"كانت الصلاة آخر ما فعلوه"... لماذا حاول أصدقائي الانتحار وفشلوا؟

الثلاثاء 28 سبتمبر 202105:54 م

عشت فترة غير قصيرة، كان أول أمر أفعله عندما أستيقظ الاطمئنان على أصدقائي، من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى أنهم ما زالوا أحياء، وأنه ليس هناك خبر ينبئنا بأن أحدهم أقدم على الانتحار، وفي يوم اجتمعت ببعض صديقاتي، وإذا بإحداهن تقول عن صديق لي إنه حاول الانتحار الأسبوع الماضي، وهو بحاجة إلينا.

غريب أمر أصدقائنا الذين حاولوا الانتحار وفشلوا، ويتجدد قلقنا عليهم مع كل محاولة ناجحة للانتحار تنتشر على السوشال ميديا.

نزل هذا الخبر عليَّ كالصاعقة، رغم توقعي سماعه لشعوري بالمسؤولية تجاه صديقي، مع أنه ليس من أصدقائي المقربين، ولا أعرف ما الذي دفعه إلى قرار الانتحار، ما أعرفه عنه نفس ما يعرفه الجميع، إنه إنسان يشعر بالاكتئاب أغلب الوقت، ومعظم منشوراته على فيسبوك سوداوية، لكن لمَ يشعر بهذه الأحاسيس السلبية؟ لا أعرف.

أول مرة رأيته بعد محاولة الانتحار، كانت كلماتي الأولى له: "عملت كدة ليه؟!"، فسكت ثم قال: "متخافيش مش هيكون في محاولة تانية قريب". وانتهى الحوار بيننا دون أن أتمكن من انتزاع كلمة واحدة منه عن أسباب انتحاره.

عقّبت المعالجة النفسية، شيماء العيسوي، قائلة: "يتعلق الاكتئاب في الأساس بالجينات والمستقبلات العصبية، وتفجره الأحداث الحياتية. وترى المدرسة الفسيولوجية أن أسباب الاكتئاب في البداية ترجع إلى اختلال في كيمياء الجسم، وباختصار يُعتقد أن هناك مجموعة من الهرمونات تعتبر مسؤولة عن تحسين الحالة المزاجية".

"حسيت بتقصير تجاه ربنا... الانتحار كان أسهل طريقة للتخلص من شعور الذنب، مسكت الكبريت، وقررت أولع في نفسي"

وأضافت: "الاكتئاب أيضاً ليس له علاقة بقلة الإيمان، فكثير من الأشخاص الذين أُنقذوا كانت الصلاة آخر ما فعلوه".

ذكرني هذا بمحاولة انتحار عايشتها مع صديقة كانت تسكن معي في شقة واحدة.

استيقظت في أحد الأيام على صوت نحيبها الشديد، اقتربت منها، وأنا أسألها بصوت يشوبه توتر: "في إيه؟؟" أشارت إلى زجاجة دواء ملقاة على الأرض، فرددت بخوف: "ماذا فعلت؟!"، فأجابت: "شربت زجاجة الدواء كاملة"، فما كان مني سوى أن صرخت من هول الصدمة، قائلة: "ليه عملتي كدة؟!".

مر هذا اليوم دون أن تودي هذه المحاولة بحياتها، وبعدها عرفت منها أن محاولة الانتحار هذه هي الرابعة.

ولكن يظل السؤال محيراً لي، لماذا يحاول أصدقائي الانتحار؟

شعرت بالذنب

حكت صديقتي رشا، اسم مستعار (25 عاماً) من محافظة المنيا عن المرة الأولى التي فكرت في الانتحار: "كانت المرة الأولى لأسباب دينية، تقصير ما تجاه ربنا، ولأني شخص مبيعرفش يواجه، فالانتحار كان أسهل طريقة للتخلص من شعور الذنب، وفي يوم كنت في البيت لوحدي. مسكت الكبريت، وقررت أولع في نفسي، وفجأة سمعت صوت عربية بابا، فسيبت الكبريت".

وعندما سألتها عن المرة الأولى التي نفذت فيها أولى محاولات انتحارها، قالت: "استخدمت أداة حادة لقطع شرايين يدي لكن الجرح كان سطحي، وبمجرد إحساسي بالوجع سيبت الأداة، ومافيش حد لاحظ حاجة، تكتمت على الموضوع، أختي الصغيرة بس اللي كانت عارفة، والمرة الثانية كانت بالطريقة نفسها، عندما أتيت إلى القاهرة لاستكمال دراستي، ولكن المرة دي سبّبت لي نزيف شديد".

وعندما سألتها عن الأسباب، ردت: "دون الدخول في تفاصيل، لكن دائماً كان لأمي يد في رغبتي بالتخلص من حياتي"، ثم حكت عن المحاولة الثالثة، كانت في القاهرة أيضاً، وبالبحث عرفت أن ثمانية من أقراص كونجستال يمكنها أن تنهي حياتها، ولكنها ابتلعت ستة فقط.

سألتها: "لمَ؟"، فأجابت: "في كل مرة كنت أحاول إنهاء حياتي لم يكن هدفي إنهاؤها بالفعل، ولكن دائماً ما كنت أسعى إلى تقريبها فقط من الموت، وبالفعل لم تود الستة أقراص بحياتي لكنها سببت لي قيئاً، وألماً في معدتي، وجعلتني أرقد في السرير أسبوعاً".

"شعرت برغبة حقيقية في نجاح المحاولة".

حتى وصلنا للمرة الرابعة والأخيرة التي عايشتها معها، فعلقت قائلة: "هذه المرة شعرت برغبة حقيقية في نجاح المحاولة".

ورغم رغبة رشا في الموت هذه المرة لكنها عاشت، فقد كان الدواء الذي أخذته من زميلتها دون علمها ما هو سوى تركيبة أعشاب، وعندما عرضته على الصيدلاني أسفل البناية التي كنا نسكنها، طمأنني إلى أن هذا الدواء سيسبب لها فقط هبوطاً حاداً في ضغط الدم، ونصحني بإعطائها عصير ليمون لتشربه، وأن أتحدث إليها للتأكد أنها لا تغيب عن الوعي.

وعلقت رشا على سبب إخفائها محاولات الانتحار عن أهلها: "كتير كنت بقول لهم إني محتاجة أروح لدكتور نفسي، لكن ده كان طلب مرفوض، فمكنتش متخيلة لو عرفوا أني حاولت أنتحر رد فعلهم هيكون إيه". وأنهت حديثها: "الآن أعيش على أمل شيء واحد إذا حدث أعتقد أني سأكون بخير، فأنا لم أختر شيئاً في حياتي قط، فلم تكن كليتي من اختياري، ولا ملابسي، ولا حتى ألوانها، هم يختارون، وعندما كنت أختار لنفسي شيئاً لا يعجبهم، كنت أستمع إلى كلمات مهينة تسبب لي الحرج أمام الناس، فكانت بتصعب نفسي عليَّ".

"لم أختر شيئاً في حياتي قط، فلم تكن كليتي من اختياري، ولا ملابسي، ولا حتى ألوانها، هم يختارون، وعندما كنت أختار لنفسي شيئاً لا يعجبهم، كنت أستمع إلى كلمات مهينة تسبب لي الحرج أمام الناس"

قالت المعالجة شيماء: "الأفكار الانتحارية ضمن أعراض الاكتئاب الحاد بحسب دليل التشخيص الذي نسير عليه كمعالجين، فعندما يجد المريض أنه يتألم نفسياً، أو يشعر بالذنب تجاه شيء ما، يتصور أن الحل هو الانتحار".

من المشكلات التي يعانيها مرضى الاكتئاب أو الأشخاص الذين يحاولون الانتحار، بحسب شيماء، حالة الوصم التي يتعرضون لها رغم أنه يجدر بنا التعاطف مع هؤلاء دون توجيه اللوم إليهم. فالناس ترى في هذا الشخص إنساناً ضعيف الإيمان، وضعيفاً في مواجهة مشكلاته، دون النظر إلى ما يكابده.

هذا ما أشار إليه الكاتب وليام ستايرون في كتابه "ظلام مرئي"، الذي كان يشرح فيه رحلته مع الاكتئاب، فعلق على من رأوا في انتحار الكاتب الإيطالي بريمو ليفي خزياً وضعفاً، كاتباً: "هؤلاء الذين لم يجربوا الألم الذي يسببه الاكتئاب الحاد لا يمكنهم بأي حال أن يتصوروه، أو أن يتصوروا أن الاكتئاب يمكن أن يودي بضحيته.... فريق البؤساء الذين يضطرون إلى إهلاك أنفسهم، يجب ألا يوجه إليهم لوم أكثر مما يوجه إلى ضحايا السرطان في مرحلته الأخيرة".

العنصرية في ألمانيا

"العنصرية التي تعرضت لها إلى جانب وحدتي، وانطوائيتي، وقلة كلامي مع أمي، دفعتني لمحاولة الانتحار"، تقول مريم، اسم مستعار (29 عاماً) تسكن في القاهرة، عن محاولتها للانتحار.

شرحت مريم، وهي طبيبة صيدلانية، بعضاً من جوانب حياتها، قائلة لرصيف22: "أنا فتاة مغتربة منذ ست سنوات في ألمانيا، للحصول على الماجيستر، لم أكن أشعر بأعراض اكتئاب عندما كنت في مصر، رغم أن علاقتي بأمي ليست الأفضل، فقد نُقلت إلى المستشفى في إحدى المرات وأنا طفلة بسبب ضربها لي. ورغم كوني انطوائية، وبدون أصدقاء، كانت حياتي في مصر سعيدة".

وما جعل مريم تُقدم على خطوة الانتحار هو شعورها بالعنصرية التي تعرضت لها من قبل زملائها الأجانب عندما سافرت إلى ألمانيا لاستكمال دراستها. وأضافت: "العنصرية التي تعرضت لها لكوني عربية، أخرت حصولى على الماجستير، فلم أحصل عليه إلى الآن، في هذه الفترة أصبت بالاكتئاب، وبدأت في مقابلة طبيبة نفسية مصرية عبر الإنترنت، وحصلت على أدوية للاكتئاب، وهي نفسها الأدوية التي حاولت الانتحار بها في لحظة يأس، لكن سرعان ما تقيأت، وفي اليوم التالي حكيت لرئيستي في العمل ما حدث، فأبلغت المسؤولين عن الصحة في المدينة، ونقلوني إلى مستشفى نفسي".

وأكملت: "تعلمت في المستشفى أهمية الهوايات، والأصدقاء، والأسرة، وتعلمت أن الاكتئاب يصور لنا أفكاراً كاذبة، كما أنه حلقة على المريض أن يكسرها بنفسه".

كيف يمكن التعامل مع الأفكار الانتحارية؟

تجيب شيماء: "الحالات الأكثر عرضة للإقدام على الانتحار هم أصحاب التاريخ المرضي للاكتئاب، سواء بتعرضهم هم من قبل لنوبات اكتئاب، أو لأفراد من أسرتهم تاريخ مع الاكتئاب".

وأنهت العيسوي حديثها ببعض النصائح للمريض: "عندما تشعر أن لديك أفكاراً انتحارية يمكنك الحديث مع أي شخص حول الفكرة، وهذا تكنيك نسميه 'فضح الفكرة' وهو يقلل من الطاقة السلبية المرتبطة بها".

أما بالنسبة لمن حوله، فتنصح: "يُحاول الإنسان الانتحار بسبب عدة عوامل اجتمعت في وقتٍ واحد وهزمته ليس لأنه ضعيف، لكنها عوامل تتحكم فيه دون إرادته، ومن ضمنها تغيير حركة هرمونات الجسم، وفي هذه الحالة الأجدر بنا بدلاً من توجيه اللوم للمريض بكلمات مثل أنت ضعيف، أن نقول له نحن إلى جانبك، مستعدون لسماعك، نرغب في الذهاب للطبيب معك حتى لا تكون وحدك".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard