"زوجي كان يقفل الباب عليّ"... كورونا والانهيار الاقتصادي يخنقان السوريات في لبنان عنفاً

السبت 18 سبتمبر 202101:55 م
Read in English:

“My Husband Would Lock Me In”... Economic Collapse and Covid-19 Effects on Syrian Women in Lebanon

لم يكن للعام الأخير وقع اعتيادي على سكان لبنان، ويمكن أن نقول ببعض من الثقة، على قاطنيه من اللاجئين واللاجئات من سوريا، بشكل خاص. لم يطل وباء كوفيد19، الجوانب الصحية من حياتهم فحسب، بل جاء مصحوباً بانهيار اقتصادي صُنّف من بين الأسوأ في العصر الحديث، ليلقيا بظلالهما على حياة السوريين في هذا البلد الصغير، ويحملاهم أعباء إضافية.

وكما في كثير من أنحاء العالم، جاءت فترة الإغلاق الصحي بوقع ثقيل على النساء، إذ تعرضن لمزيد من العنف الجسدي، واللفظي، والنفسي، وبالنسبة إلى السوريات اللاجئات في لبنان، فقد رزحن تحت وطأة أعلى من الضغوط، والعنف، كردة فعل على تراجع الوضع الاقتصادي لعائلاتهن، وفقدان الكثير من الرجال أعمالهم، لتصبح الزوجات مصدراً للتنفيس عن الغضب. ومع وجود الأزواج في المنزل أغلب الوقت، أصبحت هناك صعوبة كبيرة لدى النساء للتبليغ عن حالات العنف التي يتعرضن لها، لتبقى حكاياتهن حبيسة جدران منازلهن، أو خيمهن.

"الهاتف لم يعد متاحاً لطلب المساعدة"

تقول منسقة الخدمة الاجتماعية في منظمة "كفى"، التي تعمل على محاربة أشكال التمييز جميعها ضد النساء، مايا حداد، إن وضع اللاجئين السوريين في لبنان خاص، ويتعرض معظمهم للتمييز بمختلف أشكاله.

ترزح السوريات اللاجئات في لبنان تحت وطأة أعلى من الضغوط، والعنف، كردة فعل على تراجع الوضع الاقتصادي لعائلاتهن.

وتضيف حداد، وهي تعمل في منطقة البقاع التي تضم أكبر تجمع للسوريين في لبنان، في لقاء مع رصيف22: "خلال الإغلاق العام، أصبحت لدينا كجمعية، صعوبة في الوصول إلى الحالات المعرضة للعنف، فمع وجود الرجال في المنازل، أصبحوا يمنعون النساء من الخروج، وهذا انسحب على التواصل عبر الهاتف، لأنّ الرجال في معظم الحالات هم من يحملونه، والسيدات لا يملكن أجهزة خاصة بهن، وتالياً ليست لديهن وسيلة لطلب المساعدة".

تعرضت زينب، وهي سورية لاجئة في مخيمات البقاع، للتعنيف، على مدار ست سنوات، من زوجها. تقول لرصيف22، مستخدمة اسماً مستعاراً: "لم أكن أعلم بوجود جمعيات يمكنها مساعدتي، فزوجي السابق كان يمنعني من الخروج، ويقفل الباب عليّ، ولا يسمح لي بحمل هاتف، أو باستخدام هاتفه".

حصلت زينب (24 عاماً)، على طلاقها من زوجها المعنِّف، قبل شهرين، من خلال قضية رفعتها ضده في المحكمة الشرعية، مقابل أن تتنازل عن حقوقها كاملة، "وضع مشكلة عدم الإنجاب حجة للضرب، مع أنّ المشكلة، كما أخبرنا الأطباء، نفسية فحسب. كل شهر، عندما يعلم بأنني في فترة الدورة الشهرية، يضربني بحجة أنه لا يستطيع أن يعيش من دون أطفال، وفي الأيام العادية كان يضربني على رأسي فقط، خشية أن أكون حاملاً".

تؤكد زينب أن عنف زوجها ازداد خلال فترة الإغلاق العام، "لأنّه بقي جالساً في المنزل ثلاثة أشهر بلا عمل، والوضع المادي ازداد سوءاً. لم يمر يوم من دون أن يعنّفني، بحجة أنّه متضايق، ومزعوج، وعليّ أن أتحمله".

وتشير تقارير أممية، وأخرى صادرة عن منظمات محلية، إلى ازدياد العنف الأسري في لبنان، خلال العام الأخير، خاصةً الموجَّه منه ضد النساء، وقد تم توثيق الكثير من حالات العنف التي وقع ضحيتها نساء، وأطفال سوريون/ات يعيشون في لبنان، ووصلت إلى حد القتل.

وضع هش

"السيدات بشكل عام، لبنانياتٍ وسورياتٍ، وضعهن هش، وهنّ يحملن عبء الضغط الاقتصادي، والحجر الصحي منذ 2020 وإلى الآن، فبالإضافة إلى فيروس كورونا، أصبح الوضع الاقتصادي مسبباً إضافياً لمزيد من الضغوط والعنف"، تقول المنسقة التقنية في منظمة "أبعاد" المعنية بتحقيق المساواة الجندرية، جيهان إسعيد، في حديث لرصيف22.

منذ عام 2011، تتعرض نهلة (اسم مستعار)، للتعنيف على يد زوجها الذي هربت معه من سوريا إلى لبنان، وفي كل مرة يهددها بقوله: "إمّا أن تتنازلي عن طلباتك، أو ترحلين إلى منزل أهلك، وتتطلقين".

"أصبحت لدينا صعوبة في الوصول إلى الحالات المعرضة للعنف، فمع وجود الرجال في المنازل، أصبحوا يمنعون النساء من الخروج، وهذا انسحب على التواصل عبر الهاتف، لأنّ الرجال هم من يحملونه، والسيدات لا يملكن أجهزة خاصة بهن، وتالياً ليست لديهن وسيلة لطلب المساعدة"

تقول نهلة (29 عاماً)، لرصيف22: "ازداد العنفان، الجسدي واللفظي، كثيراً، خلال الإغلاق العام، والسبب أنّ زوجي توقف عن عمله، ومكث في المنزل، فازدادت تدخلاته في كل تفصيل يومي أقوم به، من التنظيف، والطبخ، وتربية الأطفال، بالإضافة إلى أنّ الأحوال المعيشية أصبحت سيئة للغاية، وتراكم علينا إيجار البيت سنة كاملة، فسبب هذا ضغطاً جديداً، حتى اضطررنا إلى أن يترك ابني مدرسته، بسبب أجرة الباص. وحين عملت في مشغل للخياطة، ظلّ زوجي يعنفني لفظياً، لأنّه لا يريدني أن أعمل، وعليّ سماع كلمته، وأجبرني على ترك العمل بعد شهرين، لأنّه عاود إلى تهديدي بالطلاق".

وتضيف: "زوجي يعدّ نفسه ضحية، وهو الوحيد الذي يعاني، وعليّ أن أتحمل ردود فعله".

لم تلجأ نهلة إلى أي من الجمعيات، للحصول على مساعدة، على الرغم من معرفتها بما يقدمونه من خدمات، وحضورها عدداً من جلسات الدعم في جمعيتي "كفى"، و"النساء الآن". "لا أريد أن أتطلق، فوالداي كبيران في السن، ومريضان، ويعيشان في غرفة واحدة في المخيم، وأنا لدي ثلاثة أطفال، ولا يمكنني الذهاب لأعيش معهما. أمّا عن طلب الحماية والمساعدة، فزوجي لن يقبل بتدخل جمعية بيننا، وعلى العكس ستزداد تصرفاته سوءاً، بالإضافة إلى أنني لا أريد أن أترك أطفالي ليربيهم هو، ويعلّمهم العنف ضدي".

أطفال تحت مطرقة التعنيف

لا يقف التعنيف عند النساء فحسب، بل للأطفال حصة منه.

تخبرنا كوثر شعبان (23 عاماً)، عن زواجها الذي دام عشرة شهور، وطلاقها بعد سنتين ونصف من رفع دعوى ضد زوجها المعنِّف.

"تعرضت لأنواع العنف جميعها، الجسدي والنفسي واللفظي. خلال حملي، وفي الشهر الخامس، أتى بطليقته إلى المنزل، ليمارس علاقة جنسية معها، ولم يراعِ مشاعري، وقبل يوم كان قد ضربني بالحزام على ظهري، وجسدي كله، وكدت أن أجهض الجنين".

وتكمل: "منذ بداية زواجنا، يقفل الباب عليّ، ولا يسمح لي بالتواصل مع أهلي، وعندما علم ذات مرة بتواصلي مع والدتي عن طريق النافذة، شتمني، واتصل بوالدته ليخبرها بأنّه لا يريدني، لتقول له بأنني ما دمت حاملاً بصبي، فليتركني عنده".

هربت كوثر من المنزل، لتنجب طفلها في منزل أهلها، وتضيف: "لاحقته في المحكمة، من أجل نفقة الطفل، ولم أحصل عليها سوى مرتين في المخفر، بعد تهديده بالسجن".

تعرض طفلها أيضاً للضرب المبرح من قبل والده، خلال فترة الإغلاق: "أخذه ربع ساعة، ليعود وقد أبرحه ضرباً على وجهه، وأذنيه، ورقبته".

قدمت كوثر شكوى ضد زوجها، بمساعدة إحدى الجمعيات التي تكفلت بتكاليف تقرير الطبيب الشرعي، لكن الأمر لم يكن بهذه البساطة، إذ تقف الكثير من العقبات في وجه السيدات الراغبات بالتبليغ عن العنف، وفق ما تخبرنا به الناشطة الميدانية والاجتماعية لطيفة شعبان.

"لا أريد أن أتطلق، فلدي ثلاثة أطفال، ولا يمكنني الذهاب لأعيش مع والديّ. أمّا عن طلب الحماية والمساعدة، فزوجي لن يقبل بتدخل جمعية بيننا، وعلى العكس ستزداد تصرفاته سوءاً، بالإضافة إلى أنني لا أريد أن أترك أطفالي ليربيهم هو، ويعلّمهم العنف ضدي"

خدمات "بطيئة"

تقول شعبان لرصيف22: "أزوّد السيدات بطرق تواصل مع الجمعيات، مثل كفى وأبعاد، ولكن لا أجبر إحداهن على أي خطوة، فالجمعيات ترفض تواصل أي أحد غير السيدة المتضررة"

تؤكد شعبان على أنّ الجمعيات لا تكون دائماً حاضرة لتلبية الاحتياجات، حتى الضرورية منها، فقد يأخذ الأمر بضعة أيام، نتيجة تعقيدات عديدة، وتستشهد بقصة كوثر التي تعرض ولدها للضرب على يد والده. "عند معرفتي بالقصة، أخبرتها بضرورة تقديم شكوى، ولم تكن تملك تكلفة الحصول على تقرير الطبيب الشرعي. تواصلنا مع إحدى الجمعيات، لكن لم نحصل على استجابة سريعة، في حين أنّ الحالة لا تنتظر، فالكدمات ستخف مع الوقت. تدينتُ المبلغ، لتقوم الجمعية بعد مدة بتغطية التكاليف، وسداد الدّين".

توافق منال شخاشيرو، وهي عاملة اجتماعية في جمعية "النساء الآن"، مع شعبان، وتقول لرصيف22، إن التشبيك والتعاون مع الجمعيات خجول، فلا توجد استجابة سريعة، حتى عندما تكون الاحتياجات فورية. "نقوم بإحالة النساء المعنَّفات، إمّا داخل مؤسستنا، أو خارجها إلى كفى، وأبعاد. أحياناً تكون الاستجابة بطيئة، وأحياناً أخرى لها تبعات. مثلاً، لا تساعد الجمعيات المرأة الناجية من العنف، إلا بعد التواصل مع الدرك اللبناني، والسيدات في هذه الحالة يتراجعن عن طلب الخدمة، نتيجة الخوف".

مماطلات قانونية

تشرح جيهان إسعيد أن عدم السرعة في تقديم الخدمات للمعنّفات، ناتج عن وجود مماطلة في المسار القانوني، ففي فترة الإغلاق مثلاً، لم تكن المحاكم تعمل، إلى أن وضعت النيابة العامة خطة لتلبية القضايا، "وهذا خارج نطاق قدرتنا"، مشيرةً إلى أن الجمعيات عملت على وضع خطط لتقديم الخدمات، من دون التأثر بالجائحة، كتدريب الأخصائيين الاجتماعيين على تقديم الاستشارة عبر الهاتف.

عملت الجمعيات على وضع خطط لتقديم الخدمات دون التأثر بالجائحة، كتدريب الأخصائيين على تقديم الاستشارة عبر الهاتف.

توافق حداد إسعيد، وتقول: "توجد العديد من العراقيل في المسار القانوني، فالمحاكم الدينية أغلقت أبوابها، وحتى بعد استئناف عملها، بقيت لدينا معضلة إغلاق الطرقات، وإضراب المحامين، وعدم توافر الوقود للسيارات. والتأخير ناتج عن الأوضاع الاستثنائية في البلد، والتدخل لحماية المعنَّفات أولوية لدينا".

وتضيف: "الخدمات تُقدّم بالمساواة، وما يفرق هو درجة الخطورة على السيدة، ونحن نتدخل بعيداً عن أي انتماءات، ونتعامل مع الحالة بسرية تامة".

خطوط ساخنة

تقدّم جمعية كفى، مجموعة من الخدمات تذكرها حداد، وهي خدمات اجتماعية، وقانونية، ونفسية، وتوفير مركز آمن للسيدات، ووضع خطة عمل حسب احتياجاتها، إن كانت في حاجة إلى عمل، أو تدخل قانوني، أو نفسي، ومتابعة قانونية لأنواع المحاكم كلها، وإذا كانت في حاجة إلى مركز إيواء، يتم تحويلها إلى مكان مناسب.

الخط الساخن على مدار الساعة، وبإمكان أي سيدة الاتصال عليه، هو 03018019.

"توجد العديد من العراقيل في المسار القانوني، فالمحاكم الدينية أغلقت أبوابها، وحتى بعد استئناف عملها، بقيت لدينا معضلة إغلاق الطرقات، وإضراب المحامين، وعدم توافر الوقود للسيارات. والتأخير ناتج عن الأوضاع الاستثنائية في البلد، والتدخل لحماية المعنَّفات أولوية لدينا"

أمّا جمعية أبعاد، فتذكر إسعيد خدماتها، وهي خدمات الدعم النفسي، والاجتماعي، والإرشاد والتوجيه، والتوعية بالحقوق، والأنشطة الثقافية والترفيهية، والتشبيك مع المجتمع المحلي لأي مشروع تسعى السيدة إلى العمل عليه، وخدمة الإيواء الآمن للناجيات من العنف.

وإلى جانب الخدمات المخصصة للنساء، هناك مركز الرجال، لتقديم الدعم النفسي لمن لديهم سلوكيات عنيفة، ليتعلموا إدارتها.

الخط الآمن لتلقي الاتصالات كافة، هو 81788178، وخط مركز الإيواء الآمن هو 76060602.

بالنسبة إلى خدمات جمعية النساء الآن، فتذكرها شخاشيرو، وهي الدعم النفسي للسيدات، والعلاج النفسي والتوعية، والتمكين الثقافي، والدورات التدريبية، بالإضافة إلى مساعدات مؤقتة، لحل المشكلات المادية.

يُجمع من تحدثنا إليهم، من ناشطين، وناشطات، ونساء، على أن اللاجئات السوريات في لبنان اليوم، معرضات للعنف بشكل مستمر ومتزايد، كما أن نقص معرفتهن بحقوقهن، وعدم مقدرتهن على الوصول إلى الجهات الداعمة، بالإضافة إلى الخوف من الذهاب إلى قوى الأمن، لعدم توافر إقامات، وأوراق ثبوتية، لدى معظمهن، كلها أسباب تلعب دوراً في كتم أنفاسهن، وخنقهن بشكل محكم.

وعلى الرغم من الجهود التي تبذلها الجمعيات المعنية، إلا أن النساء ما زلن في حاجة لإمكانية الوصول إلى خدمات طارئة وسريعة، وجلسات مكثفة داخل مخيماتهن، وأماكن سكنهن، لمعرفة طرق النجاة من كابوس العنف المنزلي، لعلهن يصلن إلى بر الأمان.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard