في رمضان، لا يكون الجوع هو الأكثر حضوراً، بل الفراغ. فراغ الساعات التي كانت تُملأ بجلسات القهوة، بالوجبات السريعة، وبالانشغال المفتعل. فجأةً، نصحو مرتبكين، لأننا نملك وقتاً أطول مما اعتدنا، ووعياً أشد صفاءً مما نحتمل. ننزع طبقة رفيعة من الضجيج، فنرى ما تحتها بوضوح لا يرحم.
رمضان لا يخلق مشاعر جديدة، بل يحرر القديمة من تخديرها. الغضب الذي أجلناه، الحزن الذي مررناه سريعاً، الأسئلة التي أخفيناها خلف جدول مزدحم، كلها تجد طريقها إلينا. لذلك يبدو الشهر ثقيلاً في بدايته، لأنه لا يسمح لنا بالهرب السهل. نحن أقل تشتيتاً وأكثر اقتراباً من أنفسنا، وربما لهذا تحديداً نعلّق عليه آمال الاستقرار، ليس لأنه يهدّئنا فوراً، بل لأنه يضعنا أمام فوضانا أولاً.
الاستقرار في رمضان لا يأتي كهدية، بل كنتيجة مواجهة. نصوم، فنكتشف أن كثيراً مما اعتبرناه ضرورة كان مجرد عادة، ونهدأ، فنفهم أن بعض ما خشيناه لم يكن سوى صوت داخلي يطلب الإصغاء.
رمضان ليس شهر المثالية، كما نحب أن نصوّره، بل شهر المكاشفة. وكل مكاشفة تبدأ باضطراب صغير، بثقل عاطفي، بحساسية زائدة، ثم شيئاً فشيئاً، نتعلم كيف نحمل هذا الثقل من دون أن نهرب منه. ربما هنا يكمن المعنى الأعمق للصوم: أن نجرؤ على البقاء مع أنفسنا، دون إضافات، دون مسكنات ودون ضجيج.
الصوم ضبط للجسد والوعي
قبل رمضان بأسابيع، يعود الحديث عن الصيام المتقطع وفوائده، بوصفه أسلوب حياة حديث، يمنح التركيز الصافي ويجعل المزاج أكثر استقراراً.
أشارت دراسة نُشرت في المكتبة الوطنية للطب، National Library of Medicine، إلى أن أنماط الصيام المتقطع قد ترتبط بتحسّن في مؤشرات المزاج والانتباه لدى بعض المشاركين/ات، خصوصاً مع استقرار مستوى السكر في الدم وانخفاض الالتهابات.
كما لُوحظ أن تنظيم أوقات الأكل يمكن أن يؤثر في الإيقاع اليومي للجسم، ما ينعكس على صفاء الذهن وجودة النوم.
وبالتالي، الصيام ليس سحراً ولكنه إعادة ضبط دقيقة: حين يتغيّر توقيت ما يدخل إلى أجسادنا، يتغيّر إيقاع ما يدور في عقولنا.
ما لا نجرؤ على قوله عن رمضان
في رمضان، لا يبدو المشهد بهذا الهدوء. يتبدّل كل شيء دفعة واحدة: الكافيين يختفي فجأة، السكر ينخفض، مواعيد النوم تتأرجح. هنا يتدخل الجسد ليعلن اعتراضه، فيترجمه صداعاً، تشتتاً أو حدّة غير مبررة في المزاج.
الجسد والوعي ليسا خطين متوازيين، بل منظومة واحدة تتنفس بإيقاع واحد. ما نأخذه من الخارج كفنجان قهوة، قطعة سكر، أو وجبة سريعة، لا يعبر المعدة فقط، بل يعبر المزاج ويعيد تشكيل طريقة استقبالنا للعالم. نحن لا نأكل لنشبع فقط، بل لنهدأ أحياناً أو لنكافئ أنفسنا.
الصيام ليس سحراً ولكنه إعادة ضبط دقيقة: حين يتغيّر توقيت ما يدخل إلى أجسادنا، يتغيّر إيقاع ما يدور في عقولنا
وحين يُسحب هذا كله فجأة، تنكشف العلاقة المعقدة بين الداخل والخارج. كأننا نكتشف أن كثيراً من استقرارنا لم يكن ذاتياً تماماً، بل مستعاراً من طقوس صغيرة يومية. القهوة لم تكن مشروباً فحسب، بل فاصلاً نفسياً.
الوجبة لم تكن غذاءً فقط، بل توقيتاً للطمأنينة. الجسد يحمل الوعي، نعم، لكنه أيضاً يُذكّره بما يحتاجه.
القهوة والسيجارة: مرآة أم مخدر؟
أحمد، شاب ثلاثيني، يعمل في المبيعات، يخبر رصيف22 عن إدمانه على القهوة وصعوبة التخلي عنها في أيام الصوم: "أول ما أصحى لازم أشرب قهوة عشان ما أحسش إني غبي وسط الناس". القهوة عنده درع اجتماعي. يقترن فنجانها بسيجارة، ويقترن الاثنان معاً بشعور دقيق: الطمأنينة، الإحساس بالتحكم والحضور.
حين تُسحب القهوة والسجائر دفعة واحدة، لا يشتاق للطعم فقط، بل لتلك النسخة من نفسه التي كانت تتماسك عبرهما. يصبح سريع الانفعال، ضيق الخلق و"واقف على تكه"، على حدّ قوله. ليس لأن الصيام غيّره، بل لأنه جرّده من مسكّناته المعتادة.
تعلّق أحمد لا يختلف كثيراً عن جهاد، وهو مدير مدرسة وشاعر.
يقول جهاد لرصيف22: "المدخن الصائم يدخل الجنة من بابين: باب الريان وباب الصابرين. في أول أيام رمضان، الوجوه والأشكال والطرقات كلها تأخذ شكل سيجارة. الحقيقة الواضحة أن غياب التدخين يعني غياب الكثير من الهدوء والسكينة والنظام".
يؤكد جهاد أن السيجارة لم تكن مجرد عادة، بل حالة كاملة من الهدوء والنظام النفسي المرتبط باللحظات الخاصة، مما يجعل غيابها في رمضان كشفاً حقيقياً للفراغ الداخلي.
وهنا يظهر المبدأ النفسي الذي تتحدث عنه الاختصاصية النفسية الاجتماعية، فاطمة محبوبة، بالقول لرصيف22: "نحن لا نتعلق بالفعل ذاته، بل بالشعور الذي يمنحه لنا. راحة سريعة، هدوء مؤقت، إحساس بأننا بخير".
وتالياً، فإن المشكلة ليست في القهوة أو السيجارة، بل في المعادلة الخفية: شعور مزعج، سلوك سريع، راحة مؤقتة. ومع التكرار، نبدأ بالاعتقاد بأننا ندمن الشيء، بينما نحن في الحقيقة ندمن الإحساس الذي يصنعه.
رمضان فرصة المواجهة
أريج، فتاة في السادسة عشرة، تقول لرصيف22: "كنت بحس إنو بنفصل عن التوتر، بس برمضان قررت أبعد شوي، فصرت أحس بالوحدة، لأنه ما في شي أضيع فيه وقتي غير السوشيال ميديا".
بدورها، توضح فاطمة محبوبة كيف يكشف رمضان هذا النوع من التعلق: "الصيام لا يوجد القلق، هو فقط يرفع الغطاء. في الأيام العادية نملك دائماً وسيلة إلهاء جاهزة. حين نصوم، تُسحب هذه الوسائط. يظهر الحزن الذي لم نسمّه، القلق الذي تجاهلناه، الفراغ الذي كنا نملأه سريعاً. الذي يظهر ليس انهياراً بل علامة صدق".
المشكلة ليست في القهوة أو السيجارة، بل في المعادلة الخفية: شعور مزعج، سلوك سريع، راحة مؤقتة. ومع التكرار، نبدأ بالاعتقاد بأننا ندمن الشيء، بينما نحن في الحقيقة ندمن الإحساس الذي يصنعه
في هذا السياق، يظهر رمضان كإعادة ضبط سنوية، ليس بالمعنى السطحي للتجديد المؤقت، بل كعودة إلى الأصل. رمضان يغيّر الإيقاع: نأكل بوعي، نقلل الضجيج، نراجع عاداتنا، ونختبر قدرتنا على الامتناع.
عملياً، نستطيع بعد رمضان المحافظة على عادة واحدة تغيّرت بصدق أو لحظة صمت مقصودة كل يوم أو أي روتين يرفع مستوى وعي الذات.
كل هذا يضمن أن تأثير رمضان لا يزول بعد انتهاء الشهر، بل يتحوّل إلى عادة مستمرة: من الاندفاع إلى الاختيار، ومن التلقائية غير الواعية إلى القصد، رغم أن الواقع الاجتماعي والاقتصادي المحيط بنا لا يسهّل دائماً الحفاظ على هذا التغيير، فالبيئة اليومية مليئة بالمحفّزات التي تعيدنا تلقائياً إلى العادات القديمة.
الاقتصاد الاستهلاكي يبرمج شعورنا
يشير كتاب بعنوان "Addictive Consumption: Capitalism, Modernity and Excess" إلى أن الاقتصاد الاستهلاكي الحديث يوجد أنماط تعلق مستدامة عبر منتجات تحفّز دوائر المكافأة العصبية، من الكافيين إلى التطبيقات الرقمية، بحيث يصبح الاستهلاك جزءاً من الهوية اليومية للفرد.
ويوضح كتاب زيغمونت باومان Consuming Life كيف يتحوّل الإنسان في الرأسمالية المعاصرة من "مستهلك" إلى "منتج قيد التشكيل"، بحيث يُعاد تعريف قيمته عبر الاستهلاك المستمر.
الرأسمالية لا تفرض عليك القهوة أو الهاتف قسراً، لكنها تصممهما بحيث يصعب الانفصال عنهما.
"الصيام لا يخلق القلق، ولا يصنع الفراغ، ولا يولّد الاضطراب. هو فقط يرفع الغطاء. يكشف أين كنّا نهرب، وبماذا كنّا نُخدِّر أنفسنا، وكل مرّة نجلس مع شعور مزعج دون أن نهرب، نتقرب خطوة من النضج"
يظهر رمضان كفاصل حاد في هذا الإيقاع، حيث يتوقف التدفق المفترض، ويُجبر الفرد على مواجهة ذاته. فجأةً، تصبح الفراغات التي كانت تُسد بالقهوة أو السجائر أو الهاتف واضحة، ويظهر الشعور الذي كان يُسكّته كل هذا: القلق، التوتر، الفراغ.
تشدد الدكتورة فاطمة محبوبة بأن رمضان ليس مجرد صيام عن الطعام، بل كشف صادق لما نخبّئه داخلنا: "الصيام لا يخلق القلق، ولا يصنع الفراغ، ولا يولّد الاضطراب. هو فقط يرفع الغطاء. يكشف أين كنّا نهرب، وبماذا كنّا نُخدِّر أنفسنا، وكل مرّة نجلس مع شعور مزعج دون أن نهرب، نتقرب خطوة من النضج".
وهنا تكمن قيمة رمضان: ليس مجرد الامتناع عن الطعام والشراب، بل الوقوف أمام أنفسنا بصدق، مرة واحدة في السنة على الأقل، لنفهم ونختبر قدرتنا على التغيير.
الفراغ الذي كان مخفياً خلف القهوة، الدخان، أو الهاتف يصبح واضحاً، ويجبرنا على التساؤل: ماذا نحتاج فعلاً؟ وما هي العادات التي تسيطر على شعورنا بدلاً من أن نسيطر نحن عليها؟ نعم، نحن لا نتعلّق بالشيء في ذاته، بل بالحالة التي يصنعها في داخلنا.
في النهاية، إن رمضان في جوهره، وقفة احترام مع الذات وتقدير لهذه الفرصة النادرة لمراجعة دواخلنا ولتذكيرنا بأن مواجهة النفس بشجاعة مرة واحدة في السنة قد تكون كافية لتغيير مسارنا نحو الأفضل.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
