من "فك سوستة البنطال" إلى الانتحار... كاتبة مصرية ترصد قصص بنات الآباء المتحرّشين

الأحد 11 يوليو 202103:53 م

"يا بنتي أبوكِ مات!". تردّ الفتاة: "حتى لو مات حتفضل سيرته ملاحقاني. أنا بقيت أخاف حد يسألني عن اسمي علشان محدش يعرف إني بنته. والله العظيم أنا بستخبى من الناس. نظراتهم بتوجعني. بيشاوروا عليا وبيقولوا بنته أهي".

هذه مقدمة كتاب طُرح مؤخراً في معرض القاهرة الدولي للكتاب، ويحمل عنوان "بنت المتحرّش" للكاتبة المصرية ميادة عابدين. ومن خلال 5 حكايات من وحي خيال الكاتبة لكنها مستقاة من أرض الواقع، أثار الكتاب جدلاً كبيراً بين رواد المعرض ومستخدمي مواقع التواصل، لأنه يتحدث في "المسكوت عنه" و"يثير الخوف والذعر".


"أبويا قتلني"... "يا رب أبويا يموت"

تدور أحداث القصة الأولى، وفق حديث الكاتبة، حول طفلة تخرج دائماً مع أبيها الذي يقوم في كل مرة بفك "سوستة" بنطاله والتحرّش بالسيدات في وسائل المواصلات. على الرغم من تحذير والدتها الدائم بأن سوستة البنطال لا تفتح إلا في الحمام، بدأت الطفلة تلعب هذه اللعبة مع أصدقائها، تماماً كما ترى والدها يفعل، وانتهى الأمر بأن يتحرّش بها رجل يشبه والدها كثيراً، أو كما تصفه الكاتبة "من نفس فصيلة المتحرّشين".

الحكاية الثانية هي لفتاة تدعى هند في الصف الثالث الإعدادي، كانت متفوقة في دراستها، لكن أفعال والدها أثرت بشكل كبير على مستقبلها. فذات يوم وجدت الفتيات في المدرسة يتداولن مقطع فيديو لأبيها وهو يتعرّض لضرب من مجموعة سيدات بسبب تحرّشه بهن، على الرغم من أنه دائماً كان يرسم صورة الرجل الفاضل لنفسه. تعرّضت هند للتنمر والنبذ من الطلاب، وبعضهم قالوا لها: "إنتِ بنت متحرّش وإحنا مش عايزينك في المدرسة".

هذه الضغوط أوصلت الفتاة للانتحار من أعلى طابق في مبنى المدرسة، تاركة وراءها رسالة في حقيبتها المدرسية تقول: "عاوزة أقولك إني كرهت اليوم اللي اتولدت فيه بسببك، أنا مش عاوزة أعيش في الدنيا تاني وإنت أبويا. لو كنت أقدر امحيك من حياتي ما كنتش ترددت لحظة، بس اللي أقدر أعمله إني أمحي نفسي من الدنيا كلها مش هقدر أعيش فيها تاني وأنا بنتك، إنت ما عرفتش تكون سندي، كنت قاسي لدرجة إنك ما قدرتش تكون أمين عليا، لو وصلت لك الرسالة دي بص في عيوني كويس وإنت بتقراها عشان أقولك إنت ما تنفعش تكون أب، وإنت اللي قتلتني".

أما القصة الثالثة تدور أحداثها حول طالبة في كلية الهندسة، لاحظت عدم استضافة والدها في التجمّعات العائلية الخاصة بوالدتها، حتى اكتشفت الكارثة وهي أن أباها قد تحرّش بزوجة خالها في يوم من الأيام، لذلك منعته جدتها من حضور أي تجمّعات عائلية، وكانت هي أيضاً تلاقي نفوراً من العائلة بسبب هذه القصة.

تضيف الكاتبة بأن القصة الرابعة هي عن فتاة جامعية تحرّش والدها بابنة جارتهم ولها نفس عمرها، وعندما علم شقيق الضحية قرر الانتقام من المُتحرّش في ابنته، فتحرّش بها انتقاماً لشقيقته.

والقصة الخامسة والأخيرة حول طبيبة وافقت على إقامة علاقة جنسية مع شخص يعمل في شركة أبيها، بعدما ساومها حول فضح والدها الذي يستدرج فتيات صغيرات من موقع فيسبوك، بحجة العمل في الشركة، ليتحرّش بهن، وقد أصاب الطبيبة الخوف من الفضيحة حتى وافقت على إقامة علاقة جنسية مع ذلك الشخص.


طرح أدبي لقضية حساسة

تتحدث الكاتبة ميادة عابدين في لقائها مع رصيف22 حول العمل على الكتاب وقد استغرق ثمانية أشهر، لكنها كانت مُرهِقة حسب وصفها، "فالقضية حسّاسة، وكانت هناك ضرورة للتركيز على ضبط الألفاظ التي قد تسبب ضيقاً أو إحراجاً للقراء، وأن يضم الكتاب قصصاً متنوعة ومتباينة، سواء من حيث الحكاية أو ردود أفعال الفتيات، وكل واحدة تختلف في تعاطيها مع الأزمة المضاعفة، وجهها الأول ما يحدث للفتاة داخل المنزل، والثاني في مواجهة المجتمع".

تضيف عابدين، وهي تعمل صحفية منذ العام 2007 في عدد من المواقع والمحطات، بأنها هدفت من خلال الكتاب إلى رصد ما يطرأ من تغيرات في علاقة البنات بآبائهن المتحرّشين، بعد معرفة ما يقومون به، وما يتبعه ذلك من توتر وأزمات نفسية، وتسليط الضوء على ما تعانيه بنات المتحرّشين في المجتمع ونظرته لهن، "فالفتيات اللواتي ناقش الكتاب قضاياهن، وقعن ضحايا لآبائهن المتحرّشين، لكنهن عانين أيضاً من مواقف تحرّش أخرى وضمن ظروف مختلفة".

"هدفتُ من خلال الكتاب إلى رصد ما يطرأ من تغيرات في علاقة البنات بآبائهن المتحرشين، بعد معرفة ما يقومون به، وما يتبعه ذلك من توتر وأزمات نفسية، وتسليط الضوء على ما تعانيه بنات المتحرّشين في المجتمع ونظرته لهن، ومعاناتهن من مواقف تحرّش أخرى وضمن ظروف مختلفة"

وتستكمل الكاتبة، التي أصدرت من قبل ثلاثة أعمال هي "كتاب المفاجيع"، "طلّق مراتك تحبها أكتر" و"يستاهلوا الدبح"، بأن الكتاب الجديد حمل عنواناً فرعياً هو "في ناس نصيبها من الدنيا فضيحة"، لأنها تهدف أيضاً لأن تثير الجدل حول تحوّل هؤلاء الفتيات أحياناً بنظر المجتمع، من "مجني عليهن" إلى "جانيات"، فتتغير النظرة لهن رغم كون الظلم واقعاً عليهن بالدرجة الأولى.

طرح قضية التحرّش في الأدب والمجتمع الثقافي قد لا يكون جديداً ولكنه ليس شائعاً بشكل كبير، كما تقول الكاتبة، مضيفة بأنها تتمنى تحويل كتابها "بنت المتحرّش" لعمل سينمائي يلفت أنظار العائلات لما قد تعانيه بناتها، منوّهة لأهمية هذا النوع من الأعمال، على غرار الفيلم "678" الذي أُنتج عام 2010 ويتحدّث عن حافلة تحمل ذات الرقم، وهي المكان الذي تتعرّض فيه الفتيات للتحرّش الدائم.


التحرش يغير بالعلاقات الأسرية

تشير ميادة عابدين إلى أنها رصدت أثناء عملها على الكتاب، بأن معظم زوجات الرجال المتحرّشين يعلمن بما يفعله أزواجهن، لكنهن يخفن من المجتمع ومن المصارحة، إضافة إلى أن معظم الرجال المتحرّشين يمثلون دور الفضيلة، ضاربة مثالاً حول الرجل الذي نُشر له مقطع فيديو وهو يتحرّش بفتاة صغيرة، في حين بيّنت منشوراته على فيسبوك بأنه يتحدث عن الدين ويدعي الفضيلة ويتصور على الدوام بجانب الكعبة.

تضيف الكاتبة الثلاثينية بأن الفتيات والسيدات في مصر يعانين، سواء كنّ زوجات أو بنات لمتحرّشين، أو ضحية هذا الفعل، مؤكدة بأن فكرة "الأب القدوة" تحطمت في الآونة الأخيرة، بسبب الكشف أكثر عن حالات تحرّش أغلب المعتدين فيها آباء أو رجال متزوجون.

وقد جاءت ردود الأفعال التي تلقتها الكاتبة من القراء لتؤكّد لها كل ذلك، إذ تلقت رسائل خاصة على صفحتها على فيسبوك، يحكي أصحابها عن قصص مشابهة لما ورد في الكتاب، وقد حدثت لهم/ن أو لأشخاص قريبين منهم. "صحيح أن الكتاب يتضمن قصصاً من وحي خيالي، لكنها حقيقة على أرض الواقع، تحدث دائماً لكننا نسمع عنها في الخفاء، وقلة قليلة من الفتيات يتجرأن على الإعلان عنها على مواقع التواصل".

هذه الردود تضيء، من وجهة نظر الكاتبة، على أهمية توعية الآباء للحفاظ على أولادهم وبناتهم ومواجهة ظاهرة التحرّش بكل حزم: "إذا كان الأب متحرّشاً لا بد أن يعلم بأن ابنته ستدفع الثمن ذات يوم، وسيتم التحرّش بها تماماً كما تحرّش هو بغيرها. المتحرّش بيكون نايم على ودانه ولا يعرف أنه كما تدين تدان". وتضيف بأنها واثقة من كتابها لا بد وسيؤثر في عدد من الآباء الذين قد يراجعون سلوكهم بعد قراءة هذه القصص ومعرفة الأثر المدمّر الذي تتركه تصرفاتهم على عائلاتهم، وقد يصل حد أن تقول فتاة لأمها "لماذا لم تختاري لي أباً آخر؟"، وبالطبع هناك من لن يكترثوا للأمر على الإطلاق، "وهنا تبرز أهمية العمل المجتمعي وحملات التوعية التي يجب أن تشارك بها جميع الجهات المعنية عن التحرّش وآثاره الكارثية"، كما تقول.

"إذا كان الأب متحرشاً لا بد أن يعلم بأن ابنته ستدفع الثمن ذات يوم، وسيتم التحرش بها تماماً كما تحرش هو بغيرها. المتحرش بيكون نايم على ودانه ولا يعرف أنه كما تدين تدان"

وأشارت عابدين في ختام حديثها لأهمية الإجراءات التي تقوم بها مصر لمواجهة التحرّش، مع موافقة لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية في مجلس النواب المصري الشهر الماضي على مشروع قانون يدعو إلى تعديل قانون العقوبات الخاص بالتحرّش الجنسي، وهو قرار كانت تنتظره الكثير من الفتيات المصريات، إذ ستصبح جريمة التحرّش وفق التعديلات الجديدة جناية وليس جنحة، وستزيد العقوبة الخاصة بها من سنة حبس وغرامة 10 آلاف جنيه مصري، إلى سنتين عقوبة وغرامة لا تقل عن 100 ألف جنيه ولا تزيد عن 200 ألف، إلا أنها تنوّه لعدم كفاية هذه العقوبات، فهي وفق رأيها ليست رادعة، ولا بد من زيادتها خاصة لمن يتحرّشون بالأطفال.

وتشير دراسات أممية إلى تعرض 99% من النساء في مصر لصورة من صور التحرّش المختلفة، وهو أمر يحدث لجميع النساء والفتيات من كافة الفئات والأعمار داخل المجتمع المصري، سواء كن محجبات أو لا، صغيرات أو كبيرات في السن، متزوجات وغير متزوجات، مصريات ومن جنسيات أخرى.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard