"يلجؤون للغريب كي يحكوا أسرارهم"... برامج "فضفضة" أونلاين تجتذب مراهقين مصريين

الاثنين 12 أبريل 202102:18 م

يرن جرس الهاتف، فيجيب الطرف الآخر: "مين معايا؟"، يتسلل صوت أنثوي خافت: "أريد أن أحكي قصتي".

تسرد ملك علاقاتها العاطفية، فمرة وقعت في الحب وحدثت "تجاوزات" بينها وبين حبيبها أثناء زياراتها المتكررة لبيته دون علم أسرتها، ومرة يعرض عليها رجل زواجاً عرفياً فترفض، وهي تبلغ من العمر 16 عاماً فقط.


برامج السوشال ميديا: فضفضة بلا حساب

قصص كثيرة يحكيها المتصلون، وأغلبهم في سن المراهقة. يفضفضون، ويكشفون أسرارهم وخباياهم التي يخافون الحديث عنها لأهلهم وأصدقائهم، دون خجل، حيث تضمن لهم برامج تبث بشكل مباشر، مثل ذلك الذي يقدمه المذيع معاذ ياسين على إنستغرام، عدم كشف هويتهم، فنستمع إلى قصص العلاقات العاطفية التي يخوضها الجيل الصغير، ويرفضها المجتمع، خاصة مع الفتيات، فتتحول العلاقات إلى سرية بلا رقيب، وتحدث تجاوزات مع عدم فهم، وقد يصل الأمر إلى حوادث اغتصاب وفقد عذرية وإدمان وغيرها.

فتاة تحكي عن صديقتها المثلية التي تلاحقها في كل مكان، وتتعمد إفساد علاقتها مع أي شخص بسبب غيرتها، وتصر على قيام علاقة معها، وبعد رفضها سببت لها الكثير من المشاكل مع أصدقائها وعائلتها.

وشاب آخر يشارك تجربته العاطفية التي خاضها أثناء عامه الأخير في المرحلة الثانوية، فيحكي عن انفصال حبيبته عنه بسبب اكتشافها أنه يتحدث مع أكثر من ثلاثين فتاة غيرها على تطبيق تلغرام.

يتصل مراهقون مصريون ببرامج "فضفضة" ليحكوا قصصهم وأسرارهم دون الكشف عن هويتهم.


مساحة آمنة للفضفضة

هناك برنامج آخر معروف باسم "حكايات سوكا"، تقدمه الإعلامية هدى عبد الصمد، على فيسبوك، فتتلقى مكالمات من سيدات وفتيات لحل مشكلاتهن، فمنهن من تحكي عن أولادها المراهقين أو عن أخطاء ارتكبتها وتريد حلاً لا يسبب الفضيحة. وفي إحدى المرات تدخلت عبد الصمد لإقناع أهل شاب كان يهدد فتاة بمجموعة من الصور العارية التي أرسلتها له، وبالفعل تم التخلص من الصور ولم يتعرض الشاب للفتاة مرة أخرى.

تقول عبد الصمد في لقاء مع رصيف22، إنها أنشأت صفحة "حكايات سوكا" منذ أربع سنوات لتكون مساحة آمنة للفضفضة وحل المشكلات التي تواجه السيدات والفتيات، فتستقبل المكالمات بشكل شبه يومي خلال بث مباشر، وتحكي المتصلة قصتها تحت الاسم المستعار "سوكا"، حتى لا يتعرف عليها أحد، مضيفة أنها تلقت مشكلات كثيرة تخص المراهقات.

من هذه المشكلات، تتذكر قصة فتاة عمرها 16 عاماً، كانت تعيش مع خالتها، وأقامت علاقة مع شاب، وكانت تتخوف من فقدانها لعذريتها، ولجأت إلى هدى لإنقاذها، فتحدثت الأخيرة مع هذا الشاب ليبتعد، وأجرت الفتاة الفحوص الطبية كي تتأكد مما حدث لها أثناء علاقتها.

أشارت عبد الصمد إلى أنها تتلقى أيضاً رسائل كثيرة من فتيات تزوجن عرفياً، ويواجهن مشكلات كبيرة وتهديدات ولا يعرفن كيف يتصرفن، وتتصل بها أخريات وقعن في فخ الإدمان ويردن من ينقذهن ويدلهن على العلاج.

اعتادت هدى أيضاً خلال برنامجها تخصيص وقت لتوعية الأمهات والآباء، مرات بالنصح، ومرات بلهجة حادة للسيدات المشغولات عن أولادهن، فلا تلاحظ الأم ما يطرأ من تغيرات على حياتهم، ولا تفرض رقابة كافية عليهم، فتفاجأ بإدمان أحدهم أو وقوعه في فخ الاستغلال والتهديد. تنصحهم بالتحدث مع الأولاد والاستماع لهم، وأن يعطوهم المساحة ليفضفضوا بصراحة دون خوف من إهانة أو تعنيف.

تقول عبد الصمد: "لماذا تلجأ الفتاة أو المراهقة لنا؟ لأنها لم تجد شخصاً في البيت يسمعها أو يهتم بها، فتلجأ للغريب لتحكي له، علها تجد من يعوضها النقص والاحتياج".


إشكالية المراهقة

يقول الدكتور عماد رشاد عثمان، وهو طبيب وكاتب وباحث بدرجة الماجستير في أمراض المخ والأعصاب والطب النفسي، إنه يجب استيعاب ما يمر به المراهق من عواصف، سواء هرمونية بيولوجية داخل جسده، أو فكرية داخل دماغه أو روحية. ويضيف خلال حديثه مع رصيف22: "يمر المراهقون أحياناً بما يسمى أزمة هوية، فيعيدون مساءلة كل شيء، وبالأخص ما تربوا عليه من قيم ومبادئ، أو حتى يفكرون من جديد في تصورهم عن الدين والإله الذي عرفوه من والديهم".

لماذا تلجأ الفتاة أو المراهقة لنا؟ لأنها لم تجد شخصاً في البيت يسمعها أو يهتم بها، فتلجأ للغريب لتحكي له، علها تجد من يعوضها النقص والاحتياج

وتكمن إشكالية المراهقة الأساسية كما يقول عثمان في رغبة الأهالي بأن يكبر صغارهم أسرع من اللازم، فلا يستطيعون عيش طبيعة مرحلة المراهقة بكل عواصفها وتغيراتها: "الحل بأن نعطيهم كامل وقتهم، ونتفهم أنهم يجب أن يجربوا ويكتشفوا أنفسهم والعالم من حولهم بأنفسهم، من خلال خرق بعض القواعد، فالمراهق يجوز له ما لا يجوز لغيره في سبيل الحصول على هويته".

وينوه عثمان إلى أن جيل المراهقين الحالي كبر قبل أوانه، نظراً لمعاصرته التغير السياسي السريع منذ عام 2011، والتغير الإلكتروني والانفتاح على العوالم المختلفة: "فالشباب قبل هذه التغيرات كانوا مثلاً يتعرضون للمواد الإباحية في سن متأخر للغاية، ولكن الآن تظهر إعلانات إباحية في تطبيقات الموبايل أو بعض المواقع للطفل الذي لم يتجاوز عمره 7 سنوات، وكأن عالم الكبار اقتحم عالمه بشكل مبكر جداً".


عالم "الأندر إيدج"

أشار عثمان، وهو مؤلف كتاب "أبي الذي أكره: تأملات حول التعافي من إساءات الأبوين وصدمات النشأة"، إلى أن القفزة الإلكترونية التي نعاصرها عمقت الفجوة بين المراهقين والآباء، فالأخيرون يشعرون بالإحباط لعدم قدرتهم على مواكبة الحياة التكنولوجية كما يواكبها صغارهم، كما أن كثيرين منهم ما زالوا تحت سطوة التابوهات القديمة نسبياً، بما يخص الجنس والعلاقات العاطفية، ما يؤدي إلى شعور المراهقين بالاغتراب.

بذلك، نجد اليوم عالماً منفصلاً يُطلق عليه، كما يقول عثمان، "عالم الأندر إيدج"، "فنجد أنهم يتحدثون بلغة خاصة بهم ولهم موضوعاتهم الخاصة وعالمهم السري الذي يحاولون الحفاظ عليه بعيداً عن الكبار، مضيفا أن المراهق ذا الستة عشر عاماً قضى حوالي 10 سنوات منها على الإنترنت، لذلك يبتعد عن العلاقات الإنسانية الحقيقية ويتجه إلى الفضاء الإلكتروني لتفريغ آلامه، الأمر الذي يدفعه للبحث عن أب وأم بديلين أو أخ كبير افتراضي على مواقع التواصل الاجتماعي، يوفر له ما يفتقده في حياته الواقعية.

ويرى المتحدث بأن برامج الفضفضة على الإنترنت تحقق للمراهقين الاستتار والقبول، فيمكن للشخص أن يحكي دون معرفة شخصيته فيُرفع الإحراج، كما يختفي شعوره بالوحدة والاغتراب ويلاقي قبولاً لا يجده في العالم الواقعي، فيتعلق أكثر بمواقع التواصل.

الفضفضة قد تصبح مؤذية إذا كان المتلقي شخصاً غير مؤهل لتلقي ما يحكيه المراهقون.

لكنه يشير إلى أن الفضفضة، وهي مفيدة ومطلوبة، قد تصبح أحياناً مؤذية، فإذا كان المتلقي شخصاً لا يطلق الأحكام أو يتفّه آلام الآخرين، سيحمي المراهقين من مشكلات كثيرة، وإذا كان غير مؤهل لتقبل ما يحكيه الشخص، فيسخر من الألم أو يزايد عليه، يتعقد الأمر ويتسبب في مشكلات نفسية جسيمة تصل لإيذاء الذات، "لذلك تعتبر هذه البرامج سلاحاً ذا حدين"، وفق وصفه.

ويؤكد بأن الطريقة الوعظية في التعامل مع المراهقين غير محبذة، على العكس، من المهم وجود مجموعة من المتنورين الذين يناقشون الموضوعات التي تهم المراهقين، ويروون تجاربهم الشخصية وما مروا به عندما عاشوا نفس المرحلة العمرية، ويتحدثون عن الإباحيات وكيف تعاملوا معها، وعن العلاقات العاطفية وكيف يمكن للفتاة أن تحظى بعلاقة آمنة وتحمي نفسها من أي شخص يسعى لإيذائها.


الغزو الإلكتروني لعقل المراهقين

من جانبها أكدت دكتور أميرة الفيشاوي، استشارية العلوم الإنسانية والاجتماعية، أن فترة المراهقة حرجة، وكل ما خزّنه الطفل من سلوكيات الأب والأم تظهر خلالها، فالطفل الذي تعرّض للعنف يصبح عنيفاً، ومن تعرّض للإهمال يتحول إلى عنيد وقاسٍ، ولذلك فإن كل ما يصدر عن المراهق هو نتاج السلوكيات الخاطئة للأبوين، ومن أبرزها ترك الطفل لمواقع الإنترنت دون رقابة، مشيرة إلى أن الدراسات التربوية أثبتت أن هناك ألعاباً ومنصات كثيرة تسبب أمراضاً نفسية قد تؤدي وتشجّع على الانتحار.

القفزة الإلكترونية عمقت الفجوة بين المراهقين والآباء، فالأخيرون يشعرون بالإحباط لعدم قدرتهم على مواكبة الحياة التكنولوجية كصغارهم، كما أن كثيرين ما زالوا تحت سطوة التابوهات القديمة بما يخص الجنس والعلاقات العاطفية ما يؤدي إلى شعور المراهقين بالاغتراب

وتابعت الفيشاوي في حديثها لرصيف22: "نحن نعاني من أمية تكنولوجية تهدد الأجيال وتقتحم حياتنا، فالجهل الأسري بأضرار التكنولوجيا قد يؤدي لتدمير المراهقين وعائلاتهم، لأن الغزو الإلكتروني يسيطر على عقل المراهق، ويجعله مسلوب الإرادة، يفكر بناء على ما يراه في الألعاب ومواقع التواصل، لذلك يجب أن يتعرف الأبوان على هذا العالم و أن يعرفا كيف يواكبانه، ومن ناحية أخرى يجب تربية الأولاد من خلال التوعية السليمة وتعريفهم بسلبيات العالم الرقمي قبل إيجابياته، لحمايتهم من أضرار كثيرة، كاختراق البيانات وسرقتها والتهديد بها، والسيطرة النفسية والعقلية".

وأشارت الفيشاوي إلى ضرورة تعليم الأطفال كيف يحافظون على أنفسهم: "كما تربينا على حماية أنفسنا من الغرباء في الشارع، يجب أن نربي أطفالنا على كيفية التعامل مع الغرباء على الإنترنت، فلا يتحدثون مع من لا يعرفونهم، ولا ترسل الفتيات صورهن الخاصة لأي شخص، ولا يتجاوبن مع أي شاب يحاول أن يجذبهن إليه. أيضاً يجب مواكبة هذا التطور بالتوعية، وإقرار مواد توعوية في المدارس تعلّم المراهقين كيفية الحفاظ على أنفسهم".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard