"الموت الرخيص"... قصة حبة الغلّة التي تودي بحياة عشرات الشبان والشابات في مصر

الأربعاء 3 مارس 202104:01 م

"أرجوكم أنقذوني، لا أريد أن أموت"، تكرّرت هذه الكلمات بصوت أنثوي ضعيف، في قسم الطوارئ بأحد المشافي المصرية، بإلحاح ورعب. حاول الأطباء إسعاف الفتاة الصغيرة، لكنها فارقت الحياة سريعاً إثر تناولها حبة "الغلّة" المميتة، بعد أن نصحتها صديقتها بابتلاعها كنوع من الضغط على أسرتها التي ترفض طلباتها باستمرار.

كانت الفتاة تظن أنها مجرد وسيلة للتهديد، ولم تكن تدرك مدى خطورتها وسمّيتها القاتلة، وأن مصيرها سيكون الموت.


الحبوب القاتلة

تلك القصة روتها لرصيف22، الدكتورة صفاء عبد الظاهر، أستاذة السموم الإكلينيكية والكيمياء الطبية الشرعية بكلية الطب ومستشفيات جامعة المنوفية، عن إحدى حالات التسمّم التي استقبلتها بمركز علاج حالات التسمّم والإدمان في مستشفيات الجامعة، وهي حكاية ضمن حكايات كثيرة شهدتها على مدار السنوات الماضية.

حبة الغلّة هي مبيد حشري على هيئة أقراص، يستخدمها الفلاحون لحماية الغلال والمحاصيل من التسوس والتلف.

تقول عبد الظاهر إن معظم من يتناول حبة الغلّة، أو كما تسميها "الحبة القاتلة"، هم من صغار السن، وتزيد الحالات بشكل خاص في مواسم ظهور نتائج اختبارات الشهادتين، الإعدادية والثانوية. مشيرة إلى أن المركز استقبل 16 حالة تسمّم بحبة الغلّة، خلال شهر يناير/كانون الثاني الماضي، توفي نصفهم، والنصف الآخر نجى لأسباب تتعلق بتناول جرعة صغيرة أو أقراص منتهية الصلاحية وسرعة اللجوء إلى الإسعافات، وأكدت أنه لولا حبوب الغلّة لكانت نسب الوفاة في المركز 0 أو 1 بالمئة على الأكثر، من مجمل حالات التسمّم التي يتم استقبالها شهرياً.


لا نجاة

تشرح الطبيبة عن حبة الغلّة، وهي مبيد حشري على هيئة أقراص، يستخدمها الفلاحون المصريون لحماية الغلال والمحاصيل من التسوس والتلف، وتتكون من مادة فوسفيد الألومنيوم التي تتفاعل مع الماء وأحماض المعدة، وتتحول لغاز الفوسفين شديد السمّية، الذي يقلل نسبة الأكسجين الواصل لجميع أعضاء الجسم، ويسبّب الوفاة السريعة نتيجة هبوط حاد في الدورة الدموية وتوقف عضلة القلب. وعلى الرغم من خطورة هذه الأقراص وكثرة اللجوء إليها من قبل المنتحرين، فهي ما زالت حرّة التداول بين العامة ويسهل الحصول عليها.

تتابع عبد الظاهر: "هناك عدد لا بأس به، خاصة الفتيات في سن المراهقة، ممن يستخدمون تلك الأقراص، كنوع من التهديد للأهل وليس بهدف الموت، ولذلك لا بد من التوعية بمخاطرها الكارثية، خاصة وأن معظمهم لا يعلم إنها تحمل ثلاثة أضعاف الجرعة المميتة للمادة الفعّالة، فإذا تناولها الشخص تكون فرصة إنقاذه شبه مستحيلة، ويحتاج عناية إلهية للنجاة".

وأضافت بأن هذا النوع من المبيدات تحديداً، ليس له مضاد للسم أو ترياق، فليس من المنطقي أن يكون متاحاً للعامة، ولكفاءته في الحفاظ على المحاصيل يرفض الفلاحون استبداله بأي نوع آخر، ولذلك لا بد من إيجاد بديل له يحمل نفس الفاعلية ويكون أقل سمّية، إضافة لتصنيع عبوات غير قابلة للاستخدام الآدمي، أي يصعب بلعها.

وفي محاولة لإيجاد حلول، خاطبت الطبيبة -عن طريق إدارة المستشفيات- الجهات الرسمية، كوزيري الزراعة والصحة، ووكيلي إدارة الصحة والإدارة الزراعية بمحافظة المنوفية، لمنع تداولها، وكان الردّ أنها بالفعل ممنوعة، ومسموح فقط للأخصائيين الزراعيين باستعمالها بطريقة محددة تحميهم من التعرض للمادة السامة الموجودة بها، ومع ذلك ما زالت الحبة تباع.

ومن ضمن الحلول، اقترحت المتحدثة الإبلاغ عن بائعي الأقراص السامة لأنهم يتسببون في خسارة الكثير من الأرواح، خاصة وأنهم يعلمون بأمر الانتحار، فما حاجة الفتاة أو الشاب لشراء مبيد حشري إلا إذا كانوا يفكرون باستخدامه؟ أيضاً تشير لضرورة تناول قضية الانتحار بشكل أوسع، تعظيم دور الإرشاد النفسي في المدارس والجامعات والاكتشاف المبكر للحالات النفسية وتشخيصها وعلاجها.


الخوف من الفضيحة

أما نقيب الفلاحين، حسين أبو صدام، فيؤكد في حديث لرصيف22، بأن تلك الأقراص المميتة تنتشر أكثر في القرى، ويعرفها معظم الأهالي، سواء من الأخبار أو لأنهم يستخدمونها للحفاظ على محاصيلهم، ونظراً لخطورتها الشديدة، فلا يمكن استخدامها حتى في بيوت الفلاحين الصغيرة، لأن الغاز المتسرب منها سام جداً، مضيفاً أن حوالي 90% من الذين تناولوها فارقوا الحياة، ولذلك يجب وضع ضوابط لبيعها، فلا تباع إلا لشخص بالغ ومختص، وتصرف على البطاقة الزراعية، فلا يستطيع المراهقون أو الشباب الحصول عليها.

اقترحنا الإبلاغ عن بائعي الأقراص السامة لأنهم يتسببون بخسارة الكثير من الأرواح، وهم يعلمون بأمر الانتحار، فما حاجة الشباب لشراء مبيد حشري إلا إذا كانوا يفكرون باستخدامه؟ إضافة لتناول قضية الانتحار بشكل أوسع وتعظيم دور الإرشاد النفسي في المدارس والجامعات

وتابع أبو صدام: "من المفترض فرض قيود على تداول حبة الغلّة، ولكنها غير محظورة بشكل قاطع، ما يعطي الفرصة للمزارعين والتجار للتحايل والحصول عليها، خاصة وأن تلك الحبوب لها أكثر من اسم وأكثر من منتج تتم صناعته".

وعن وجود إحصائية محددة لمعرفة نسبة استخدام حبوب الغلّة في الانتحار، يقول: "من الصعب تحديد النسب، لأن أهالي المنتحرين يرفضون الاعتراف بحالات انتحار أبنائهم، ويقولون إنهم تناولوا الحبوب عن طريق الخطأ وبشكل غير مقصود، خوفاً من المساءلة القانونية أو الفضيحة".


اللحظات الأخيرة

يحكي لنا عبد النبي دميس، مدير نقابة الفلاحين بمحافظة البحيرة، عن حالات انتحار عايشها بنفسه، وشهد ما عاناه من تناول الحبة القاتلة حتى لحظاته الأخيرة.

من هذه الحالات فتاة عمرها 18 عاماً، قررت إنهاء حياتها بعد عام وأربعة أشهر من النزاعات بين عمها وأبيها، حيث كان الأخير يضربها بلا سبب، ويذهب لقسم الشرطة لتحرير محضر في أخيه زوراً بأنه تعدى على ابنته.

ذات صباح، كان الأب وابنته بالمحكمة لحضور إحدى الجلسات ضد أخيه. دخلت الفتاة دورة المياة وابتلعت قرصين من حبوب الغلّة، ثم خرجت وأخبرتهم بما فعلته، ولكنهم لم يستطيعوا إنقاذها، وماتت. اتهم الأب أخاه بأنه السبب في قتلها، لكن تقرير الطب الشرعي فصل الأمر بجملة "سبب الوفاة: تناول الأقراص باليد ولا شبهة جنائية".

معظم من يتناول حبة الغلّة هم من صغار السن، وتزيد الحالات بشكل خاص في مواسم ظهور نتائج الاختبارات.

فتاة أخرى (17 عاماً) كانت تعيش قصة حب، ورفض أهلها الشاب الذي تحبه، وقرروا تزويجها من رجل آخر، فقررت الانتحار، ووجدت أقراص الغلّة موجودة بالبيت، فتناولت اثنين وأبلغت أهلها أنها ابتلعتهما بالخطأ، وأيضاً لم يستطيعوا إنقاذها، وتم تحرير محضر ضد الوالدين، ولكنه في النهاية مجرد محضر إداري وليس جنائي، لأن لا أحد يستطيع الوشاية بالأهل وكشف تفاصيل القصة.


تقليد وتمرد

نلاحظ أن معظم المنتحرين صغار السن، ويعلق على ذلك الدكتور إبراهيم مجدي، استشاري الطب النفسي، قائلاً: "طبقاً لبعض الأبحاث، فإن حوالي 20% من عدد المنتحرين بالعالم هم مراهقون، تتراوح أعمارهم ما بين 13 إلى 20 سنة، وكثير منهم يقلّدون حالات سابقة سمعوا عنها أو شاهدوها عبر مواقع التواصل الاجتماعي. أما عن نسب الانتحار في مصر فيصعب حصرها، إذ لا توجد أرقام رسمية أو محددة لعدم كشف الأهالي عن الأمر، ولكن يمكن القول بأن حالات الانتحار تتراوح بين ألفين وثلاثة آلاف حالة سنوياً".

ويضيف مجدي في حديثه لرصيف22: "يمرّ المراهقون بتغيرات نفسية وهرمونية، ويبدؤون باستكشاف العالم الحقيقي من حولهم، وتتميز شخصياتهم تلك الفترة بالتمرد، وعندما يتعرضون لهزات نفسية أو صدمات قاسية أو تجارب صعبة لا يستطيعون مواجهتها، ويقررون الهروب فيلجؤون للانتحار وربما المخدرات. وهناك من يعاني من أمراض نفسية ويصاب بالاكتئاب"، ويشير إلى أن ما يزيد الأمر سوءاً هو التعامل باستهتار مع مشاكلهم ومشاعرهم المتقلبة.

كما تلعب مواقع التواصل دورها في تغذية أفكار المراهقين وميولهم، وفق حديث مجدي، الذي يتابع: "إذا درسنا حالات الانتحار باستخدام حبة الغلّة، سنجد أن الموضوع انتشر بعد معرفة القصة التي حدثت منذ سنوات، عن ثلاث فتيات انتحرن بشكل جماعي باستخدام تلك الحبة المميتة".

التوعية والحديث عن مضار حبة الغلّة هو سلاح ذو حدّين، فمن ناحية نشير إلى المشكلة، ومن ناحية أخرى ننبه من لا يعلم بوجود وسيلة انتحار موجودة ربما لا يعرفها

ويشدّد مجدي على ضرورة التعامل بحكمة مع مشاكل المراهقين، مثل القلق والتوتر والاكتئاب، التشكيك في الشخصية، الإحساس بالتنمّر والمشاكل الدراسية والأسرية. ومن الضروري التفاعل معهم بتركيز لمعرفة طريقة تفكيرهم، كلامهم وتعبيراتهم، مزاجهم وميولهم، مدى انعزالهم وانطوائهم، فكل هذه مؤشرات تجعلنا نفهم ونستدلّ على وجود مشكلة ما.

ويرى المتحدث بأن التوعية والحديث عن مضار حبة الغلّة هو سلاح ذو حدّين، فمن ناحية نشير إلى المشكلة، ومن ناحية أخرى ننبه من لا يعلم بوجود وسيلة انتحار موجودة ربما لا يعرفها: "ولحل هذه الإشكالية يجب أن نفرد مساحة لمناقشة المشكلات التي تدفع المراهقين للتفكير بإنهاء حياتهم، وكيف يتعاملون مع الأفكار الانتحارية ويحمون أنفسهم منها. أيضاً من المهم عودة دور الأخصائي النفسي والاجتماعي بالمدارس، وإعلاء دور الطب النفسي، والتخلص من فكرة الوصم المجتمعي المرافقة لزيارة الطبيب النفسي".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard