج بتمني الموت، والتعامل مع الحياة بنظرة يائسة. تبدأ العلامات بالحديث عن صعوبة الحياة، ورفضها، وكم هي متعبة، مع انعدام الأمل، أو الإيمان بالذات، والمستقبل، حتى تتحول إلى أفكار، ثم إلى خطة واضحة، ومن ثم تُنفَّذ على أرض الواقع. من أبرز المؤشرات، قلة إنتاجية الشخص، وكفاءته الوظيفية، أو التعليمية، فيتدهور مستواه الاجتماعي، أو الدراسي، أو نظافته الشخصية، مع فقدان الدافع والحافز".

وكلما كانت الحالة أشد، وجب التوجه بسرعة إلى الطبيب المختص، وأفضل تعامل هو في تقديم الدعم والتعاطف، وتوضيح تفهم الموقف والحالة النفسية، والبحث معاً عن حلول مُرضية للمقبل/ ة على الانتحار.

كما أوضح فرج، أنه في بعض الأحيان يتم اللجوء إلى التدخل الإجباري من قبل الطبيب، لإنقاذ المريض، إذا كان على وشك تنفيذ الفكرة، وهنا يتم التعامل بشكل حجر إلزامي، لأن الحفاظ على حياة المريض فترةً من الزمن، يساعد على تعافيه، وأحياناً يتم بشكل تلقائي، من دون تدخل علاجي، فمجرد مرور الوقت يكون مساعداً لتخطّي الموقف، واستعادة التوازن.

اقتراحات للتوعية

يشير فرج إلى دور الإعلام في توضيح الحالات النفسية المختلفة، ومدى تأثيرها على الأشخاص، وأيضاً إزالة الوصمة عن العلاج النفسي، وقد يساهم ذلك في تقليل نسب الانتحار بإدراك أهمية الذهاب إلى الطبيب النفسي، بالإضافة إلى أهمية التوعية بأشكال الخدمات التي يقدمها الأطباء النفسيون، وهو أمر يمكن تناوله أيضاً في الدراما، لكن بالطرق المناسبة.

ويقترح سليمان حملات توعية بأهمية الصحة النفسية، من خلال إجراء عمليات مسح على الناس، وتقسيمهم إلى فئات، ومن ثم توجيه التوعية المناسبة لكل فئة، مثل طلاب المدارس، والجامعات، والموظفين.

"عندما نتعامل مع هذه العوامل بطريقة أحادية سيكون هناك خلل في قدرتنا على تقديم المساعدة، خاصة عندما أقول لشخص مكتئب ‘أنت محتاج تقرب من ربنا’، لأختزل أسباب المرض النفسي، في سبب واحد متعلق بالعلاقة مع الإله، وأتجاهل باقي الجوانب، كأن المرض يصيب من لا يصلّون فحسب"

ويضيف، حول خطر مواقع التواصل الاجتماعي: "السوشال ميديا تؤثر بشكل خطر على المراهقين، وتحديداً في الفترة الأخيرة، فهي لا تلتزم أي معايير، ويمكنهم من خلالها رؤية تفاصيل الانتحار، وبيانات المنتحرين بأدق تفاصيلها، وهي بذاتها ترويج لفكرة الانتحار بطريقة غير مباشرة. شخصياً، واجهت فتاة مراهقة ترتب أحداث انتحارها تماماً مثل الطريقة التي رأتها على السوشال ميديا".

وحذّر من أن العلاج النفسي، مؤخراً، أصبح "تراند"، ومنه التصق بالمهنة عدد من الأشخاص غير المختصين، وتالياً قد يقدّمون علاجاً غير فعّال، ومن دون حلول واضحة.

أرقام وإحصائيات

مصر هي الأولى عربياً بنسب الانتحار وفق منظمة الصحة العالمية، وهي دراسة تعتمد على تقديرات تقول إن أربعة من كل مئة مصري أقدموا على الانتحار، في حين تشير التقديرات المحلية لأرقام أقل.

وحسب أبحاث الدكتور فرج وملاحظاته، فإن ما بين 60 و80 بالمئة من المصريين، في حاجة إلى علاج نفسي، النسبة الأكبر منهم لا تلجأ أساساً إلى العلاج، وآخرون يذهبون إلى الطبيب مرة واحدة فقط.

وفي عام 2020، قدّر أستاذ الطب النفسي في جامعة المنصورة، محمود الوصيفي، عدد المصابين بالاكتئاب والأمراض النفسية، في مصر، بنحو 25 مليون شخص، أي ربع السكان، وأضاف أن ثلث هؤلاء المرضى يعالَجون بسرعة، ولا يُصابون بالاكتئاب مجدداً، والثلث الثاني يصابون به بشكل متكرر، وفي فترات زمنية مختلفة، والثلث الأخير يكون الاكتئاب لديهم مزمناً.

هل يمكن أن نزيل هذه الوصمة؟

بالفعل بدأت مجموعة مبادرات بالاهتمام بالصحة النفسية في مصر، بينها مبادرات رسمية، وأخرى من مؤسسات خاصة، واجتهادات شخصية. هي ليست كافية بعد، لكنها خطوة في الطريق الصحيح.

يجب الاهتمام بأي شخص يتحدث عن الانتحار بكثرة وتوجيهه نحو العلاج النفسي.

حدّثنا الدكتور فرج عن مجموعة إجراءات اتّبعتها جامعة عين شمس، وتسير عليها سنوياً، للتوعية في مؤتمراتها بالأمراض النفسية. أيضاً تتعدد نشاطات الأطباء في الجامعة، من خلال اختيار أماكن ذات تجمعات كبيرة، أو يتردد عليها الشباب، مثل مراكز التسوق، والنوادي، ويتم نشر إعلانات، وتوزيع أوراق توعية فيها، مع وجود أطباء للحديث مع الراغبين بالأمر. "تُعدّ من أهم الحملات، لأنها تكسر الحاجز حول العلاج النفسي". وفي تموز/ يوليو الفائت، أقيمت مبادرة للتوعية بالصحة النفسية، من قبل شباب جامعيين، وشارك فيها أطباء على مستوى مصر.

وهذه المحاولات ليست وليدة اليوم، فمنذ أعوام عدة، انطلقت مبادرات مثل "احكي عن الاكتئاب"، و"محدش قالي"، و"مش لوحدك"، و"مش عيب"، لدعم مرضى الاكتئاب، والتوعية بأعراض المرض، وطرق علاجه، وتشجيع من مرّوا بالتجربة كلهم على ألا يخشوا مواجهة ذلك، ويكون تقديم المساعدة عن طريق جلسات علاج مجانية، والتعاون مع مستشفيات تقدّم علاجاً مجانياً، أو بكلفة منخفضة.

بالإضافة إلى ذلك، تخصص الدولة المصرية خطاً ساخناً للدعم النفسي، والطوارئ، والاستشارات النفسية، بالإضافة إلى متابعة الحالات الطارئة التي تحتاج إلى تواصل مستمر ومباشر. والأرقام التي يمكن الاتصال بها، هي: 08008880700 | 0220816831.

تتعدد المبادرات، وتستمر الجهود، والهدف في النهاية تقديم العون إلى من يحتاجون إليه، وكسر الوصمة حول العلاج النفسي، لعلّنا نتوقف عن سماع أخبار شبان وشابات أقدموا على الانتحار، لأنه كان الحل الأخير ربما، بالنسبة إليهم/ ن.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard